قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] فإنه حدثني أبي عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: خرج هشام بن عبد الملك حاجًا ومعه الأبرش الكلبي، فلقيا أبا عبد الله (عليه السلام) في المسجد الحرام.
فقال هشام للأبرش: تعرف هذا؟ قال: لا. قال: هذا الذي تزعم الشيعة أنه نبي من كثرة علمه.
فقال الأبرش: لأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي. فقال هشام: وددت أنك فعلت ذلك.
فلقي الأبرش أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: يا أبا عبد الله أخبرني عن قول الله: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] فبما كان رتقهما وبما كان فتقهما؟
فقال أبو عبد الله (عليه السلام) : يا أبرش، هو كما وصف نفسه وكان عرشه على الماء، والماء على الهواء، والهواء لا يحد، ولم يكن يومئذ خلق غيرهما، والماء يومئذ عذب فرات.
فلما أراد أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربت الماء حتى صار موجًا، ثم أزبد فصار زبدًا واحدًا، فجمعه في موضع البيت ثم جعله جبلًا من ربد، ثم دحا الأرض من تحته، فقال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} [آل عمران: 96]
ثم مكث الرب تبارك وتعالى ما شاء.
فلما أراد أن يخلق السماء أمر الرياح فضربت البحور حتى أزبدت بها، فخرج من ذلك الموج والزبد من وسطه دخان ساطع من غير نار، فخلق منه السماء وجعل فيها البروج والنجوم ومنازل الشمس والقمر وأجراها في الفلك.
وكانت السماء خضراء على لون الماء الأخضر، وكانت الأرض غبراء على لون الماء العذب، وكانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب، ولم يكن للأرض أبواب وهي النبت، ولم تمطر السماء عليها فتنبت.
ففتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات، وذلك قوله: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30]
فقال الأبرش: والله ما حدثني بمثل هذا الحديث أحد قط، أعد علي. فأعاد عليه، وكان الأبرش ملحدًا، فقال: أنا أشهد أنك ابن نبي، ثلاث مرات.