مضافاً إلى ما في هذه الآية من التبشير والإنذار، يذكر الله سبحانه فيها حاكمية الكتاب وأنبياء الله: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا).
والمقصود الأول من الحكم هنا هو فصل الخصومة وحل الاختلاف، لا الحاكمية بمعنى الحكومة؛ لأنّ صلة الحكم هي ظرف (بين) لا كلمة (على)، وظاهر الحكم بين الناس هو فصل الخصومة، خلافاً لظاهر (الحكم على الناس الذي يفيد في ثناياه معنى الحكومة. ولكن فصل الخصومة - كما سنوضح ذلك لاحقاً لا يحصل بمجرد القول والإنشاء التدويني، بل تحققه العيني يتوقف على قدرة تنفيذية لا يمكن توفرها إلا من خلال الحكومة.
ويمكن تشبيه إسناد الحكم إلى الكتاب بإسناد النطق إليه في (كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ[1]) في حالة ما إذا كان الحال في القيامة كما هي في الدنيا حيث يكون كتاب تلك المرحلة مشابهاً لكتاب هذا العالم في كونه كتابياً محضاً وجامداً غير قادر على الكلام، أما إذا كان لكتاب القيامة حالةٌ أُخرى يستطيع معها التكلّم كلاماً واقعياً، فحينئذ لا يصح هذا التشبيه.
إن الحاكمية المطلقة الله فقط (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ[2])، وقد أوكل الله سبحانه تنفيذها إلى الأنبياء كي يحكموا بين الناس بما يقتضيه الدين القيم والقوانين الإلهية: (وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ[3]).
تنبيه: إن ما يرد في القرآن الحكيم من حديث عن الكتاب القيم والدين القيم إنما يراد به أن قوام الفرد والمجتمع واستقرار النظام الوطني والإقليمي والعالمي للأمة التي لديها كتاب ودين قيم إنما يكون تحت ظلال قيومية معارف ذلك الكتاب.
وعلى هذا يكون جميع قطاعات تلك الأمة من سلطة تشريعية للمجتمع، وتنفيذية للقوانين المصادق عليها، وتطبيق التنفيذ والتأييد بمعنى سلطة القضاء والتحكيم - تحت قيومية ذلك الدين القيم.
إن الدين لا ينفصل عن الحكومة والسياسة على الإطلاق؛ فهو إضافة إلى ما فيه من الحكمة والمواعظ وتعليم المسائل الفرديّة والخلقية والعقدية، ذو مسائل اجتماعية وسياسية وعسكرية، وتفسير الدين بالموعظة والتعاليم الفردية والخلقية الصرفة إنما هو تحريف باطل بالرأي.
توضیح ذلك أن وجود الاختلاف في وجهات النظر وتعدد الآراء هو من الأمور الضرورية؛ لأنّ اختلاف الآراء وحوارها يمهدان أرضية النمو والكمال وتقدم العلم والصناعة. كما أنّ رفع الاختلاف هو الآخر من الأمور الضرورية أيضاً؛ فهو الذي يضمن استقرار النظام في المجتمع البشري وتجنّب الهرج والمرج. من هنا تنشأ ضرورة أن يكون الدين الإلهي هو الحاكم كي يتمكن النظام الحكومي من التغلب على اختلافات الناس في ظل تلك الحاكمية، إذ إن مجرد الموعظة والنصيحة والتعليم والتعلّم المفتقر إلى حكومة لا يمكن أن يتغلب على الاختلافات؛ وذلك لأن غالبية الناس لا علاقة لهم بالمسائل العلمية والمعرفية أولاً، وأنّ الحكومة هي الضامنة لتطبيق الأحكام والقوانين الإلهية ثانياً.
الآراء المتضاربة هو أمرٌ غير ممكن، فيجب تعيين الحق أولاً إن تطبيق جميع وفقاً للميزان الإلهي، ثمّ تطبيق ما يقتضيه. وهكذا نرى أن أنبياء أُولي العزم الذين جاؤوا بالكتاب والشريعة مارسوا الحكومة على شعوبهم بالإذن الإلهي، كما أن بقية الأنبياء من غير أُولي العزم كانوا ممثلين أو مسؤولين عن شريعة واحدٍ من أولئك الأنبياء بما كان لهم من المناصب العسكرية أو التعليمية والتدريسية أو الإرشادية والتوجيهية المخولة إليهم منهم.
إننا لا نجد نبياً من أصحاب الشرائع اكتفى بالإرشاد والموعظة، بل كان عملهم يتجاوز التبشير والإنذار إلى تطبيق حاكمية الدين أيضاً كي يتمكنوا من تطبيق الأحكام القضائية والجزائية والعقابية في ظل تلك الحاكمية، فيقيموا الحدود وينقذوا القصاص والديات والعقوبات المالية والاقتصادية؛ وذلك لعدم إمكانية الحكم دون توفّر الحكومة، وهذان أمران متلازمان، فالحكومة هي التي تنفّذ أحكام القضاء.
وعلى ما سبق فإنّ كلّ عقيدة جاءت بشريعة للبشر لا بد من أن تأتي معها بأحكام فردية واجتماعية، وهذه الأحكام لا تكون مفيدة ومجدية إلا إذا تم تطبيقها، ومن الواضح أن تنفيذ القانون والأحكام الإلهية يحتاج إلى حكومة تضمن تنفيذ تلك الأحكام، وإلا فإما أن يستحيل تنفيذ الأحكام والقوانين الإلهية، أو أمكن تنفيذها على يد الجميع مما ينتج عنه الهرج والمرج الذي هو بالتأكيد أسوأ من عدم وجود القوانين في المجتمع.
وقد نسب الله الحكم إلى الكتاب الإلهي في هذه الآية، دون الاكتفاء بمجرد التبشير والإنذار؛ إذ كما بيّنا سابقاً لا يمكن التغلب على الاختلافات بالموعظة والتعليم وحدهما.
أضف إلى ذلك أن ذات القانون الذي هو الوجود اللفظي أو الكتبي لفكر معيّن، ليس له القدرة على التأثير على العلاقات الخارجية، ولا بد من وجود قائد مقتدر ومرتبط بالغيب - كالأنبياء والأولياء كي يكون مسؤولاً عن تعليم وحراسة وتطبيق القوانين الإلهية.
وقد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين علي عليه السلام حسين دحضه لمغالطة الخوارج الذين كانوا يتوهمون كفاية القانون وعدم احتياج المجتمع إلى قائد وحاكم وحكومة وكانوا يرفعون شعار لا حكم إلا الله حيث قال: «كلمة حق يراد بها باطل. نعم، إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله؛ وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر[4]».
ومعنى هذا الكلام أنّ كلمة «لا إله إلا الله» هي كلمة حق، لكنهم يريدون منها باطلاً وضلالاً، فهؤلاء يقولون: لا إمارة ولا حكومة إلا حكومة الله، في حين أن الناس لا يستطيعون أن يمارسوا حياتهم دون أمير وحاكم، وإذا لم يتوفّر لهم أمير بر محسن، فلا أقل من احتياجهم إلى أمير فاجر غير ظالم يُبعد مجتمعهم عن الهرج والمرج والفناء[5].
تنبيه: تقترن النبوة العامة بالحكومة. وتوفيق تأسيس تلك الحكومة يتوقف على قبول الناس، فإذا لم يتوفّر حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر انتفت إمكانية تحقيق القيادة السياسية والاجتماعية.
إذن، إذا لم يتمكن بعض الأنبياء من تشكيل الحكومة، فذلك ليس بسبب انفصال الحكومة عن الدين، بل لنكوص الناس وانعدام الاستجابة الشعبية، وهو نكوص آلت مخاطر الوقوع في براثنه عليهم هم أنفسهم.
[1] سورة الجاثية، الآية 29.
[2] سورة الأنعام، الآية 57 .
[3] سورة البينة، الآية 5 .
[4] نهج البلاغة، الخطبة 40 .
[5] راجع: ولاية الفقيه، ص 73 - 75 .