وأدرك أوغوسطوس أن استمراره في القنصلية كان يحك في الصدور. وكان هو قد أمسى سابقًا لا يُبارى ومبرَّزًا لا يُجارى، فكف وأفسح المجال لغيره، ولكن التآمر على حياته أسهر قلبه وأيقظ رأيه، وأوجب النظر في أمر الخلافة بعده، فرأى أن يكون الخلف من أنسبائه المقربين؛ ليضمن التفاف الجند حوله وتأييدهم له، فوقع اختياره على «مركلوس Marcellus» ابن شقيقته أوكتافية من زوجها الأول، وكان أوغوسطوس قد أزوجه من ابنته ووحيدته يولية في السنة 25، وكان أيضًا قد استصدر له في السنة 24 موافقة السناتوس لتولي الوظائف الكبرى قبل بلوغه السن القانونية، فجعله في السنة 23 ناظر المصالح العمومية aedile قبل أن يجلس على منصة القضاء، ثم جعل السناتوس يسمح له بترشيح نفسه للقنصلية قبل بلوغه السن القانونية لهذه الوظيفة بعشر سنوات (1).
قابل السناتوس تنازل أوغوسطوس عن القنصلية في أول تموز السنة 23 بتوسيع رقعة سلطته البروقنصلية، والاعتراف بها في داخل رومة نفسها، ثم منحه في السنة 22 صلاحية دعوة السناتوس إلى الاجتماع وعرض الأمور عليه ius primae relationis. وفي السنة 19 أذن له بالجلوس بين القناصل وبإحاطة نفسه بالحجاب الاثني عشر، ولكن هذه الامتيازات القنصلية التي منحها السناتوس لوكيل قنصل غير اعتيادي ظلت في حد ذاتها عملًا غير دستوري، القنصلية، التي منحها السناتوس لوكيل قنصل غير اعتيادي ظلت في حد ذاتها عملًا غير دستوري، لا يتفق وسياسة المحافظة على التقاليد الجمهورية، التي كان أوغوسطوس يدعي بأنه حاميها. فاضطر أوغوسطوس أن يوطد سلطته غير الاعتيادية على أساس آخر يكون أقرب للتقليد الجمهوري وأكثر ثباتًا. وكان قد تمتع منذ السنة 36 بصلاحيات تريبونية شعبية واسعة دون أن يُنتخب تريبونًا، فوحدت هذه الصلاحيات المستمدة من الشعب في السنة 23، واعتُبرت «سلطة تريبونية tribunicia potestas» رسمية. ولما كان واجب التريبون هو حماية الشعب ورفع الظلم، رأى أوغوسطوس في سلطته التريبونية أداة لرفع الظلم لا للتظلم والإكراه، ورجا أن يراها الناس كذلك، وأن يروه بالتالي بعيدًا عن الاستئثار بالسلطة والاستبداد بالرأي. ومن هنا قراره في أن يكون العاشر من كانون الأول من كل سنة يوم وصوله إلى السلطة؛ لأنه كان اليوم الذي باشر فيه كل تريبون أعماله وصلاحياته. ومن هنا أيضًا، جُعل هذا اليوم فيما بعد «يوم السلطة dies imperii». ومن هنا كذلك تاريخ بياناته الرسمية بالنسبة إلى بدء ممارسته التريبونية. ومن هنا قول المعاصرين: إن السلطة التريبونية أهم من السلطة العسكرية (2)، ولم يكتفِ أوغوسطوس بهذا القدر، بل جعل السناتوس والشعب معًا، يُمنحون هذه السلطة الشعبية بمجلس خصوصي، عُرف ﺑ «مجلس السلطة التريبونية Comitia tribuniciae potestatis»، وأصدر قانونًا Lex de Imperio بين فيه جميع هذه السلطات التي تجمعت بين يديه (3).
..........................................
(1) DIO CASS., 53:28.
(2) TACITUS, Ann., III, 56.
(3) Jos., Ant. Iud., 15:10, 16:3; DESSAU, Inscriptiones Latinae Selectae, 244; HAMMOND, M., The Augustan Principate, (1933) ; HOMO, L., Institutions Pol. Rom., (1927) , 243–287; JONES, H., Restoration of the Republic, Cam. Anc. Hist., X, 127–142.