تعرض لنا الحكومة الإسلامية أصولاً في هذا المجال نستعرضها فيما:
1. نفي الظلم والرضوخ له ...؛ {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279].
2. الوفاء بالعهود والمواثيق الدولية؛ {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34]، وإن لزوم الوفاء بالعهد لا يختص بعهد الله بل مقتضى إطلاق الآيــة المذكورة وسائرة الأدلة هو لزوم الوفاء به حتى في العهد مع خلق الله. وقد عبر القرآن عن المؤمنين العظام الذين نالوا مرحلة الأبرار: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: 177]، وقال في ذم المشركين والكافرين: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ...} [الأنفال: 56].
المجتمع الملتزم متنعم بالأمن والحرية
إن اهتمام الحكومة الإسلامية بإحلال نظام الالتزام والقانون والوفاء بالعهد واحترام الميثاق ينصب في وصول المجتمع الملتزم إلى الأمن والحرية اللذان هما من مستلزمات التحضر ومن أسس المدينة الفاضلة. فإن ترك المجتمع العمل بالميثاق، سيُسلب منه الأمن والحرية وسائر الشؤون المدنية وإن للقرآن الكريم بيان بليغ في هذا الشأن فإنه وعبر تحليل خلقة الإنسان والتساوي بين البشر الأسس العامة للخلقة وعدم تأثير الزمان واللغـة والعنصر واللون والرسوم والآداب والعادات الداخلية والمحلية وما إلى ذلك في قوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، لا يجيز لأي شخص أو فئة وبأي نحـو مـن الأنحاء الاستعلاء والاستكبار ويراه العامل المهم للإخلال بالتعادل الاجتماعي ويجب مقارعته بسبب أن النزعة الاستكبارية هي نزعة نكث العهد ونقض الميثاق بعينها ولذا يقول: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [التوبة: 12].
نكث العهد أهم دليل المقاتلة المشركين
إن أهم دليل للقتال مع المستكبرين هو نقضهم للعهد؛ لأن الله لم يجعل دليل قتالهم كونهم ((لا إيمان لهم)) (بالكسر)، بل لكونهم {لا أَيْمَانَ لَهُمْ} (بالفتح)، إذ يمكن التعايش السلمي مع الكافر الذي لا إيمان له، ولكن لا يمكن ذلك بتاتاً مع المستكبر الذي لا أيمان له، إذ لا تتيسر الحياة من دون عهود متقابلة لأن الطرف المقابل إذا كان لا يحترم عهده ويمينه وميثاقه وينقضه عنـد المقـدرة فعند ذاك ستتعذر معه الحياة المشتركة.
وإن ما مُني به المجتمع البشري في الجاهلية الجديدة كما في الجاهليـة القديمة هو نقض العهد من قبل أصحاب القدرة والسلطة في العصر الحاضر وإن بيان قصور منظمة الأم المتحدة وسائر المحافل الدولية والمدعين لحقوق الإنسان مع الهجمات الغاشمة في مختلف بقاع العالم لا ينوء به المقام.
تأثير أداء الأمانة في الأمن والحرية
3- أداء الأمانة والابتعاد عن الخيانة في الأموال والحقوق: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]. فإن أمر الله هو لزوم مراعاة الأمانة وأدائها إلى صاحبها وقد قال في مدح المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8]، و وصف الكثير من الأنبياء للناس بالأمانة وتشهد على ذلك آيات سورة ((الشعراء)).
وإن تأثير الاحترام المتبادل لأمانات الآخرين مشهود بوضوح في إقرار الأمن والحرية وتأسيس المدينة الفاضلة. وقد أثبت القرآن المجيد عبر تحليـل تركيبة الإنسان بأنه لا يحق لأي شخص أو فئة الخيانـة فـي الأمانة وأدان التمييز العنصري للصهاينة وأمثالهم الذين يُفضّلون أنفسهم على الغير ولا يُلزمون أنفسهم في مراعاة أمانة الآخرين قائلاً: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75]؛ أي أن بعض اليهود إن أعطيته ديناراً أمانة لا يؤده إليك إلا بالقوة والرقابة ودليل خيانتهم في الأمانة هو استعلاؤهم على غير أهـل التوراة وقولهم إن لم نردّ إليهم أمانتهم لا يوجد في ذلك حرج أو قدح أو ذمّ علينا. وبالطبع فإن من يخون الأمانة لا يرتدع عن النهب الابتدائي ومن يخون بدينار واحد فهو قطعاً يرى الخيانة في الثروات الواسعة والوطنية أمر مباح.
دعاء النبي إبراهيم الخلافة الإنسان لله وتأسيس المدينة الفاضلة
إن سلسلة الأنبياء الإبراهيميين (عليهم السلام) الذين قادوا الحكومات الإسلامية لسنوات متمادية وقد قال عنهم القرآن: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} [المائدة: 20]، قد ورثوا الخطوط العامة للإمامة والقيادة والأسس المهمة للسياسة والحكومة من مؤسس الكعبة ومعمار المطاف ومهندس القبلة العالمية وإن النبي إبراهيم (عليه السلام) لم يلتزم بها في سيرته فحسب، بل كان يطرحها بالكامل في مناجياته الخاصة ويطلب استجابتها من الله.
وإن عصارة أدعيته تصبّ في الهدفين المهمين للحكومة الإسلامية وهما خلافة الإنسان الصالح السالك طريق الكمال لله وتأسيس المدينة الفاضلة وذلك بالنظر إلى أن تأسيس المدينة الفاضلة لا يتأتى إلا في ضوء تكامل الذين وصلوا إلى المقام المنيع للخلافة الإلهية.
وإن ما يتعلق بالإعمار والحرية والأمن والاقتصاد السالم ونظائرها، هـو من صفات وشروط المدينة الفاضلة التي وردت في طائفة من الآيات منها: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 126]، وما يتعلق بكمالات الإنسان التي تمهد الأرضية لخلافة الله مذكورة في العديد من الآيات منها {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]، {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129]، وإن الجذور الرئيسية للأدعية السياسية المسجلة في الجوامع الروائية، هي أدعية قادة الدين المذكورة في الصحف السماوية ولاسيما في القرآن الكريم.