1. أشهر الحج: عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ)، شوّال وذو القعدة وذو الحجة. ليس لأحد أن يحج في ما سواهن[1].
عن علي بن ابراهيم بإسناده قال: (أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة...[2]).
تنويه: أ. سعى البعض للجمع بين هاتين المجموعتين من الروايات التي ورد في بعضها وعشر من ذي الحجة بدلا من وذو الحجة[3]، كما اعتبر البعض ومنهم الطبري[4] أشهر الحج هي الشهران والأيام العشر فقط إلا أن جمعهم تبرعي لا وجه له كما أن أسناد هذه المجموعة من الروايات مابين مرسل ومسند وعلى هذا يكون المقصود بأشهر الحج هو هذه الاشهر الثلاثة المذكورة استنادا الى الروايات الكثيرة التي لا تخلو من بعض الروايات المعتبرة.
ب. معنى انحصار الحج في الاشهر الثلاثة كما سبق هو عدم صحة الحج في غير هذه الاشهر الثلاثة لا أن غير الحج كالعمرة المفردة غير صحيح فيها.
ج. ان اشتراط وقوع بعض أعمال الحج في الشهر الاخير يمكن أن يكون هو المناسبة لتسمية هذا الشهر بشهر ذي الحجة.
2. إيجاب الحج: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) والفرض: التلبية والإشعار والتقليد فأي ذلك فعل فقد فرض الحج[5].
تنويه: فرض الحج وإيجابه يتحقق بالإحرام، وتحقق الإحرام إما بالتلبية، أو بالإشعار أو بالتقليد، وهما شكلان من أشكال تخصيص الهدي وتعليمه.
ويتحقق الإحرام بقصد الحج أو العمرة قربة إلى الله بالتلبية. أي إنّ الإحرام بحد ذاته ليس عنواناً للقصد، بل عنوان القصد هو خصوص الحج أو العمرة، وبما أن الحج والعمرة مطلوبان، عباديان لا توصليان، يحتاج أداؤهما إلى قصد القربة. وبمجرد حصول قصد العنوان وقصد القربة وقول الشخص (لبيك) أو إشعار الهدي وسوقه يكون عنوان الإحرام قد تحقق وصار الشخص محرماً.
والإحرام كالصلاة التي إذا قصدها الشخص ونطق بتكبيرة الإحرام يتحقق عنوانها ويُعدّ مصلياً فتترتب عليه أحكام الصلاة من واجبات ومحرمات، خلافاً للصوم الذي يكفي الشخص مجرّد قصده في أوّل الوقت حتى يُعدّ صائماً.
3. بعض محرمات الإحرام: عن علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى عليه السلام عن الرفث والفسوق والجدال، ما هو، وعلى من فعله؟ قال: «الرفث جماع النساء، والفسوق: الكذب والمفاخرة، والجدال: قول الرجل (لا والله) و(بلا والله[6])».
تنويه: لما كان أهل الجاهليّة قد تعارفوا أن يجتمعوا بعد أداء مناسكهم المخصوصة في منى، ويتحدّثان في تواريخ قبائلهم وعشائرهم والتفاخر على بعضهم، فلا يتوزعوا عن الكذب كي يجعلوا لتفاخرهم رونقاً وجاذبية؛ فلذلك ربما أمكن القول بأن دعوة هذه الآية هي الدعوة إلى الامتناع عن التفاخر من جهة، واجتناب الكذب من جهة أُخرى.
4. ثواب اجتناب محرمات الاحرام: قال رسول الله ﷺ من حج هذا البيت فلم يرث ولم يفسق خرج من ذنوبه كما ولدته امه[7].
عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)؟
قال عليه السلام: يا محمد ان الله اشترط على الناس شرطا شرط لهم شرطا فمن وفى الله له.
قلت: فما الذي اشترط عليهم وما الذي شرط لهم؟
قال: أما الذي اشترك عليهم فإنه قال: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ). وأما ما شرط لهم فإنه قال: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ[8]). قال يرجع لا ذنب له[9].
تنويه: أ. ورد في بعض الروايات الفقهية أن متعلق التقوى في الجملة الاخيرة هو الصيد: لمن اتقى الصيد[10]. وتفصيل هذا المطلب موكول الى فن الفقه.
ب. تفيد هذه الروايات أن الله يشرط لكل من أوجب على نفسه الحج بالإحرام أنه اذا امتنع عن النكاح والفسق والقسم فإن سيثيبه بأن يغفر له ذنوبه ومعنى هذا الوعد أن الامتثال للأوامر الإلهية في مناسك الحج هو بمثابة التوبة من حق الله أما التوبة من حق الناس فلها حكمها الخاص بها.
5. التقوى هي أفضل الزاد:
وكان (الحسن بن علي عليهما السلام) يقول: ابن آدم انك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فخذ مما في يديك فإن المؤمن يتزود وإن الكافر يتمتع - وكان ينادي مع هذه الموعظة - (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ[11]).
تنويه تشير هذه الكلمات النورانية للإمام الحسن المجتبى عليه السلام الى أن على المؤمن أن يتزود مما في يديه من عمر متاعا لآخرته بينما الكافر لا يفكر إلا في الفوائد الدنيوية من هذا العمر وعلى هذا يكون تأثير الايمان هو تبديل الثروة الزائلة (العمر) بثروة خالدة (متاع الاخرة) في حين يكون دور الكفر هو استهلاك الثروة في متعة عابرة تكون نتيجتها خسارة الدنيا والاخرة.
[1] الكافي، ج 4، ص 289؛ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 193.
[3] فقه القرآن الراوندي ج1 ص282
[4] جامع البيان مج2 ج2 ص346
[5] الكافي ج4 ص389 تفسير نور الثقلين ج1 ص193.
[6] البرهان في تفسير القرآن، ج1، ص199. وورد هذا المضمون أيضاً في روايات أخرى. راجع: الكافي، ج4، ص 338؛ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 194.
[7] جامع البيان مج2 ج2 ص161
[8] سورة البقرة الاية 203
[10] الكافي ج4ص521 وسائل الشيعة ج14 ص280
[11] بحار الانوار ج75 ص116.