يظهر من الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ مشيئته وإرادته من صفات فعله، كالرازقيّة والخالقيّة، وإليك نبذا من هذه الروايا :
1 ـ روى عاصم بن حميد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : «قلت : لم يزل الله مريدا؟. قال : إنّ المريد لا يكون إلّا لمراد معه. لم يزل الله عالما قادرا ، ثم أراد» (1).
يبدو أنّ الإرادة التي كانت في ذهن الراوي وسأل عنها هي الإرادة بمعنى العزم على الفعل ، الذي لا ينفك غالبا عن الفعل. فأراد الإمام هدايته إلى أنّ الإرادة بهذا المعنى لا يمكن أن تكون من أوصافه الذاتية ، لأنه يستلزم قدم المراد أو حدوث المريد. ولأجل أن يتلقى الراوي معنى صحيحا للإرادة ، يناسب مستوى تفكيره ، فسّر (عليه السلام) الإرادة بالمعنى الذي يجري عليه سبحانه في مقام الفعل وقال : «لم يزل الله عالما قادرا ثم أراد» أي ثم خلق. ولكن ما جاءت به الرواية لا ينفي أن تكون الإرادة من أوصافه الذاتية بشكل لا يستلزم قدم المراد ، وهو كونه سبحانه مختارا بالذات غير مضطر ولا مجبور.
وبذلك ظهر أنّ لإرادته سبحانه مرحلتان كعلمه ، ولكل تفسيره الخاص.
2 ـ روى صفوان بن يحيى قال : قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : «أخبرني عن الإرادة من الله ، ومن الخلق».
قال : فقال (عليه السلام) : «الإرادة من الخلق الضمير ، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل ، وأما من الله تعالى فإرادته ، إحداثه لا غير ذلك ، لأنه لا يروّي ولا يهمّ ولا يتفكّر ، وهذه الصفات منفية عنه ، وهي صفات الخلق. فإرادة الله الفعل لا غير ذلك ، يقول له كن فيكون ، بلا لفظ ، ولا نطق بلسان ، ولا همّة ، ولا تفكّر ، ولا كيف لذلك ، كما أنّه لا كيف له» (2).
وهذه الرواية تتحد مع سابقتها في التفسير والتحليل. فالإرادة التي كان البحث يدور عليها بين الإمام والراوي هي الإرادة بمعنى «الضمير وما يبدو للمريد بعد الضمير من الفع». ومن المعلوم أنّ الإرادة بهذا المعنى سمة الحدوث ، وآية الإمكان ، ولا يصح توصيفه سبحانه به. ولأجل ذلك ركّز الإمام على نفيها بهذا المعنى عن الباري ، فقال : «لأنه لا يروّي ولا يهمّ ولا يتفكّر».
ولكن ـ لأجل أن يتلقى الراوي مفهوما صحيحا عن الإرادة يناسب مستوى عقليّته فسّر الإمام الإرادة ، بالإرادة الفعليّة ، فقال : «فإرادة الله الفعل لا غير ذلك ، يقول له كن فيكون ...». فمع ملاحظة هذه الجهات لا يصح لنا أن نقول إنّ الإمام بصدد نفي كون الإرادة من صفات الذات ، حتى بالمعنى المناسب لساحة قدسه سبحانه.
3 ـ روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : «المشيئة محدثة»(3).
والهدف من توصيف مشيئته سبحانه بالحدوث هو إبعاد ذهن الراوي عن تفسيرها بالعزم على الفعل وجعلها وصفا للذّات ، فإنّ تفسير الإرادة بهذا المعنى لا يخلو عن مفاسد ، منها كون المراد قديما. فلأجل ذلك فسّر الإمام الإرادة بأحد معنييها وهو الإرادة في مقام الفعل وقال : «المشيئة محدثة» ، كناية عن حدوث فعله وعدم قدمه.
وبذلك تقدر على تفسير ما ورد حول الإرادة من الروايات التي تركز على كونها وصفا لفعله سبحانه (4).
______________
(1) الكافي ، ج 1 ، باب الإرادة ، ص 109 ، الحديث الأول.
(2) المصدر السابق ، الحديث 3.
(3) الكافي ، ج 1 ، باب الإرادة ، الحديث 7.
(4) لاحظ الكافي ، لثقة الإسلام الكليني ، ج 1 ، ص 109 ـ 111.