ووسَّع بومبايوس ولاية سورية، وجعلها تشمل الساحل الفلسطيني من جبل الكرمل حتى غزة، وجعل عاصمتها أنطاكية (1)، وعمل بمفهوم الدولة آنئذٍ، فشجَّع الانتظام المديني ولا سيما حيث كان العنصر اليوناني قويًّا، أو حيث كان التهلُّن شديدًا، فاستقلت معظم المدن السورية في كثير من شئونها الداخلية، وشجع التعاون بين بعض المدن النائية ليسهل عليها الدفاع عن النفس في المشاكل المحلية، فنشأت «جامعة المدن العشر Decapolis» في شرق الأردن وحوران حتى الغوطة، وشملت هذه الجامعة دمشق في أقصى الشمال، وعمان Philadelphia في أقصى الجنوب، وبيسان Scythopolis على ضفة الأردن الغربية، وفحل Pella و«جرش Gerasa» و«قنوات Kanatha» و«رفح Rafana» و«الحصن Dion» وأم قيس Gadara وفيق Hippos (2)، ومهد لنجاح هذا النظام المديني فطرد الطاغية اليهودي سيلاس من جسر «شغور Lysiade» (3)،وضرب العيطوريين في معاقلهم في تلال لبنان، ولا سيما في جرد جبيل والبترون، وأمر بديونيسيوس أمير طرابلس و«كنراس Kinras» أمير جبيل فقُتلا، وأكره بطليموس ابن «منايوس Mennaeos» أمير عنجر Chalcis على دفع ألف وزنة (4)، وأبقى بومبايوس الإمارات الوطنية المستقلة، إما لتفصل بين رومة وبين مناظرتها برتية، فتتحمل الصدمات الأولى على أقل تقدير، وإما لتؤمن الأمن عند الحاجة، فاستمرت إمارة الرها العربية في الشمال الشرقي بيد أباجرتها، وإمارة العيطوريين العرب في البقاع وحتى وادي بردي، وإمارة شمسي غرام العربي في حمص وضواحيها، ومملكة الأنباط العرب في جنوب الأردن وحتى الحجاز، وجعل من فلسطين دويلة يهودية ثيوقراطية، كما سيُذكر في محله.
ورأى أوغوسطوس أن جبال طوروس العالية فصلت قيليقية عن سائر آسية الصغرى، وأن حاجز الأمانوس الذي فصل سورية الشمالية عن قيليقية لم يكن صعب المرتقى، وأن الممر الأرسلاني الذي ربط القوروشية ومدينة «الإصلاحية Nicopolis» بسهول قيليقية كان عريضًا، لا يعلو في أعلى أعاليه أكثر من ثلاثة آلاف قدم، وأن ممر بيلان لم يعلُ أكثر من ألفي قدم، فضم في السنة 27 ق.م. «قيليقية السهل Cilicia campestris» إلى ولاية سورية، ووكل أمور هذه الولاية إلى مفوض «قائد سابق legatus pro praetore» من رتبة قنصل، فأمسى والي سورية أعلى رتبة من جميع ولاة الإمبراطورية (5).
وحكم الوالي الروماني سورية الشمالية حكمًا مباشرًا، وظلت سورية الجنوبية خارج المدن الحرة خاضعة لأميري حمص وعنجر، يردان عنها غزوات البدو من الشرق ومطامع العشائر اللبنانية المعتصمة في السلسلتين الغربية والشرقية، وظل «ابن زينون Zenodorus» شيخ المشايخ tetrachus والكاهن الأعلى مسيطرًا على وادي البقاع وبعلبك ومنحدرات السلسلتين اللبنانيتين الغربية والشرقية والغوطة وحوران حتى السنة 24ق.م. (6)، فلما غفل عن واجبه وأهمل مراقبة الأمن في مناطقه سُلخت عن إمارته اللجا Trachonitis و«البثنية Batanaea» و«حوران Auronitis» وضُمت إلى منطقة هيرودس، ولدى وفاته في السنة 20ق.م. أُلحقت بعهدة هيرودس أيضًا المنطقة الواقعة بين الجليل واللجا، وفي السنة 14ق.م. قضت ظروف رومة الداخلية — كما سبق وأشرنا — بإقطاع إبطال الحرب الأهلية أراضي يستغلونها، فجاء أغريبة بالفرقتين المقدونية الخامسة Legio Macedonica والأوغوسطية الثامنة Legio Augusta، وأنزلهما في بيروت وبعلبك، وأوجب عليهما صد غزوات العشائر اللبنانية، وفرض هيبة رومة عليها (7)، وظلت هذه العشائر تركب هواها وتُصرُّ على غيها، فاضطر كويرينيوس في السنة 6-7ب.م. أن يجرِّد عليها حملة منظمة، وأن يدخل بعض أفرادها في قوات رومة المساندة (8)، ثم قسَّمت رومة الإمارة العيطورية العربية إلى ثلاثة إمارات: إلى إمارة «عنجر Chalcis»، وإمارة «وادي بردي Abila»، وإمارة «عرقة Arca»، واستمرت هذه الإمارات مستقلة استقلالًا إداريًّا داخليًّا حتى نهاية القرن الأول (9).
......................................
(1) PLUTARCHUS, Pomp. 30:2; VELL. 2:37; JUSTIN, 4:2; App., Mither, 106; BOUCHÉ-LECLERCQ, Hist. des Séleucides, I, 443.
(2) JONES, A.H.M., Cities of Eeastern Rom. Empire, 260, 454, n. 42–45; ABEL, F.M., Hist. de la Palestine, (1952) , I, 263-264.
(3) JOSEPHUS, A.J., 14:40.
(4) STRABO, 16:2; EUTROP. 6:14; Jos., A.J., 16:39.
(5) ANDERSON, J., Class, Rev., 1931, 190, Eastern Frontier under Augustus, Cam. Anc. Hist., X, 279-280.
(6) STRABO, 16:755-756; JOSEPHIUS, Ant. 15:10, Bell. Jud., 1:20.
(7) CIL, 161 f.; STRABO, 16:756; PLIN., H.H., 5:17; ECKHEL, Doctr. Num. III, 335, 356.
(8) DESSAU, 2683; MOMMSEN, Th., Epig., IV, 537 ff.
(9) BEER, Ituraea, Real-Encyc.; JONES, A.H.M., Journ. Rom. Stud., 1931, 265 f.; JOSEPHUS, Bell. Jud., 2:18.