الحديث التاسع والعشرون: [في رؤية اللَّه تعالى]
ما رويناه بالطرق السابقة عن الصدوق في كتاب (التوحيد)، عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن إسحاق، قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أسأله عن الرؤية وما فيه الناس، فكتب (عليه السلام): «لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فإذا انقطع الهواء وعُدم الضياء بين الرائي والمرئي لم تصحّ الرؤية وكان في ذلك الاشتباه؛ لأنّ الرائي متى ساوى المرئيّ في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه، وكان في ذلك التشبيه، لأنّ الأسباب لا بدّ من اتصالها بالمسبّبات» (1).
بيان:
قوله: (أسأله عن الرؤية) أي رؤية اللَّه، هل هي ممكنة أم لا؟ وما اختلف فيه الناس من جوازها واستحالتها في الدنيا والآخرة، أو في الدنيا، وأنّها واقعة أم لا؟
وأقصى ما للمجوّزين أنّه تعالى علّق رؤية موسى (عليه السلام) على استقرار الجبل، وهو في نفسه ممكن، والمعلّق على الممكن ممكن.
وأنّها لو كانت ممتنعة لم يسألها موسى (عليه السلام) بقوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143]؛ لأنّ العاقل لا يطلب المحال، فسؤاله (عليه السلام) لها دليل على اعتقاده جوازها، فتكون جائزة وإلّا لزم جهله (عليه السلام).
وما روي عن ابن عبّاس أنّ اللَّه اختصّ محمّداً (صلى الله عليه وآله) بالرؤية - يعني ليلة المعراج - وموسى (عليه السلام) بالكلام، وإبراهيم (عليه السلام) بالخلّة، هذا كلّه بالنسبة إلى الدنيا. وأمّا في الآخرة فلظاهر كثير من الآيات والروايات كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23].
وأجيب عن الأوّل: أنّا لا نسلّم أنّ المعلّق عليه هو استقرار الجبل مطلقاً، فإنّ الجبل كان مستقرّاً مشاهداً وقت هذا التعليل بل استقراره حال التجلّي، وإمكانه ممنوع ودون إثباته خرط القتاد.
وعن الثاني بالمعارضة والحلّ؛ أمّا الأوّل فلأنّ رؤيته لو كانت جائزة لما عدّ طلبها أمراً عظيماً، ولما سمّاه اللَّه ظلماً، ولما أرسل عليهم صاعقة، ولما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: 153].
وأمّا الحلّ فلأنّ الأمر في قوله (عليه السلام): «أرني» ليس محمولًا على طلب الرؤية - لعلمه (عليه السلام) بأنّه لا يمكن رؤيته - بل على إظهار حاله جلّ شأنه على الجماعة الحاضرين معه الطالبين لرؤيته تعالى، القائلين له: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: 153]، فقال (عليه السلام) ذلك القول ليسمعوا قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143] فيعلموا أنّه لا يمكن رؤيته ويرجعوا عن اعتقادهم.
وأمّا ما نقل عن ابن عبّاس فمع عدم حجّيته ليس صريحاً في الرؤية العينيّة؛ لجواز أن يكون المراد بالرؤية التي اختصّت به (صلّى الله عليه وآله) الرؤية القلبيّة، يعني الإدراك العلميّ على وجه الكمال. ويؤيّده ما روي عن ابن عبّاس: أنّه (صلى الله عليه وآله) رآه بقلبه (2).
وأمّا الآيات والروايات فمؤوّلة؛ لمعارضتها العقل والنقل، ولو لم يكن إلّا قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] لكفى في ذلك.
فكتب (عليه السلام): (لا يجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئيّ هواء) شفّاف (ينفذه) أي ينفذ فيه شعاع (البصر) ويتّصل بالمرئي، وهذا يدلّ بظاهره على مذهب الرياضيّين القائلين بأنّ الإبصار يحصل بخروج الشعاع من العين، واتّصاله بالمرئي، ويلزم من ذلك جواز الحركة والانتقال على العرض، لا على مذهب القائلين: أنّه جوهر في العين مع صغرها، فيتّصل بنصف كرة العالم.
ولا على مذهب من قال: إنّه يتحقّق بالإدراك بقوّة خلقها اللَّه للنفس تدرك المرئي عند حصول الرائي.
ولا على مذهب من قال: إنّ المشف الذي بين البصر والمرئي يتكيّف بكيفيّة الشعاع الذي في البصر ويصير بذلك آلة للإبصار.
ولا على رأي من قال: إنّ الإبصار بانطباع صورة المبصر في الباصرة عند مقابلته لها. ويمكن أن يقال: المراد بنفوذ البصر في الهواء توقّفه في الرؤية عليه وتوصّله به، فينطبق على المذاهب الثلاثة (3).
(فإذا انقطع الهواء وعُدم الضياء بين الرائي والمرئي) بحائل أو بكمال القرب أو لغيرهما. و«ال» في الهواء للعهد، أي: الهواء المعهود الذي ينفذه البصر، (لم تصحّ الرؤية بالبصر).
وانقطاع الهواء وعدم الضياء يتحقّق مع فقد كلّ واحد من الشرائط التي اعتبرها العقلاء في الرؤية، وهي سلامة الحاسّة، وكثافة المبصر، وعدم القرب والبعد المفرطين، والمقابلة أو حكمها، ووقوع الضوء على المرئيّ، وكونه غير مفرط، وعدم الحجاب، والتعمّد للإبصار، وتوسّط الشفّاف، أو عدم توسّط الكثيف، فإذا اجتمعت هذه الأشياء وجبت الرؤية قطعاً.
وخلاف الأشعريّ مكابرة ومخالفة للضرورة، وإذا انتفى أحد هذه لم تصحّ الرؤية.
(وكان في ذلك) أي في توسّط الهواء والضياء بين الرائي والمرئي (الاشتباه) أي شبه كلّ منهما بالآخر، يقال: اشتبها، إذا أشبه كلّ منهما الآخر.
وعلّل ذلك بقوله: (لأنّ الرائي متى ساوى المرئيّ في السبب الموجب بينهما في الرؤية) وهو الهواء المتوسّط، وكون كلّ منهما واقعاً في طرفه، مقابلًا للآخر ونحوهما ممّا تقدّم (وجب الاشتباه) أي مشابهة أحدهما للآخر في توسّط الهواء بينهما (وكان في ذلك) أي في ثبوت المشابهة بينهما (التشبيه) للخالق بالمخلوق في كونه طرفاً وفي جهته، ويصحّ كون الهواء بينهما، وكونه متحيّزاً ذا صورة إلى غير ذلك ممّا نفاه الدليل العقليّ والنقليّ سيّما قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
ويحتمل أن يكون المعنى: و«كان في ذلك» أي في انقطاع الهواء (الاشتباه) أي عدم الرؤية وبقاء المرئي على اشتباهه، فلا تصحّ الرؤية، ولا يتّضح حال المرئي للرائي.
ويحتمل أن يكون المعنى: «وكان ذلك» أي في الحكم المذكور، وهو حصول الرؤية مع الشروط، وعدمها مع عدمها الاشتباه بين الرائي والمرئي في الشرائط المعتبرة بينهما، والأوصاف الموجودة فيهما، المجوّزة لكون كلّ واحد منهما رائياً للآخر، من المقابلة، وكون كلّ منهما في جهة، وكونه جسماً مركّباً، ومغايرته لبصره، واحتياجه إلى الشرائط، وافتقاره إلى الآلة التي يبصر بها، وغير ذلك ممّا يمتنع نسبته إلى اللَّه، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
ويحتمل أن يكون المعنى: «وكان في ذلك» التشبيه، أي في كون الرائي والمرئي في طرفي الهواء الواقع بينهما، يستلزم الحكم بمشابهة المرئي بالرائي، من الوقوع في جهة ليصحّ كون الهواء بينهما، فيكون متحيّزاً ذا صورة وضعيّة، فإنّ كون الشيء في طرف مخصوص من طرفي الهواء، وتوسّط الهواء بينه وبين شيء آخر سبب عقليّ للحكم بكونه في جهة ومتحيّزاً وذا وضع، وهو المراد بقوله: (لأنّ الأسباب لا بدّ من اتّصالها بالمسبّبات).
ويحتمل أن يكون قوله (عليه السلام): «لأنّ الأسباب...» إلى آخره تعليلًا لجميع ما ذكر في هذا الدليل.
بيان ذلك: أنّ الهواء المتوسّط سبب للرؤية، ويكون هذا رائياً من حيث أنّه راءٍ، وذاك مرئيّ من حيث أنّه مرئيّ، فوجب اتّصاله بهما، واتّصاله بهما سبب لكون كلّ واحد منهما واقعاً في حيّز، وفي طرف منه، وموصوفاً بالجسميّة ولواحقها، (فوجب اتّصال هذه الأفعال بكونهما على هذه الأوصاف (4))، وكونهما على هذه الأوصاف سبب لوقوع المشابهة بينهما، فوجب أن يتّصل به، وتلك المشابهة سبب للتشبيه فوجب اتّصالها به، كلّ ذلك لوجوب اتّصال الأسباب بالمسبّبات واقترانها معها وعدم انفكاكها عنها.
والأشاعرة قالوا: إنّ الرؤية ليست بأشعّة ولا انطباع وليس لها سبب ولا شرط سوى حياة الرائي ووجود المرئي، وإنّما هي إدراك، والإدراك معنى يخلقه اللَّه تعالى في المدرك، فإن خلق في جزء من العين سمّي إبصاراً، أو في جزء من القلب سمّي علماً، أو في جزء من الاذن سمّي سمعاً، أو في اللسان سمّي ذوقاً، أو في الجسد سمّي حسّاً، واختصاص خلقه بهذه المحالّ (5) إنّما هو بحكم العادة، وإلّا فيجوز خرق العادة بأن يخلق الإبصار في اليد.
وهذا كلّه مبنيّ على نفي الأسباب كما حقّق في محلّه، فأشار (عليه السلام) هنا إلى بطلانه، مع أنّ ذلك لا ينفعهم؛ لأنّ الإبصار العينيّ في أيّ عضو خلق لا بدّ له من مشار إليه بالإشارة الحسّيّة إمّا بالذات أو بالعرض، وكلّ مشار إليه كذلك إمّا جسم أو حالٌّ فيه، كما يشهد به الذوق السليم والعقل المستقيم، فلو تعلّقت باللَّه تعالى الرؤية للحقه التشبيه كما أشار إليه (عليه السلام) تعالى اللَّه عنه.
تذييلٌ:
قال جماعة من العارفين: إنّ العلم الضروريّ حاصل بأنّ الإدراك المخصوص المعلوم بالوجه الممتاز عن غيره لا يمكن أن يتعلّق بما ليس في جهة، وإلّا لم يكن للبصر مدخل فيه ولا كسب لرؤيته، بل المدخل في ذلك للعقل، فلا وجه حينئذٍ لتسميته إبصاراً.
والحاصل: أنّ الإبصار بهذه الحاسّة يستحيل أن يتعلّق بما ليس في جهة بديهةً، وإلّا لم يكن لها مدخل فيه، وهم قد جوّزوا الإدراك بهذه الجارحة الحسّاسة.
وأيضاً هذا النوع من الإدراك يستحيل ضرورةً أن يتعلّق بما ليس في جهة مع قطع النظر عن أنّ تعلّق هذه الحاسّة يستدعي الجهة والمقابلة.
وما ذكره الفخر الرازيّ من أنّ الضروريّ لا يصير محلّاً للخلاف، وأنّ الحكم المذكور ممّا يقتضيه الوهم ويعين عليه، وهو ليس مأموناً؛ لظهور خطأه في الحكم بتجسّم الباري تعالى وتحيّزه، وما ظهر خطؤه مرّة فلا يؤمن بل يتّهم، ففاسد؛ لأنّ خلاف بعض العقلاء في الضروريّات جائز، كالسوفسطائيّة والمعتزلة في قولهم بانفكاك الشيئيّة والوجود وثبوت الحال.
وأمّا قوله بأنّه حكم الوهم غير المأمون فطريف جدّاً؛ لأنّه منقوض بجميع أحكام العقل، لأنّه أيضاً ممّا ظهر خطؤه مراراً، وجميع الهندسيّات والحسابيّات، وأيضاً مدخليّة الوهم في الحكم المذكور ممنوع، وإنّما هو عقليّ صرف عندنا، وكذلك ليس كون الباري تعالى متحيّزاً ممّا يحكم به ويجزم، بل هو تخييل يجري مجرى سائر الأكاذيب في أنّ الوهم وإن [صوّره] (6) وخيّله إلينا لكن العقل لا يكاد يجوّزه بل يحيله، ويجزم ببطلانه.
وكون ظهور الخطأ مرّة سبباً لعدم ائتمان المخطئ واتّهامه ممنوع أيضاً، وإلّا قدح في الحسّيّات وسائر الضروريّات، وقد تقرّر بطلانه في موضعه (7)، واللَّه العالم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التوحيد، ص 109، ح 7؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 4، ص 34، ح 13.
(2) صحيح مسلم، ج 1، ص 109.
(3) شرح هذا الحديث من بدايته إلى هنا تراه في شرح المازندراني، ج 3، ص 174 – 177.
(4) العبارة بين القوسين مشوّشة في النسخ والمطبوع.
(5) المحالّ: جمع محلّ.
(6) أثبتناه من المصدر، وفي الأصل: «وإن جوّزه».
(7) بحار الأنوار، ج 4، ص 35 – 36.