القضاء الضريبي قضاء ذو طبيعة مزدوجة (شخصي وموضوعي)
المؤلف:
رائد ناجي احمد الجميلي
المصدر:
القضاء الضريبي ومجالاته في ظل القانون العراقي
الجزء والصفحة:
ص 57-63
2026-08-31
60
استنتج جانب من الفقهاء من خلال تحليلهم للعمل الدقيق الذي يمارسه القاضي الضريبي والاجراءات المتبعة ،امامه ان القضاء الضريبي قضاء مزدوج تجتمع فيه سمات القضاء الشخصي والموضوعي. اذ تاره يكون المكلف في مركز قانوني موضوعي وتارة أخرى يكون في مركز قانوني شخصي وابرز من تبنى هذا الرأي الفقيه (Bern) الذي بين ابتداء بعض الحالات التي تتجسد فيها العناصر الشخصية للقضاء الضريبي، ثم بعد ذلك ابدي رأيه الذي يؤكد الطبيعة المزدوجة لهذا القضاء.
فبالنسبة للحالات التي تتجلى فيها العناصر الشخصية لهذا القضاء احصاها بالآتي : (1)
1. حق الإدارة الضريبية في الدفع بالمقاصة (Compensation) مع المبالغ المستحقة لها قبل المكلف. (2)
2. حق الإدارة الضريبية في تقديم دعاوى متقابلة أو فرعية (reconventionnelles Conclusions ) اثناء سير الخصومة تتضمن الغاء القرار الضريبي الذي اتخذته أو تعديله.
3. تنازل المكلف تبعاً لتلك الدعاوى المتقابلة عن مطالبه إزاء الإدارة الضريبية.
4. حق المكلف في ادخال شخص ثالث في الدعوى بالاستناد إلى المساس بالحق الذي يدعي به الغير وليس إلى وجود مصلحة بسيطة.
ومن العرض المتقدم استشف الفقيه (Bern) بصورة اجمالية ان هنالك العديد من العناصر التي تقف في صف الطبيعة الشخصية للقضاء ان لم تكن أكثر من تلك التي ترجح له الطبيعة الموضوعية. وهو ما دفعه إلى القول بأن القضاء الضريبي ذو طبيعة مزدوجة. اذ من الثابت أن هذا القضاء يستوي على نظام قانوني وآخر لا نحي وهذا الامر يطبعه في ظل هذا المظهر بطابع القضاء الموضوعي، غير ان من المؤكد ايضاً ان الدعوة القضائية تفصح عن شخصانية (Subjectivisation) التطبيق الفردي لهذه القواعد الموضوعية، فهو بهذه المثابة قضاء شخصي (3) .
وقد كان لهذا الرأي صداه في الفقه العربي مع بعض الفارق. اذ قال به الاستاذ الطماوي من خلال تأكيده على ان الطعون الضريبية تنتمي إلى القضاء الموضوعي جزئياً من حيث تعلق النزاع بسلامة القرارات الخاصة بفرض الضريبة، الا ان سلطة القضاء لا تقف عند الالغاء بل تتعدى إلى تحديد المبالغ التي يلتزم بها المكلف قانوناً (4) في اشارة إلى القضاء الشخصي وكذلك اكد الدكتور محسن خليل هذا الرأي اذ بين ان الطعون الضريبية تنتمي إلى القضاء الموضوعي اذا كان النزاع يتعلق بمدى مشروعية قرارات فرض الضريبة، وتنتمي إلى القضاء الشخصي اذ تعدى القاضي ذلك إلى تحديد المبالغ التي يلتزم بأدائها المكلف (5) .
رأينا في الموضوع
لقد رأينا كيف احتدم اوار الخلاف بين اوساط الفقه حول تحديد طبيعة القضاء الضريبي. ومن جانبنا فأننا نؤيد الرأي الذي يخلع الطبيعة الكاملة على القضاء المذكور اذا ما حكمنا الأمر على وفق المعيار التقليدي اما على وفق المعيار الحديث فأننا نشايع الرأي الذي يقول بالطبيعة المزدوجة لهذا القضاء ويمكن بيان ذلك بالآتي:
اولاً: القضاء الضريبي قضاء كامل
وفق المعيار التقليدي الذي يميز بين القضاء الكامل وقضاء الالغاء نرى ان القضاء الضريبي ينتمي إلى القضاء الكامل، ونستنتج ذلك من السلطات الواسعة التي يتمتع بها القاضي والتي لا نرى ما يناظرها في أي نوع من انواع القضاء الاخرى (العادي أو الاداري)، وتتعدد هذه السلطات في تأييد القرار الضريبي أو الغائه أو تعديله من خلال تسوية الضريبة أما بزيادتها أو تخفيضها والحكم في الحالة الاخيرة – برد جميع المبالغ التي دفعها المكلف زيادة عما مستحق عليه قانوناً فضلاً عن الحكم بدفع الفوائد عن جميع المبالغ المستردة والتي تحسب من تاريخ استحصال المبلغ الزائد إلى تاريخ اصدار الحكم. ولاجل توضيح هذا الرأي لابد لنا من مناقشة مسألتين:-
المسألة الأولى: قد يقال ان القضاء الاداري يملك ذات السلطات التي يتمتع بها القضاء الضريبي فهو يملك سلطة الغاء القرار المعيب أو تعديله أو استبدال غيره به والحكم بالتعويض اذا لزم الأمر ومن ثم لا يوجد ما يبرر القول بخصوصية القضاء الضريبي في هذا المجال.
ويمكن الرد على ذلك بأنه قد يوحي تعبير تعديله أو استبدال غيره به بامكانية قيام القاضي الاداري بعد الغاء القرار المعيب تعديل هذا القرار بنفسه أو احلال غيره محله. أي انه يحل محل الإدارة في اصدار القرار، وهذا الأمر يجانب الحقيقة علماً وعملاً. فمن خلال البحث في سلطة هذا القاضي نجد انه لا يملك الحلول محل الإدارة في اصدار القرارات الادارية أو ان يعدل في مضمونها وانما تقتصر سلطته على الغاء القرار المعيب أو رفض طلب الالغاء. وإذا ما حكم القاضي بالغاء القرار فليس له ان يرتب بنفسه الآثار الحتمية لهذا الحكم وذلك بأن يقوم بأصدار القرار السليم واحلاله محل القرار المعيب أو ان يعدل في القرار المعيب ليزيل ما لحقه من عدم المشروعية أو ان يقوم بنفسه باصدار القرارات الادارية التي يتعين اتخاذها كأثر لالغاء القرار المعيب وهذا ما استقرت عليه أحكام القضاء الاداري في مصر وفرنسا.(6) وكل ما يملكه هذا القضاء هو رفض طلب الالغاء حتى تكشف له قيام اسباب أخرى صحيحة يمكن حمل القرار عليها. أي ان يقوم بأحلال السبب الصحيح محل السبب غير الصحيح (7) .
من كل ذلك يتأكد لنا ان القاضي الاداري وكقاعدة عامة لا يملك سلطة تعديل القرار المعيب أو استبدال غيره به من خلال الحلول محل الادارة وهذا بخلاف ما يملكه القضاء الضريبي اذ ان لهذا الاخير ان يقوم بالغاء القرار غير المشروع الصادر من الإدارة الضريبية ثم يتولى بعد ذلك القيام باجراء تقدير الضريبة بنفسه ومن ثم الحلول محل الإدارة في اصدار القرار المتعلق بتحديد مقدار تلك الضريبة. وهذا ما يتضمن توجيه امر إلى الإدارة الضريبية المختصة بالالتزام باخذ الضريبة في الحدود التي قررها الحكم القضائي ورد جميع المبالغ التي دفعها المكلف زيادة عن تلك الحدود.
ومن هنا تتاتى الخصوصية التي ينماز بها القضاء الضريبي وذلك بما يتمتع به القاضي من سلطة لم تمنح لغيره من القضاة التابعين للجهات القضائية الأخرى. وما يزيد التأكيد على تلك الخصوصية ما تمنحه الكثير من التشريعات الضريبية للقاضي المذكور من صلاحية تقدير الضريبة (8) وبما يعد خروجاً عن حدود الطلبات المقدمة من قبل المكلف التي تتحدد بتخفيض مقدار الضريبة، وكذلك عن التقدير الذي حددته الإدارة الضريبية، وذلك في الحالات التي يظهر فيها لذلك القاضي أن الضريبة المقدرة على المكلف هي ، اقل مما ينبغي تقديرها عليه قانوناً (sous-impose).
المسألة الثانية: اذا كان القضاء الضريبي يملك الغاء القرار الاداري المتعلق بفرض الضريبة فهل لهذا الالغاء الحجية المطلقة التي تكون لأحكام الالغاء الصادرة من القضاء الاداري على اعتبار ان لهذا الاخير الولاية العامة في نظر المنازعات الادارية؟ يمكن الاجابة على ذلك بالقول ان حكم الالغاء الذي يصدره القاضي الضريبي لا يكون له سوى حجية نسبية مقصورة على اطراف النزاع ويستشف ذلك بصورة جلية من خلال ما استقر عليه قضاء مجلس الدولة الفرنسي الذي ميز بين الطعون المقدمة ضد القرارات التنظيمية المنشئة للضريبة وتلك المقدمة ضد القرارات الفردية التي تصدر تطبيقاً لها. فأكد بالنسبة للقرارات الأولى قبول دعوى الإلغاء على اساس عدم تحقق تعادل في النتائج بين دعوى الإلغاء المرفوعة أمام القضاء الاداري والدعوى الموازية المرفوعة أمام القضاء الضريبي أي ان الدعوى الاخيرة لا يترتب عنها صدور حكم بإلغاء القرار المعيب يكون له حجه قبل الكافة بل ان حجيته مقتصرة على أطراف الدعوى، بحيث لا يمنع هذا الحكم من تطبيق ذلك القرار على المكلفين الاخرين أو بالنسبة للمكلف نفسه عند تقدير ضريبة جديدة عليه.
اما بالنسبة للقرارات الفردية فأن المجلس لا يقبل تلك الطعون لانه بامكان المكلف الحصول على نتائج مماثلة وكافية لتلك التي يحصل عليها عن طريق دعوى الالغاء بتقديم دعواه امام قضاء الضريبة ومن ثم فانه يحصل على حكم بالغاء الضريبة أو تخفيضها وبما يحقق ذات النتائج التي تحققت من حكم صادر من القاضي الاداري بالغاء القرار الفردي المعيب. (9)
وهذا الامر مستقر عليه في مصر اذ لا تختص محكمة القضاء الاداري الا بالنظر في الطعون المقدمة ضد القرارات التنظيمية الصادرة بشأن الضريبة. (10)
فكل ذلك يدل على أن حكم الالغاء الصادر من القضاء الضريبي لا يكون له سوى حجية نسبية مقصورة على اطراف النزاع.
ثانياً: القضاء الضريبي قضاء مزدوج
في خضم الطروحات المتباينة التي أبداها اصحاب الطبيعة الشخصية واصحاب الطبيعة الموضوعية للقضاء الضريبي والحجج التي استند اليها كلا الفريقين، نجد انفسنا مؤيدين للاتجاه الثالث الذي يجسد الطبيعة المزدوجة لذلك القضاء حيث تجتمع فيه العناصر الموضوعية والشخصية على حد سواء.
اذ لا يساورنا أي شك في ان المكلف قد يخضع إلى مركز قانوني موضوعي محدد بموجب القانون الضريبي. وان القرار الاداري الذي يحدد مقدار الضريبة على كل مكلف هو عمل شرطي لتطبيق نص القانون. كما ان أول عمل يباشره القاضي عند فحص النزاع المعروض هو التأكد من مدى مطابقة القرار الاداري المتخذ للقانون الضريبي. ومن ثم فأن القضاء الضريبي يعتبر في هذه المرحلة قضاء موضوعيا الا ان عمل هذا القضاء لايقف عند ذلك فحسب بل يقوم بأجراءات تكشف بشكل لا جدال فيه عن مركز قانوني شخصي للمكلف. اذ يقوم بعد الغاء القرار الاداري بتقدير الضريبة بنفسه والحكم برد جميع المبالغ التي دفعها المكلف زيادة عما هو مستحق عليه قانوناً كما يعمل تبعاً لذلك على الزام الإدارة بدفع الفوائد المقررة عن تلك المبالغ علاوة على المصاريف التي تكبدها المكلف لرفع الدعوى.
ومن جانب آخر فأن القاضي الضريبي يناقش عند فحص النزاع المعروض عليه الكثير من المسائل الواقعية المتعلقة بالإيرادات الحقيقية التي تحققت للمكلف وحساب المصاريف التي تكبدها للحصول عليها كافة وينظر فيما يستحقه من سماحات وغير ذلك من الأمور التي تخلع على ذلك النزاع السمة الشخصية. وتضيف إلى ذلك ما أبداه بعض الفقه من أدلة تثبت هذه السمة ومن أبرزها التنازل عن الدعوى أمام القضاء الضريبي عندما تعدل الإدارة الضريبية عن القرار الإداري الذي اتخذته إزاء المكلف.
صفوة القول : ان القضاء الضريبي في رأينا - هو قضاء كامل وشامل من حيث السلطة الممنوحة للقاضي وذو طابع خاص متميز عن غيره من جهات القضاء. كما انه بالاستناد إلى المركز القانوني الذي يشغله المكلف يكون قضاء مزدوجاً (موضوعياً وشخصياً) ويتمتع بصورة عامة بطبيعة خاصة واصيلة والتي لا تكون الا كنتيجة طبيعية لاستقلالية القانون الضريبي وذاتيته الذي يطبق أحكامه أو يفسرها ويؤصل قواعده.
____________
1-P.Bern, op.cit., P180.
2- اجاز المشرع الفرنسي للادارة الضريبية اذا ما تقدم لها المكلف بطلب الغاء الضريبة أو تخفيضها، وفي أي مرحلة من مراحل هذا الطلب، أن تدفع بالمقاصة بين مقدار الضريبة الذي تعترف بوجود ما يبرر رفعه أو الغاءه وبين المبالغ التي لم تفرض عليها الضريبة نتيجة خطأ أو اهمال أو اغفال في وعاء الضريبة اياً كان طبيعتها اكتشف اثناء التحقيق في وعاء أو حساب الضريبة محل النزاع انظر : Bern, la nature juridque du cintentieux de l'imposition, Paris, R. Pichon et R. Duron- ausis, 1972, p. ص 180.
3- p.Bern, op.cit., P180-181.
4- د. سليمان محمد الطماوي، القضاء الاداري الكتاب الأول بلا مكان نشر دار الفكر العربي، 1986، ص320.
5- د. محسن خليل، القضاء الاداري اللبناني، بيروت، دار النهضة العربية، 1982، ص 315.
6- انظر في تفصيل ذلك د. عبد المنعم عبد العظيم جيرة، آثار حكم الالغاء ط1، بلا مكان نشر دار الفكر العربي، 1971، ص296-204 وقد ضرب بعض الأمثلة المستنبطة من أحكام القضاء الإداري ومنها ما قضى به مجلس الدولة الفرنسي بأنه لا يمكن أدراج اسم موظف في كشوف الترقيات أو ان يمنح ترخيصا بالبناء كذلك ما قضت به المحكمة الإدارية العليا في مصر بان ولايتها تقتصر على الرقابة على القرارات الإدارية فلا يسوغ ان تحل نفسها محل جهات الإدارة في أي عمل أو إجراء هو من صميم اختصاصها . كذلك لا يملك القضاء الإداري ان يوجه أوامر صريحة للإدارة تتضمن إلزام الإدارة بالقيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل ومن ذلك ما قضى به مجلس الدولة الفرنسي بعدم اختصاصه بأعادة الموظف المفصول الى العمل أو الأمر بهدم مبنى تم بناؤه بمقتضى قرار غير مشروع. وينبغي الإشارة هنا إلى ان الأمر في العراق يكاد يختلف تماما اذ خولت المادة (7/ثانيا /ط) من قانون مجلس شورى الدولة رقم (56) لسنة 1979 المعدل محكمة القضاء الاداري سلطة تعديل الأمر أو القرار المطعون فيه أي أن بإمكانها ان تحل محل الإدارة في التصرف بالقرار الإداري (انظر تفصيل ذلك: ماجد نجم عیدان، النظام القانوني لدعوى الالغاء في العراق رسالة ماجستير كلية الحقوق جامعة النهرين 2000، ص 312-315) بعدم
7- د. عبد المنعم عبد العظيم جيرة، آثار حكم الالغاء ط1، بلا مكان نشر دار الفكر العربي، 1971 ، ص 304.
8- انظر ما سبق ذكره في ص من هذه الأطروحة.
9- د. زكريا محمد بيومي، الطعون الضريبية في ربط الضرائب على الدخل، القاهرة، دار الاتحاد العربي للطباعة، 1984 ، ص 175.
10- د. حسين خلاف، مدى اختصاص القضاء الاداري بنظر منازعات الضرائب والرسوم في فرنسا ومصر، مجلة مجلس الدولة، س ،2، 1952، ص 357-359.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القضاء الاداري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة