بعد أن دعا الله سبحانه الناس الى ذكره واجتناب سنن الجاهلية أشار الى الذكر الالهي بعنوان الدعاء وصنف عموم الناس - خصوصا أولئك المجتمعين في منى - بالنسبة الى ذكر الحق والدعاء الى صنفين: 1. فمنهم من يكتفي بطلب الدنيا فقط من الله ولا يسأله الاخرة ولا حسنة الدنيا. وهذه الفئة ليس لها نصيب في الاخرة يقينا: (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ).
ولما كان أفق نظر هذه الفئة لا يتجاوز نشأة الطبيعة فهي لا تعبر اهتماما لحلية وحرمة وحسن وقبح وطيب متاع الدنيا.
وهؤلاء لا هدف لهم وسيلتفتون الى ضلالهم في آخر العمر كالظمآن الذي ينخبط في سيرة بحثا عن الماء ويتخيل ما يراه من سراب ماء فأولئك أيضا سيدركون في آخر عمرهم أنهم كانوا يسيرون وراء سراب بذلوا كل ما لديهم من طاقة في سبيله وما زالوا عطشى فالسراب لايروي من ظمأ: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا[1]).
كما أنهم لما كانوا يفتقرون الى الدعاء الحقيقي الذي هو سلاح الانبياء[2] عليهم السلام وكهف الاجابة[3]، فهم كالظمآن الاعزل الذي يرى الماء ولا يناله فيمد يده كي يجلب الماء الى فمه فتمنعه يد تذود عن النبع أو كمن ينحني واضعا يديه على حافة البئر ويمد رأسه داخل البئر كي يوصل لسانه الى البئر لكن ما يعوزه هو الحبل والدلو فيبقى عطشان على الدوام اذ لم يتمسك بحبل الله المتمثل بالإيمان والعمل الصالح: (كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ[4]).
2. ومنهم من لا يكتفي بطلب الدنيا والآخرة من الله بل هم يريدون حسنة الدنيا وحسنة الاخرة والنجاة من نار جهنم: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[5]).
والفئة الاولى ظاهرها ذكر الله لكنها لم تطلب شيئا أصيلا وثابتا وهؤلاء لا نصيب لهم في الاخرة اذ انهم لم يطلبوا من الله الا الدنيا ومتاعها الضئيل ومثل هذا الطلب يدل على نسيان الله.
أما الفئة الثانية فهم الذاكرون الحقيقيون لله وهو يطلبون منه حسنة الدنيا والاخرة والنجاة من النار وهذه الفئة تنال نصيبها من الدنيا والاخرة معا.
تنبيه: على الرغم من أن قرينة السياق كقرينة (كم) في {مناسككم} و(نا) في {ربنا} –تقتضي أن يكون المصنفون في الدعاء هم أولئك الذين يذكرون الله في مراسم الحج لا مطلق الناس الا أن الشواهد الخارجية وملاحظة سلوك وأقوال عامة الناس تسمح لنا بالتعميم.
وبناء على ذلك فالتقسيم المذكور لا ينحصر بالحجاج ومن اجتمع في منطقة منى، بل تم بيان ذلك ذيل آيات الحج لمناسبة الدعاء وذكر الله في منطقة منى ومن باب المثال، وإلا فالآخرون غيرهم يشملهم هذا التقسيم أيضاً.
[5] سورة البقرة الاية 201