يظهر من تزيين الحياة الدنيا للكافرين: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) أَنْ المراد بـ(الحياة الدنيا) في الموارد التي ورد ذمّها فيها هي العناوين الاعتبارية لها وحبها والوقوع في أسر بهارجها، لأن الدنيا والمخلوقات الإلهية من أرض وسماء وماء وغذاء وغير ذلك هي من آيات الله ونعمه، وقد خلقها الله جميلة حسنة: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ[1]).
إن حقيقة الحياة الدنيا ليست أكثر من مراحل خمس لا تعدوها إلى غيرها، كما يظهر من القرآن الكريم في بيانه الحصري: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ[2]). والإنسان عبر مسيرته من الطفولة إلى الشيخوخة يبتلى بهذه العناوين الاعتبارية والخيالية بمراحلها الخمس:
ففي طفولته تأسره ألعاب الأطفال وتكون دنياه هي وسائل لعبه.
فإذا صار يافعاً افتتن باللهو والتسلية وصارت دنياه هي الملاهي والترفيه.
أما عندما ا يصير شاباً فتهجم عليه المفاتن الخيالية، وتصير دنياه هي الزينة والطعام واللباس الجميل، ويخطو خطواته الأولى في مسيرة التفاخر والتكبّر.
وفي مرحلة الرجولة والكهولة تجذبه المناصب والمسؤوليات والجاه والجلال فيغدو متفاخراً بهذه العناوين الاعتبارية والخيالية، وتعود دنياه هذه العناوين الاعتبارية والخيالية.
وهكذا حتى يصل مرحلة الشيخوخة بعد أن تجاوز المراحل السابقة وصار متقاعداً ضعيفاً، فلا هو من أهل اللعب واللهو، ولا من أهل الزينة والتفاخر؛ إذ هو غير قادر على ارتداء تلك الملابس الزاهية التي تتيح له الاختيال بها، ولا الحصول على المناصب والكراسي كي يتفاخر بها؛ فيبتلى في هذه المرحلة بداء (التكاثر) ويغدو همه كثرة المال والأولاد والأحفاد، وتنحصر حدود دنياه في الأبناء والاعتبارات المالية.
وهذه المراحل الخمس لا تختص بها الفترات المذكورة، بل الحكم غالبيّ لا دائمي؛ ومعنى ذلك أنّ عدّة مراحل من تلك المراحل الخمس قد تسيطر على الشخص في فترة شبابه أو شيخوخته.
وكما يشير القرآن الكريم فإنّ من يقع في شراك مرحلة من هذه العناوين الاعتبارية والخيالية هو شخص (مختال)، يحيى في إطار الوهم والخيال لا العقل. والإنسان المختال الذي تحرّكه خيالاته يكون فخوراً أيضاً، ولهذا ذكرهما القرآن معاً في موضع واحد: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ[3])، بينما ينظم الإنسان الحكيم والمتقي حياته بما يوافق العقل والنقل المعتبر فلا يرى للدنيا في عينيه ذلك الجمال الآسر، بل إنه طلق المراحل الخمس للحياة الدنيا قبل زواجه منها طلاقاً دائماً: (يا دنيا ! ... قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها[4])، أما ما يتفاخر به فهو عبوديته الله وقبوله ربوبيته: (إلهي... كفى بي فخراً أن تكون لي رباً[5]).
[1] سورة السجدة، الآية 7 .
[2] سورة الحديد، الآية 20.
[3] سورة لقمان الآية 18؛ سورة الحديد، الآية 23 .
[4] نهج البلاغة، الحكمة 77. وطلاق الدنيا بالنسبة إلى المعصومين عليهم السلام ذو بعد دفعي لا رفعي.
[5] كتاب الخصال، ج 2، ص 420، باب التسعة.