ولم يؤثر صراخ المزارعين الصغار في مسامع الأغنياء الوجهاء، الذين أعماهم حب الذات وأصمَّ آذانهم، ولم يكترثوا لتبرُّم الحلفاء في إيطالية الذين لم يكونوا قد مُنحوا حق التصويت، ولم تكن المسائل خارج إيطالية أقلَّ خطورة من هذه. ويجوز حصرها في اثنتين: أولاهما: إصلاح حكومة الأقاليم إصلاحًا تامًّا، وإيجاد نظام لإدارة أحكام الدولة على أسلوب موافق يؤدي إلى فلاحها وخيرها. والثانية: تقرير حدود الدولة، وصد البرابرة الغزاة عنها، فإنهم كانوا قد بدءُوا يهددون حوض المتوسط وعمرانه بالدمار والاضمحلال.
ولكنه قُدِّر لرومة في هذه الآونة أنْ نبَغَ من طبقة الأشراف فيها رجل، اشتهر بحب الوطن والتجرد عن المصلحة الذاتية، فعقد النية على أن يكون زعيمًا للعامة، ومنقذًا لإيطالية بإعادته إليها جماعة المزارعين والفلاحين، هو «طيباريوس غراكوس Tiberius Gracchus» ابن القنصل طيباريوس غراكوس، قاهر سردينية وإسبانية من زوجته كورنيلية. تهذب وأخوه غايوس على أيدي فلاسفة من المتهلنين، فقال بالديمقراطية اليونانية، وأحب تطبيق بعض مبادئها وأساليبها، ودخل في «خدمة صهره Scipio Aemilianus» في قرطاجة في السنة 146ق.م. برتبة «مرافق contubernalis» ليتدرب في فنون الحرب. ثم نهض إلى إسبانية أكوستريا لمناسبة الحرب النومنتية، فمر في أترورية (137)، وشاهد بأم عينه مساوئ المزارع الكبيرة، فغضب لكرامة رومة وإيطالية، ورأى ألا بد من الإصلاح. فلما عاد إلى رومة بعد إنهاء مهمته في إسبانية اندفع في سبيل الإصلاح المنشود، يذلل العقاب ويروِّض الصعاب. ومما قاله في خطبه في هذا الموضوع: «إن للوحوش التي تجول حول إيطالية أوجرة ومكامن تأوي إليها وتنام فيها، وأنتم الذين تحاربون حروب رومة، وتموتون من أجلها ليس لكم ما تتمتعون به سوى بركات الهواء ونور الشمس. هاتان البركتان فقط هما نصيبكم من الميراث! لا مأوى لكم ولا مستقر؛ ولذلك أنتم مضطرون بحكم الضرورة، أن تنتقلوا بنسائكم وأولادكم من مكان إلى مكان، تحاربون وتموتون، وغيركم يتنعم بالثروات الطائلة ورغد العيش، تُدعَون سادة العالم، ولكن ليس لكم مدرة تستطيعون أن تدعوا أنها ملك لكم.»
ولما انتُخب طيباريوس تريبونًا في السنة 133ق.م. أعد قانونًا قضى بإعادة النظر في توزيع «أرض الدولة ager publicus»، تلك التي دخلت في ملكها في أثناء التوسع في إيطالية، وجعلها صالحة لإسكان المتشردين وإعالتهم. وأوجب هذا القانون استرجاع ما كان قد وقع من هذه الأراضي تحت تصرف الأغنياء، وإبقاء خمسمائة يوغرة لكل منهم، وخمسمائة أخرى لولدين من أولادهم، وتوزيع الباقي على الفقراء مقابل أموال محددة يدفعونها في كل سنة إلى صندوق الدولة. وأوجب هذا القانون أيضًا إنفاق المال، الذي أوصى به أتلوس الثالث ملك برغامة إلى رومة في سبيل تعمير هذه الأراضي، وجعلها في متناول الفقراء. فعارضه في ذلك زميله التريبون الآخر ماركوس أوكتافيوس، وهدد بحق «النقض veto». فلجأ طيباريوس إلى المبادئ اليونانية في الحكم وطالب بعزل زميله، ثم أقر «مجلس البلابية Concilium Plebis» القانون وأوصى بتطبيقه، وانتهت مدة تريبونة طيباريوس، فخالف العرف وسعى للتجديد، وبينما كان يجاهد لإعادة انتخابه؛ لكي يتمكن من تنفيذ قانونه هذا Lex Agraria أو Lex Sempronia، هجم عليه نسيبه Scipio Nasica واغتاله في بناية المجلس في أواخر السنة 133 قبل الميلاد (1).
...........................................
(1) GREENIDGE, A.H.J., Sources, 1–10, Hist. of Rome, chs. 1–5; LAST, H., Tiberius Gracchus, Cam. Anc. Hist., IX, 1–38; CARCOPINO, J., Autour des Gracques, (1928).