بعد أن بين الله سبحانه سعي المشركين إلى بثّ الفتن ونواياهم الشريرة في إرجاع المسلمين عن دينهم، أشار إلى خطر (الارتداد) الكبير فقال: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
ووفقاً لهذه الآية التي يقتصر دورها على بيان الحكم الكلامي للارتداد نستفيد أن المرتد إذا مات دون أن يتوب، فلا يُحرم من خير الدنيا فقط، بل يحرم من دخول الجنة في الآخرة ويبقى في النار خالداً فيها. والحقيقة أن هؤلاء الجماعة يحرمون من فيوض المؤمنين الثلاثة حسنة الدنيا وحسنة الآخرة والوقاية من النار: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[1]).
والحكم الكلامي لكل واحدٍ من المرتد الفطري والملي هو حكم واحد، فإطلاق الآية يشمل الاثنين، لكنّ زمان نزول الآية لم يكن فيه سوى المرتد الملي؛ حيث إن المرتد الفطري يجب أن يكون والداه مسلمين أو أحدهما مسلماً حسين تولده، وهذه الشروط لم تكن متوفّرة في أحدٍ في صدر الإسلام، لأنّ إسلامهم حصل بعد ظهور الإسلام، وحين ولادتهم كان أبوهم وأُمهم كافرين، إلا في حالات استثنائية.
ملاحظة: 1. يختلف الحكم الفقهي للارتداد بين المرأة والرجل كما يختلف في تطبيق الاحكام الاربعة.
فالمرتد الفطري اذا كان رجلا تشمله الأحكام الاربعة: نجاسة البدن ووجوب القتل (الاعدام) وتفريق زوجته عنه وتقسيم أمواله بين الورثة.
بينما إذا كانت المرتدّة امرأة – سواء الفطرة أم المللّية – فإنها تستتاب، فإذا تابت عفي عنها، وإلا ففي حالة الارتداد الفطري تسجن وتجلد في أوقات الصلاة.
وتفصيل ذلك يأتي في الفقه والحكمة في بعض أحكامه تكمن في أسرار الشريعة.
أما الرجل المرتد الملي فيستتاب أيضا فإن تاب عفي عنه وإلا شملته الاحكام الاربعة المذكورة.
وتوبة المرتد الفطري لا أثر لها في الاحكام الفقهية لكنها في حكمه الكلامي حيث يغفر الله له ذنبه[2].
2. يكون الارتداد مرة عن أصل الدين ومرة عن الولاية وهذه الاية تتحدث عن الارتداد عن أصل الدين كما أن الاحكام الفقهية للارتداد تترتب على المرتد عن أصل الدين لا على الارتداد عن الولاية.
ورواية الامام الصادق عليه السلام التي اعتبرت الناس بعد الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم مرتدين عدا ثلاثة منهم إنما المقصود فيها هو الارتداد عن الولاية ارتد الناس بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم إلا ثلاثة نفر: المقداد بن الاسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي[3].
[1] سورة البقرة، الآية 201.
[2] قواعد الأحكام ج3 ص578 سلسلة الينابيع الفقهية ص436-438
[3] الاختصاص ص6 بحار الانوار ج34ص274