ورجع يهود قمران إلى أسفار نُسبت إلى غير مؤلفيها الحقيقيين، فأمست عند اليهود فيما بعد وعند الآباء المسيحيين Pseudepigrapha أي: منسوبة إلى غير مؤلفيها الحقيقيين، وبالتالي أبوكريفية apocrypha أي: من النوع الذي تجب تخبئته. ولا يخفى أن الانتحال في اللغة هو في الأصل عكس ما تقدم. نقول: انتحل فلان شعرًا إذا ادعاه لنفسه وهو لغيره، وقولنا: إن هذه الأسفار منتحلة هو في حد ذاته توسُّع تدفعنا إليه الحاجة إلى اصطلاح يؤدي معنى اﻟ Pseudepigrapha. وعند القول: إن سِفرًا من الأسفار هو من نوع الأبوكريفة نحكم بوجوب إبعاده وعدم الرجوع إليه. ومن هنا قولنا: إنه سِفر دخيل أي: غير أصيل.
وأهم الأسفار الدخيلة على العهد القديم، في عُرف الآباء المسيحيين من شرقيين وغربيين وفي عُرف أحبار اليهود، هي سِفر اليوبيلات وسِفر أخنوخ ورسائل البطاركة، وكتاب اليوبيلات أو «سِفر التكوين الصغير» الذي عرفناه فيما مضى بالحبشية واللاتينية نعرفه اليوم بفضل أعمال الكشف في قمران باللغة العبرية، وهو ما يتَّفق مع النص الحبشي، وبالتالي فإنه خالٍ من أي دس مسيحي عليه. وقد وجد المنقِّبون قطعًا من نُسخ متعددة منه في كهوف قمران الأول والثاني والرابع (1). وهو يبحث في أصل «الشعب المختار» منذ البدء حتى الظهور في سيناء، ويجيء في تسع وأربعين حِقبة، تشمل كل واحدة منها أخبار تسع وأربعين سنة، فيصبح يوبيل اليوبيلات نسجًا على ما جاء في سِفر الأحبار (25: 11)، وهو يهدف إلى تبيان قدسية الناموس وقدم عهده ورجوعه إلى عهد البطاركة الأولين، لا بل إلى الأزل في القِدم إلى الله في السموات. ويرى رجال البحث أنه من تصنيف يهودي مُحافظ من أعيان القرن الثاني قبل الميلاد (2).
وعاد يهود قمران أيضًا إلى سِفر أخنوخ؛ فقد عثر المنقِّبون في كهف قمران الرابع على حوالي عشر قطع مختلفة من هذا المُصنَّف. وقد جاءت بالآرامية. وسِفر أخنوخ كما عرفناه قبلًا بالحبشية كشكول من الرؤى يعود إلى القرنين الأخيرين قبل الميلاد، ويبحث في أصل الشر والفساد. وفي الملائكة والشياطين، وفي جهنم والنعيم. وقد قسَّمه العلَّامة شارل إلى خمسة أقسام مختلفة، فرأى في فصوله الستة والثلاثين الأولى مادة مأخوذة من سِفر نوح، وجعل من فصوله السابع والثلاثين حتى الحادي والسبعين قسم الأمثال والتشبيهات، ومن فصوله الثاني والسبعين حتى الثاني والثمانين كتاب الكواكب، ومن فصوله الثالث والثمانين حتى التسعين رُؤى الأحلام، ومن فصوله الحادي والتسعين حتى المائة والرابع رؤيا الأسابيع (3). وهنالك أشياء من القسمين الأول والرابع في خمس قطع من مخلفات الكهف الرابع. وقد جاءت نصوصها الآرامية أضبط مما جاء في قطع أربع أُخرى تضمنت أخبار الكواكب، والقطعة العاشرة لا تزال قائمة بذاتها؛ لضآلة ما تبقَّى منها، ويرى الأب ميليك أن عدم وجود أي أثر من آثار الأمثال والتشبيهات يوجب القول إن واضعه من المسيحيين اليهود من أعيان القرن الثاني بعد الميلاد (4). ويرى الأب مارتن Martin الكاثوليكي والأستاذ لودز Lods الإنجيلي والبحاثة الإسكندينافي موفينكل Mowinckel أن سفر أخنوخ هو من نتاج اليهود وحدهم (5). ونحن نرى أنه ليس من العلم بشيء أن نتسرَّع في الاستنتاج، فنحكم بشيء قبل تناصر الأدلة عليه، والواقع أن الدليل في الحالتين ضئيل يُوجب إرجاء البتِّ.
وتوقَّع العلماء الباحثون، لدى بدء العمل في قمران، أن يعثروا على نص «عهود البطاركة» بالعبرية أو الآرامية نظرًا لما لمسوه في النص اليوناني من آثار الحاسيين، وترقَّبوا وانتظروا فلم يجدوا شيئًا مما صوَّره لهم الظن. وجل ما عثروا عليه حتى الآن هو بعض مراجع يمكن أن يكون واضع «هذه العهود» قد اعتمدها. فهنالك قطعة من مخلفات الكهف الأول، وبعض قِطع من مكتشفات الكهف الرابع كتبت بالآرامية ونُسبت إلى لاوي. وهذه القِطع تتَّفق مع ما كان قد وُجد في جنازة القاهرة قبل نصف قرن، ومما عُثر عليه أيضًا شيء من صلاة نُسبت إلى يعقوب، وبعض التعليمات في تقديم الذبائح، ونص عبري نُسب إلى نفتالي (6).
والبطاركة هم أولاد يعقوب الاثنا عشر. والعهود هي ما أوصوا به أولادهم وأحفادهم قبل وفاتهم كما فعل يعقوب نفسه، وعلى غِرار ما جاء من كلامه في الفصل التاسع والأربعين من سِفر التكوين. وكانت هذه العهود قد حُفظت باليونانية وبالأرمينية والسلافية. وكان روبرتوس أسقف لنكولن Lincoln، في القرن الثالث عشر عُني بهذه العهود بلغتها اليونانية، وأعدَّ نصًّا لاتينيًّا لاقى ترحيبًا في الأوساط المسيحية آنئذٍ، ثم تُرجم هذا النص إلى الفرنسية في السنة 1555 ونُشر في باريز. وعاد غرابي Grabe في القرن السابع عشر إلى النص اليوناني، فنشره في السنة 1698، وقال عنه إنه نصٌّ يهودي يعود إلى ما قبل الميلاد، ولكنه يحمل أثر دسٍّ مسيحي (7). ثم جاء الأب مين Migne في السنة 1856، فقال في معجم الأبوكريفه إنه يتراءى له أن هذا النص يعود إلى القرن الأول أو أوائل القرن الثاني بعد الميلاد، وإن واضعه هو يهودي دخل في النصرانية فجعل أبناء يعقوب يقولون ما يؤيد ظهور المسيح. وعالج هذا الموضوع نفسه العلَّامة الإنكليزي روبرت شارل في أوائل القرن العشرين، فأيد يهودية هذا السِّفر وحصر الدس المسيحي فيه ببعض العبارات الخريستولوجية.
وظهر في السنة 1953 كتاب يونغ Jonge الهولندي، وجاء مؤيدًا لما كان قد ذهب إليه الأب مين وناقض شارل، فقال بأن عهود البطاركة من آثار يهودي متنصر اعتمد نصوصًا يهودية قديمة، فجعل منها سِفرًا جديدًا يؤيد به دينه الجديد (8). ورأى الأب ميليك رأيه، فقال: إن صاحب عهود البطاركة كصاحب سفر أخنوخ اعتمد عهد لاوي أو عهد نفتالي أو ما شابههما، فصنَّف عهود البطاركة، وهو مؤلف واحد للعهود جميعها كما نعرفها في نصها اليوناني بدليل وحدة التخطيط. فلكل عهد من هذه العهود مقدمة تاريخية، وبابٌ فيه حضٌّ على الفضيلة، وخلاصة تتوقع مجيء مسيح واحد «لا مسيحيين» وتتضمن رؤيا (9).
ويؤثر دوبون صومر Dupont-Sommer — الأستاذ الفرنسي — القول بأن هذه العهود هي من آثار الحاسيين لوجود ما يماثلها في كهوف قمران، وفي وثيقتَي دمشق ولا سيما وأن في هاتين الوثيقتين ما يُشابه عددًا كبيرًا من سائر عهود البطاركة كزبلون ودان ويوسف وبنيامين (10). ولكنه لا ينكر إمكانية دس مسيحي متأخر (11).
...........................................
(1) Qumran Cave I. 17, 18.
(2) Charles, R. H., Apocrypha and Pseudepigrapha, (1913), II, 1-82; Tisserant E, Rev. Bib., 1921, 55–86; Milik, J. T., Dix Ans, 29-30.
(3) Charles, R. H., Op. Cit., II, 163–277.
(4) Milik, J. T., Dix Ans, 31.
(5) Martin, F, Le Livre d'Henoch, (1906): Lods, A., Hist. de la Lit. Hebraïque et Juive, (1950), 880–882; Mowinckel, S., He That Cometh, (1956), 354 f.
(6) Qumran, Cave I, 21, Rev. Bib., 1955, 398–406, 1956, 66.
(7) Spicilegium Patrum, (Oxford) I, 145–253.
(8) Jonge, M. de, The Testaments of the Twelve Patriarchs. A study of Their Text, Composition and Origin, (Assen, 1953).
(9) Rev. Bib., 1955, 297-298. Dix Ans, 31-32.
(10) Rabin, Ch., The Zadokite Documents, 83.
(11) Dupont-Sommer, A., Les Ecrits Esseniens, (1959), 316–318.