ميدان علم الجغرافيا
المؤلف:
د. عيسى علي ابراهيم
المصدر:
الفكر الجغرافي والكشوف الجغرافية
الجزء والصفحة:
ص 358 ـ 362
2026-07-29
64
لا يوجد اتفاق كامل بين الجغرافيين على تعريف واحد المجال دراسة العلم وموضوعاته، فأحيانا تعرف الجغرافيا بأنها علم المكان أو باعتبارها تدرس الأرض بوصفها موطناً للإنسان، وبالتالي يدخل في مجال دراستها الأغلفة الأربعة التالية :
1ـ الغلاف الصخري ويقصد به قشرة الأرض الخارجية مادتها وتكويناتها وخصائصها وما تضمه من ثروات معدنية أو تربات صالحة للاستغلال، كما يشمل ذلك ما أصاب هذه الغلاف من تغيرات انعكست على الاختلافات المكانية فيه، وبالطبع ينصب مجال الدراسة في هذه الحالة على كتل اليابس الرئيسية والجزر المتناثرة في مياه البحار والمحيطات التي تم كشفها على النحو الذي عرض في الفصول السابقة.
2ـ الغلاف الهوائى ويقصد به الجزء الأدنى بصفة خاصة حيث يؤثر على سطح الأرض بشكل مباشر وتتركز الدراسة في هذه الحالة على الاختلافات الجغرافية فى أحوال المناخ زمنا ومكانا وأسبابها وتأثيراتها المتنوعة، وقد يمتد ذلك ليشمل دراسة المناخ القديم وانعكاساته التي ظلت قائمة حتى الوقت الحاضر على مخزون المياه الجوفية الحفرية أو على اشكال السطح المحنطة مثل الأودية الجافة فى الأقاليم الصحراوية، أو المدرجات البحرية والبحيرية والنهرية وعلى الاختلافات فى مواطن الاستقرار البشرى وأساليب استغلال موارد البيئة.
3ـ الغلاف المائي: ومجال الدراسة في هذه الحالة هو مياه البحار والمحيطات التي تشغل ما يقرب من 70٪ من سطح الكرة الأرضية، وتنصب الدراسة فى هذه الحالة على تخصص محدد هو جغرافية البحار والمحيطات توزيعها وخصائص مياهها من حيث درجات حرارتها وملوحتها وكثافتها وحركاتها ممثلة فى الأمواج والتيارات البحرية والمد والجزر وحركات التقليب الرأسية ثم الكائنات الحية فيها وخصائص قيعانها من حيث الأعماق والتضاريس.
4ـ الغلاف الحيوي وهو دراسة توزيع الكائنات الحية على سطح الأرض بما في ذلك الإنسان وهذه تصنف في مجموعات بحيث تشمل المملكة الحيوانية والنباتية والحشرية والميكروبية غير أن الجغرافيا بهذا التعريف تدخل مجالات رحبة تعالجها عدة علوم أخرى مثل علوم الأرض والأحياء والعلوم الاجتماعية وبالتالى فالسؤال هو ما الذى يركز عليه دارس الجغرافيا من هذه الموضوعات حتى لا تتداخل موضوعاته مع ما تدرسه هذه العلوم تنصب الدراسة الجغرافية عادة على اسئلة محددة أولها وأهمها هو السؤال أين ومن ثم فكل شيء يقبل التوزيع له جغرافيا بمعنى أن الجغرافي مستخدماً الخريطة يستطيع أن يوزع اليابس والماء وأحوال المناخ والتضاريس والنبات الطبيعي والإنسان بخصائصه المختلفة، والأنشطة الاقتصادية ومناطق الانتاج والاستهلاك، والجريمة والأمراض والدول (الوحدات السياسية) والانتخابات والمدن والقرى والطرق وهذه هي الخطوة الأولى والهدف الرئيسى في أي دراسة جغرافية، واستعمال الخريطة يوضح صورة التوزيع وبطبيعة الحال يختلف مقياس الرسم حسب درجة اتساع المكان أو ضيقه وتبعاً لكم التفاصيل الذي يبغيه الدارس لموضوع معين.
وعلى سبيل المثال إذا كنت ترغب فى دراسة قرية أو مدينة صغيرة لابد أن يختلف المقياس عن دراسة دولة مثل الصين أو كندا وهذه وتلك تختلف عن دراسة قارة آسيا أو أمريكا اللاتينية وكذلك الحال بالنسبة للعالم بأسره لابد أن تضطر إلى استخدام مقاييس رسم مختلفة.
أما الخطوة الثانية فى الدراسة الجغرافية فتقوم بمحاولة معرفة شكل التوزيع القائم في الخريطة ويسمى هذا بالوصول للنمط أو الشكل Pattern or form فتسأل نفسك هل هو متكتل أو متجمع أم مبعثر ومتناثر؟ يأخذ شكلا خطياً طولياً أم شكلاً أخطبوطيا له عدة أذرع وهكذا يتم رصد شكل التوزيع خرائطيا أو باستخدام الأساليب الكمية.
ويحتاج دارس الجغرافيا بعد الخطوتين السابقتين للوصول للأسباب أو البحث عن العلية الكامنة وراء اتخاذ التوزيع شكلاً محددا وهذه عادة ما تكون أصعب الخطوات أمام المتخصصين فى العلم لأن الظاهرات المدروسة لا تفسر في ظل سبب واحد، فالمعمل الذى تمت في ظله تأثر بالظروف الطبيعية والبشرية القائمة حالياً، كما أن ظلال الماضي تنعكس على الحاضر، والتغير وعملياته مستمرة والنتيجة أن عمليات التفسير أو التعليل تدفع المتخصص لمد يده لعلوم أخرى عديدة قد يجد لدى واحدا منها تفسيرا مقبولا للتوزيع القائم.
ويتطلب التعليل الصحيح في الجغرافيا دقة الملاحظة في الميدان واستخدام تقنيات عديدة للربط تبدأ بمجرد المقارنة البصرية للخرائط كأن تنظر لخريطة المطر فى سوريا أو الجزائر وخريطة توزيع المساحات المزروعة بالقمح مثلاً أو خريطة مناطق إنتاج البترول فى شبه الجزيرة العربية وخريطة توزيع السكان وتتدرج بعدها لقياس نوع العلاقة ودرجتها إحصائيا باستخدام أحد أساليب الارتباط وإجراء إختبار لمدى صدق هذه العلاقة وهل هي حقيقية أم مجرد توافق في التوزيعات المكانية جمعته الصدفة البحتة.
وتقتضي الدراسة الجغرافية عند ربطها بين ظاهرتين فحصاً دقيقاً لمدى مسئولية واحدة منهما عن وجود الأخرى، وفي هذه الحالة يطلق على واحدة سببا والأخرى نتيجة، ففى المثال السابق عن زراعة القمح يكون المطر سبباً والمساحات المزروعة نتيجة، غير أن الحذر في بعض الأحيان من الانزلاق لاعتبار المطر المسئول الوحيد عن زراعة القمح في سوريا أو الجزائر، فالمؤكد أن عوامل أخرى كثيرة تلعب أدواراً مختلفة في وجود الظاهرة لابد من أخذها في الحسبان مثل سياسة الحكومة والاعتماد على مياه الرى ورغبة الزراع وأسعار القمح في الأسواق.
وتحاول الجغرافيا أن تدرس مدى التفاعل Interaction بين وجود أو توزيع ظاهرة معينة في مناطق بالذات وظاهرات أخرى في أقاليم أبعد، وينظر كثير من المتخصصين إلى هذه النقطة الأخيرة باعتبارها خلاصة لكل ماسبق، وكلما كان قدر التفاعل أكبر ومداه أبعد كان لوجود هذه الظاهرة قيمة جغرافية والعكس، فهنا تختلف الظاهرات الطبيعية التي لا دخل للإنسان في وجودها وحركتها عن الظاهرات البشرية التي تتغير تبعا لرغبات الإنسان وتقنياته، والأمر المؤكد أن مدى التفاعل المكاني قد اتسع في السنين الأخيرة بحيث أصبح العالم يسمى القرية الكونية Global village ، فالقرار أو الحدث الذي يتم في إحدى دول أمريكا اللاتينية مثلاً تنتقل أصداؤه أو تأثيراته إلى أوربا وإفريقيا والشرق الاقصى، كما أن الزمن انتصر في نفس الوقت نتيجة للتقدم في وسائل الاتصال فقد انتهى تقريباً زمن الجماعات البشرية التي تعيش في عزلة كاملة عن العالم المحيط بانتهاء عصر الكشوف الجغرافية مع منتصف القرن العشرين.
وتقاس التفاعلات عادة من خلال الحركة سواء كانت لسلع يتم تبادلها أو رسائل على شبكات الاتصال أو هجرات تتم بين المناطق أو الأقاليم الجغرافية أو تحركات بدولية جيئة وذهاباً وكلما كان أكبر أشار ذلك إلى درجة أعلى من الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، وإذا كانت الجغرافيا في تعريفها تعالج موضوعاتها على النحو المشار اليه آنفا
فذلك يعنى أن فكرة الناس عنها خاطئة فغالباً ما يتصور كثيرين أن هذا العلم ليس سوى حفظا لأسماء الأماكن أو الأعلام الموقعة على الخرائط أو أنها تهتم بالتغيرات في أحوال المناخ وتقلبات الطقس اليومية، بل أن البعض الثالث يرى أن الجغرافي يمكنه النظر للصخور فى الطبيعة والتعرف على أنواعها أو هي مجرد وصف للبيئات الجغرافية من خلال الرحلات أو البعثات الكشفية.
ولاشك أن في كل ما سبق من أفكار ظلا من الحقيقة عن محتوى الجغرافيا، فأسماء الأماكن عند الجغرافي تعادل التواريخ بالنسبة للمؤرخ فهي بمثابة قوالب البناء الأساسية فى الموضوعات ولكنها ليست الموضوع ذاته، ومن ثم كانت الخريطة هي الأساس الجامع لهذه الاهتمامات ويستعين الدارس للجغرافيا بالإضافة للخريطة بالجداول والأشكال لتوضيح رؤاه عن المكان ومن ثم يمكن القول أن وسائل التعبير المرئية ترتبط بالجغرافيا أكثر من أى علم آخر.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في معلومات جغرافية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة