0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

الأحكام الموضوعية للشروع والمساهمة الجزائية

المؤلف:  محمد سامي نعمان

المصدر:  التعسف في استعمال السلطة واثره في المسؤولية الجزائية في التشريع العراقي

الجزء والصفحة:  ص 161-170

2026-09-17

17

+

-

20

بعد الانتهاء من دراسة العناصر المادية لجريمة التعسف كان من الضروري إثراء دراستنا من خلال تسليط الضوء على الاحكام الموضوعية للشروع والمساهمة الجزائية في هذه الجريمة.
ومن أجل بيان امكانية تطبيق أحكام الشروع والمساهمة في هذه الجريمة من عدمه ، منقسم هذا الموضوع إلى فقرتين الفقرة الأولى نتنأول فيها أحكام الشروع في جريمة التعسف، أما الفقرة الثانية نوضح فيها حالة المساهمة الجنائية.
أولا :- أحكام الشروع في جريمة التعسف
قد تتحقق قسم من عناصر الركن المادي للجريمة ويتخلف القسم الآخر إذ يتحقق الفعل الإجرامي أو جزء منه ولكن لا تتحقق النتيجة الجريمة ومن ثم لا تتم الجريمة بالرغم من البدء فيها لسبب خارج عن إرادة الجاني(1)، فنكون هنا أمام حالة الشروع، و لقد عرف بعض الفقه الجنائي الشروع بأنه "ارتكاب الجاني فعلا وإن كان ظاهريا لا يدخل مباشرة في أفعال الركن المادي للجريمة إلا أنه متصل به بحيث أنه سيؤدي مباشرة وحالا إلى تحقيق النتيجة التي يريدها (2) ، أما المشرع العراقي فقد عرف الشروع في قانون العقوبات بأنه البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة اذا وقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها (3)، ومن هذا التعريف يتضح لنا أن وقوع الجريمة عملية تمر بمراحل معينة، فالجاني في البدء يمر بمرحلة التفكير في الجريمة، ثم يعزم على ارتكابها، وبعد ذلك يهيئ وسائل ارتكابها من معدات وما شابه، بعد ذلك ينتقل للمرحلة الثالثة وهي مرحلة التنفيذ (4) ، وبهذه الصيغة يستلزم الشروع في الواقعة الإجرامية أن يكون هنالك نقص في ركنها المادي، وموقع النقص يتجسد بالنتيجة الإجرامية، فالجاني ارتكب الفعل وأراد من خلاله تحقيق هذه النتيجة، وتوفر لديه القصد الجرمي المطلوب في هذه الجريمة، إلا أن فعله لم يفض إلى وقوع النتيجة(5).
والشروع يعد استثناء من القواعد العامة والاصل العام الذي يقضي بعدم إمكانية العقاب على جريمة لم تتحقق كافة عناصر الركن المادي اللازمة لقيامها، إلا أن المشرع الجنائي بعض الاحيان يتوسع في تقرير المسؤولية الجنائية في أحيان لا تتوفر للسلوك جميع مقومات الجريمة، وذلك كونه من جهة يتضمن العدوان على حق محمي قانوناً أو تهديد ذلك الحق، ومن جهة فإن الوصول لمرحلة الشروع يدل على مدى تصميم الجاني على الاستمرار في مشروعه الإجرامي ومن ثم الكشف عن مقدار الخطورة الإجرامية (6).
ومن خلال ما سبق، نطرح تساؤلاً عن مدى إمكانية تحقق الشروع في جريمة التعسف في استعمال السلطة؟
في الواقع لم تناقش هذه الفكرة في الفقه الجنائي العراقي في هذه الجريمة، نظراً لحداثة نص المادة المنظمة لهذه الجريمة، ونرى من وجهة نظرنا أن الاجابة على التساؤل المطروح تتمثل في أنه لا يمكن أن تتحمل طبيعة هذه الجريمة قيام حالة الشروع ، كون أن الشروع يقوم بالأساس على تخلف النتيجة الجرمية في حين أن هذه الجريمة لا يمكن أن نتصور وقوعها من دون نتيجة ضارة، فهي إما أن تقع تامة وإما لا تقع، فالشروع كما سبق القول هو البدء في التنفيذ، وإن أي بدء في تنفيذ السلوك الإجرامي لهذه الجريمة يتحقق به الضرر والأذى للمجنى عليه سواء من الناحية النفسية أم المادية، وبهذا الضرر أو الاذى تقع به الجريمة تامة، وهو ما يبدو واضحاً من خلال الصور الجرمية التي أوردها المشرع في نص المادة (329 / ثالثا) من قانون العقوبات العراقي، فلو قام المسؤول الإداري بنقل الموظف فهنا الجريمة وقعت ،تامة، وكذلك حالة التسريح وحالة تنزيل الدرجة وحالة التهديد وحالة التمييز والمضايقة والانتقام والترهيب، فهي صور بمجرد ارتكابها وقع الضرر سواء كان الضرر مادياً أم معنوياً، وهو عكس حالة الشروع التي تعتمد على تخلف النتيجة الجرمية، ومن ثم في النهاية نتوصل إلى أن ثبوت تحقق
السلوك في هذه الجريمة يعني ثبوت تحقق الضرر، ومن ثم لا امكانية لتحقق الشروع.
ثانيا : - المساهمة الجزائية في جريمة التعسف في استعمال السلطة
الجريمة قد ترتكب من قبل شخص واحد فيأتي بمفرده بكامل ركنها المادي، ومن ثم يرجع اليه عناصرها كافة، وقد يتعدد الجناة فنصبح أمام حالة تسمى بالمساهمة الجنائية أو الاشتراك الجنائي(7).و المساهمة الجنائية تعرف على أنها تعدد الجناة الذين باشروا السلوك الإجرامي، فهي تجسيد لمبدأ توزيع العمل على المشروع الإجرامي (8) ، ويشترط لقيام المساهمة الجنائية أن تكون الجريمة واحدة وان يتعدد الجناة (9)، فالمساهمة الجنائية من غير الممكن أن نتصور تحققها من غير وجود الوحدة المادية وكذلك تحقق الوحدة المعنوية (10)، والوحدة المادية تتجسد باحتفاظ الركن المادي للجريمة بوحدته المادية، ويتطلب ذلك أن تكون النتيجة الجرمية واحدة وارتباطها بعلاقة السببية بجميع الافعال المرتكبة من قبل الجناة المتعددون، أما الرابطة المعنوية تستلزم توفر رابطة ذهنية بين المساهمين في الجريمة، تقتضي اتفاقاً سابقاً بينهم على ارتكابها (11) ، وقد قسمت المساهمة الجنائية إلى طائفتين في أغلب قوانين العقوبات، الطائفة الأولى المساهمة الاصلية, أما الطائفة الثانية المساهمة التبعية، وهذا ما سنوضحه فيما يلي:-
1- المساهمة الاصلية
نصت المادة (47) من قانون العقوبات العراقي على أنه يعد فاعلا للجريمة: أ. من ارتكبها وحده أو مع غيره. ب . من ساهم في ارتكابها إذا كانت تتكون من جملة أفعال فقام عمدا أثناء ارتكابها بعمل من الاعمال المكونة لها. ج . من دفع بأية وسيلة شخصا على تنفيذ الفعل المكون للجريمة إذا كان هذا الشخص غير مسؤول جزائيا عنها لأي سبب".
وإن هذه القواعد العامة من الممكن أن نطبقها في جريمة التعسف في استعمال السلطة، فعلى سبيل المثال إذا ارتكب الموظف أو الوكيل الرسمي واحدة من صور السلوك الإجرامي المنصوص عليها من قبل المشرع في هذه الجريمة وحده أو مع غيره عد كل منهما فاعلا أصلياً، أما الحالة الثانية والتي تتمثل في جريمة تتكون من عدة افعال وارتكب واحدة من الافعال المكونة لها، ويمكن أن نتخيل هذه الحالة في جريمة التعسف في استعمال السلطة في حالة القرار الإداري المركب(12)، كما في حالة العقود الإدارية التي تحتاج إلى أكثر من قرار إداري وأكثر من دور حتى يتم ارساء العقد على شخص معين، فهنا نكون أمام أكثر من مساهم أصلي وأخيراً حالة تسخير شخص آخر مستغلاً وضعه الصحي أو حالة ضعف يمر بها أو حسن نيته.
والسؤال المطروح هل إن الغير الذي يرتكب مع الموظف السلوك الإجرامي لجريمة التعسف كفاعل يشترط فيه أن يكون موظفاً أيضا؟
إن الإجابة على ذلك من وجهة نظرنا تتمثل في أن هذا الغير لا يمكن أن يعد فاعلاً أصلياً مرتكباً لهذه الجريمة، مالم يكن موظفاً أو وكيلاً رسمياً، ونستند في ذلك للبنيان القانوني لهذه الجريمة، والذي اشترط صفة الموظف أو الوكيل في شخص الجاني ومن ثم فالنص واضح ولا يقبل الاجتهاد، ومن ثم إذا لم يكن موظفاً فلا تقوم هذه الجريمة ومن الممكن أن تقوم جريمة أخرى إن توافرت شروطها بحق الغير.
2- المساهمة التبعية
ويقصد بالمساهمة التبعية (الاشتراك) في الجريمة بأنه القيام بدور ثانوي في تنفيذها، ويكون القائم بهذا الدور هو المساهم الثانوي في الجريمة وذلك من خلال عمل ثانوي كالتحريض أو المساعدة وهو في الاصل عمل مباح قبل ارتكاب الجريمة إلا أنه يساعد ويعاون على ارتكابها ولذلك جرم وعوقب (13).
ويفهم من ذلك بأن فعل المساهم التبعي فعل مباح ولكن يصبح مجرماً كونه يستمد الصفة الإجرامية من نشاط المساهم الاصلي.
وعلى هذا الأساس فإن المساهمة التبعية تتطلب ثلاثة اركان (14):
أ. أن يكون هنالك فعل أصلي غير مشروع يرتبط به سلوك المساهم التبعي.
ب . أن يتواجد الركن المادي للمساهمة التبعية.
ج. أن يتوافر الركن المعنوي في المساهمة التبعية.
أما المشرع العراقي فقد نص في المادة (48) من قانون العقوبات على حالات المساهمة التبعية، فقد نصت المادة على أنه يعد شريكا في الجريمة أ. من حرض على ارتكابها فوقعت بناء على هذا التحريض. ب. من اتفق مع غيره على ارتكابها فوقعت بناء على هذا الاتفاق. ج. من أعطى الفاعل سلاحا أو آلات أو أي شيء آخر مما استعمل في ارتكاب الجريمة مع علمه بها أو ساعده عمدا بأي طريقة أخرى في الاعمال المجهزة أو المسهلة أو المتممة لارتكابها. ويفهم من ذلك ان للمساهمة التبعية ثلاث صور وهي (التحريض والاتفاق والمساعدة) (15).
واستناداً إلى نص المادة أعلاه فمن الممكن أن تتحقق المساهمة التبعية بصورة التحريض في جريمة التعسف في السلطة إذا ما قام الموظف أو الوكيل الرسمي بخلق فكرة بتحريض موظف آخر على ارتكاب أفعال تعسفية أو انتقامية أو مضايقة أو غيرها من الافعال التي يترتب عليها ضرر بحق الموظف أو الشخص العادي لمنعه من التعاون مع الجهات التحقيقية في كشف الفساد واساءة استعمال السلطة فإنه يعد شريكاً في هذه الجريمة. ويشترط استناداً للقواعد العامة في المساهمة الجنائية أن تقع الجريمة بناء على ذلك التحريض فلا سبيل للعقاب على فعل التحريض إلا بوقوع هذه الجريمة بناء عليه (16)، وهذا يبدو واضحاً بشكل . صريح استناداً لنص المادة (48/1) من قانون العقوبات العراقي(17). وفي هذا المقام نجد أن محكمة التمييز الاتحادية ذهبت بقرار لها بالقول "... إن التحريض لا يمكن أن يعتد به اذا كان بين الطرفين يوجد تنافر وليس توافق....(18).
وبموجب القرار أعلاه، إذا قام الموظف بالتعسف بحق موظف آخر أو مواطن نتيجة وجود مسألة خلافية أو مشاكل أو غير ذلك، فإن التحريض الذي قد يصدر من شخص آخر على هذا الموظف لا يعتد به، وإن اتجاه المحكمة في إقرارها هذا المبدأ كان موفقاً إذ إن الاشتراك يشترط أن يكون هنالك توافق مما يعزز رصانة الرأي المذكور.
كما أن التحريض لا يشترط أن يكون معاصراً لارتكاب الجريمة، وفي ذلك أقرت محكمة التمييز الاتحادية العراقية مبدأ ينص إن التحريض على ارتكاب الجريمة قد يقع سابقاً أو معاصراً لها فإذا ثبت من شهادة الشهود أن المتهم كان وقت ارتكاب الجريمة يشد من عزيمة الجاني ويؤكد عليه ارتكاب الجريمة وقتل المجني عليه فيكون شريكاً له في ارتكاب الجريمة ويعاقب بالعقوبة التي يعاقب بها الفاعل الأصلي (19).
وفيما يتعلق بصورة الاتفاق، كما لو اتفق اثنان من الموظفين على مضايقة شخص أو الانتقام منه أو غير ذلك من الافعال التعسفية، ووقع هذا الفعل من أحدهما دون الآخر، فإن الأول يعد فاعلاً أصلياً في الجريمة والثاني شريكاً بوسيلة الاتفاق، وقضت محكمة التمييز العراقية في هذا الخصوص "بعد شريكاً في الجريمة من اتفق مع غيره على ارتكابها فوقعت بناء على هذا الاتفاق (20).
مما سبق نتوصل إلى أن الاتفاق يعد وسيلة من وسائل المساهمة الجنائية، في المقابل نجد أن المشرع العراقي ذهب إلى تجريم نوع آخر من الاتفاق وهو الاتفاق الجنائي (21)، فهل يمكن ان نتصور وقوع مثل هذا النوع في جريمة التعسف في استعمال السلطة؟
إن المشرع العراقي عرف الاتفاق الجنائي على أنه اتفاق شخصين أو اكثر على ارتكاب جناية أو جنحة من جنح السرقة والاحتيال والتزوير سواء كانت معينة أم غير معينة أم على الافعال المجهزة أو المسهلة لارتكابها متى كان الاتفاق منظما ولو في مبدأ تكوينه مستمرا ولو لمدة قصيرة (22).
ومن ثم لا يمكن أن يسري الاتفاق الجنائي على هذه الجريمة، كون أن هذا الاتفاق قد حدد بجرائم معينة وردت على سبيل الحصر وليس من بينها جريمة التعسف ومن ثم فإن الاتفاق في جريمة التعسف يخضع للقواعد العامة للمساهمة الجنائية، ويمكن تمثيل حالة الاتفاق في صورة أصدار أمر إداري من الرئيس الإداري الاعلى بتشكيل لجنة تحقيقية والاتفاق مع أعضائها على معاقبة الموظف فتقوم اللجنة بإصدار التوصيات بناء على ذلك الاتفاق.
أما الوسيلة الاخيرة وهي المساعدة، وهذه الوسيلة من الممكن ان تقع بأي وسيلة لها مظهر خارجي، ولا يشترط أن تكون عملاً مادياً فقد تكون بصورة تقديم معلومات عن كيفية التمكن من المجنى عليه في القتل أو الوصول إلى الاشياء المراد سرقتها (23) . والمساعدة قد تكون في الاعمال المجهزة لارتكاب الجريمة أو في الاعمال المسهلة أو الاعمال المتممة (24)، ويمكن أن تتجسد المساهمة التبعية بهذه الصورة في جريمة التعسف بصورة قيام الرئيس الإداري بإصدار أمر إداري بموجبه يمنح صلاحيات لموظف ذو سلطة أدنى من أجل تمكينه في معاقبة الشخص الذي تعاون مع الجهة التحقيقية، فهنا يعد الرئيس الإداري مساهم تبعي بصورة المساعدة في الاعمال المجهزة للجريمة.
وجدير بالذكر أن الموظف أو الوكيل الرسمي لا يمكن أن يكون شريكاً في الجريمة عملاً بحكم الفقرة (2) من المادة (48) من قانون العقوبات إلا أن يكون عالماً أن المساعدة التي يقدمها ستسهل ارتكاب الفعل الإجرامي واراد ذلك (25) ، فقضي بهذا الشأن لا يتحقق الاشتراك بالمساعدة إلا اذا ثبت قصد المساعدة (26) .
وفي الختام يتبادر إلى ذهن الباحث تساؤلات مهمة ويتمثل التساؤل الأول يتجسد في مدى إمكانية قيام حالة المساهمة التبعية في حالة إذا كان الفاعل الاصلي يحمل الصفة الخاصة في هذه الجريمة وهي صفة الموظف أو صفة الوكيل وفي المقابل لا تتوفر هذه الصفة لدى الشريك؟ ومن أجل الاجابة على ذلك نستعرض آراء الفقهاء في ذلك:
الرأي الأول ذهب إلى القول بأنه بخصوص الجرائم التي تستلزم صفة خاصة في شخص الجاني كصفة الموظف العام والتي يتعدد الجناة فيها يكفي أن تتوافر هذه الصفة في أحد المساهمين حتى يطبق النص الخاص على كل المساهمين في الجريمة سواء كانوا يتمتعون بصفة الموظف ام لا، وان كان مرتكب الركن المادي شخص عادي غير موظف، طالما توافرت في حق غيره من المساهمين(27).
أما الرأي الثاني فقد عاكس الرأي الأول وانتقده وذهب بالقول إن المشرع عندما يفرض توفر صفة معينة بالجاني في الجريمة فإنه يلزم لقيام الجريمة وتمامها بأركانها المختلفة أن يكون مرتكب الفعل المادي متمتعاً بالصفة الخاصة، أما مساهمة الغير فهي دائما مساهمة تبعية(28).
أما وجهة نظرنا فنحن نؤيد الرأي الثاني، ونرى أنه من خلال الاستناد إلى نص المادة (329 / ثالثاً) من قانون العقوبات العراقي اشترطت أن يتوافر العنصر الخاص، ومن ثم يستلزم ان يكون الفاعل موظفاً أو وكيلاً رسمياً كما حددته المادة، ومن جهة اخرى نرى أن حالة المساهمة التبعية إذا كان الذي حرض أو اتفق أو ساعد شخصاً من خارج دائرة المسؤول الإداري لا يتمتع بالصفة الوظيفية، فمن وجهة نظرنا نرى أنه لا اشكالية في تطبيق القواعد العامة للمساهمة الجنائية, ومن ثم يعد مساهماً تبعياً، فالشريك أو المساهم التبعي يستمد إجرامه من الفاعل الاصلي وفي ذلك قضت محكمة التمييز العراقية بقرار قديم لها الشخص العادي يحاكم كشريك - متدخل - للمكلف بخدمة عامة في جريمة التزوير لغرض الاختلاس (29).
ونرى من وجهه نظرنا أن المشرع كان من الأنسب أن ينظم حالة الشخص العادي الذي يحرض المسؤول الإداري أو يتفق معه أو يساعده، قياساً على جريمة الرشوة التي أفرد نص خاص بالراشي الذي يعرض الرشوة وجعل جريمته خاصة عن المرتشي وحالة الوسيط الذي يتوسط بينهما، ومن ثم يعد جريمة الشخص الذي يحرض أو يساعد أو غير ذلك المسؤول الإداري جريمة مستقلة وإن لم يقع الفعل التعسفي أو الجريمة محل البحث بناء على ذلك التحريض أو المساعدة أو الاتفاق.
والسؤال الثاني المطروح يتمثل بمدى سريان أحكام المساهمة الجنائية في هذه الجريمة في حالة كان المحرض أو الذي اتفق أو ساعد من ذوي الصفة ( موظفاً أو وكيلاً) والذي ارتكب الفعل الجرمي كان شخصاً عادياً من غير ذي صفة، فالفاعل الاصلي شخص ليس موظفاً والفاعل التبعي موظف؟
إن الاجابة على ذلك تتمثل في أن القانون حدد بعض الجرائم لا ترتكب إلا من قبل شخص يحمل صفة خاصة، وبالنتيجة كانت هذه الصفة ركناً خاصاً فيها، فالرشوة لا ترتكب ألا من قبل موظف. والزنا لا يرتكبها إلا شخص متزوج ، وكذلك ما عليه الحال في جريمة التعسف لا يرتكبها إلا موظف أو وكيل رسمي، وهذه الصفة لابد من أن تتواجد لدى المساهم الاصلي فاذا انتفت لديه تخلفت أحد أركان الجريمة (30).
ولذا وفي هذا الخصوص نرى أن نص المادة (329 / ثالثا عقوبات عراقي) لا يقبل الاجتهاد والشك فالنص واضح وصريح اشترط أن يكون الفاعل متمتعاً بصفة الموظف أو الوكيل، ومن ثم من غير المتصور أن تقع هذه الجريمة من شخص عادي، لاسيما إذا نظرنا إلى السلوكيات الجرمية التي أشارت اليها المادة فهي تفرض أن يكون الفاعل موظفاً كونها صلاحيات وظيفية, ومن ثم لا يمكن أن يتمتع بها شخص عادي بل لابد من شخص يتمتع بمركز قانوني وظيفي، ومن الممكن أن يكيف فعل المتهم على جريمة أخرى إن انطبق نموذجها القانوني عليه.
____________
1- د. خلدون عطية مزهر الوجيز في المبادئ العامة لقانون العقوبات، ط1، مكتبة صباح القانونية، بغداد، 2024، ص 70.
2- احمد عبد الامير حسين جريمة اتلاف او افشاء اسرار الدفاع عن البلاد (دراسة مقارنة) رسالة ماجستير، جامعة بغداد كلية القانون العراق، 2016، ص 83.
3- المادة (30) من قانون العقوبات العراقي.
4- يونس عبد القوي السيد الشافعي الجريمة والعقاب في الفقه الاسلامي، دار الكتب العلمية، لبنان، 2003، ص117.
5- د. محمود نجیب حسني، علاقة السببية في قانون العقوبات، دار النهضة العربية، 1984، ص 52.
6- طاهر جمال الدين كرابيج الحماية الجزائية للأطفال اثناء النزاعات المسلحة في نظام المحكمة الجنائية الدولية والتشريع السوري، أطروحة دكتوراه جامعة حلب كلية الحقوق، سوريا، 2023، ص158.
7- علي بن جزاء العصيمي الحماية الجنائية لذوي الاحتياجات الخاصة من جرائم الإتجار بالأشخاص (دراسة مقارنة)، ط1، مكتبة القانون والاقتصاد الرياض، 2014، ص 111.
8- وبذلك يتضح ان الضرر الواقع على المجتمع او الخطر لم يكن ناتج عن نشاط شخص واحد ولم يكن وليد ارادته وحده، وانما كان نتاج تعاون بين عدة اشخاص ولكل منهما دوره المادي ولكل منهم ارادته الاجرامية . للمزيد ينظر : د. محمود نجیب حسني، المساهمة الجنائية في التشريعات العربية، ط 2 ، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992، ص1.
9- د. زينب احمد التناقض في قرار محكمة التمييز بشأن المساهمة الجنائية في الجريمة الارهابية، مجلة كلية الحقوق، جامعة النهرين، المجلد 14 ، العدد 1، 2012، ص 49.
10- مازن خلف ناصر الهاشمي الجريمة العسكرية دراسة في التشريع العسكري العراقي رسالة ماجستير، جامعة بغداد، كلية القانون العراق، 2002، ص96.
11- د. اكرم نشأت ابراهيم القواعد العامة في قانون العقوبات المقارن الدار الجامعية، بيروت، 1998، ص199.
12- القرارات الادارية المركبة فهي قرارات التي تدخل في تكوينها أكثر من عملية قانونية حيث تمر هذه القرارات بعدة مراحل ومن خلال عدة ادارات حتى ينتهي به المطاف الى القرار الاداري النهائي كالقرار الصادر بإرساء مناقصة على عطاء معين للمزيد ينظر: د. رشا عبد الرزاق جاسم الشمري صفة النهائية في القرار الإداري (دراسة مقارنة)، ط1، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، 2016، ص 51.
13- د. علي حسين الخلف ود سلطان عبد القادر الشاوي المبادئ العامة في قانون العقوبات، المكتبة القانونية، بغداد، 1982، ص203.
14- د. محمد زكي ابو عامر، قانون العقوبات القسم العام، مطبعة الانتصار الاسكندرية، 1993، ص398.
15- يراد بالتحريض : "خلق" فكرة ارتكاب الجريمة لدى شخص آخر أو تدعيم فكرة موجودة في ذهنه بقصد دفعة لتنفيذها". للمزيد ينظر: باسم محمد الشرجي الإجهاض بين التجريم والإباحة (دراسة مقارنة) المركز العربي للنشر والتوزيع، ط. الأولى، مصر، 2018، ص 171؛ د. محمد جبار اتويه النصراوي و رسول هاشم عوفي الفلسفة التشريعية في تجريم الشروع على الانتحار والتحريض عليه في قانون عقوبات الأمن الداخلي (دراسة مقارنة ) مجلة ميسان للدراسات القانونية المقارنة كلية القانون جامعة ميسان العدد السادس المجلد 1، ص 173.
اما الاتفاق فهو : اتفاق ارادتين او اكثر على ارتكاب جريمة وهو عبارة عن حالة نفسية تتعلق بمكنونات النفس وله مظهره الخارجي الذي يستمده من وسائل التعبير عن الارادة وهذه الوسائل قد تكون كتابية او شفهية او حتى بمجرد الاشارة". ينظر : عمار غالي العيساوي المسؤولية الجنائية عن جريمة تبييض الأموال اطروحة دكتوراه جامعة بابل كلية القانون العراق، 2004، ص 58
اما المساعدة فقد عرفت بأنها تقديم العون الى الفاعل أيا كانت صورته الى الفاعل فترتكب الجريمة بناء عليه وكذلك عرفت بأنها تقديم العون للفاعل في ارتكاب الجريمة سواء كان بالتجهيز ام تسهيل ارتكابها او تذليل ما قد يعترضه من عقاب". ينظر : تركي هادي جعفر الغانمي، المساهمة في الجريمة بوسيلة المساعدة ( دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، كلية القانون، العراق، 2006، ص 4 وما بعدها.
16- عادل احمد عبد الموجود، مشروع تقنين الشريعة الاسلامية من مضبطة مجلس الشعب المصري، دار الكتب العلمية لبنان، 2013، ص511
17- المشرع العراقي اورد استثناء على هذه القاعدة ففي المادة (448) من قانون العقوبات يعاقب على من حرض الحدث على ارتكاب جريمة السرقة ولو لم تقع السرقة التي حرض عليها.
18- قرار محكمة التمييز الاتحادية العراقية بالعدد 6993/6995/6997 / الهيئة الجزائية / 2022.
19- قرار محكمة التمييز الاتحادية العراقية بالعدد 2007/114 / منشور على الموقع الالكتروني https://www.sirwanlawyer.com تاريخ الزيارة 202/2/24 الساعة 43:10 صباحاً.
20- قرار محكمة التمييز رقم 211 / هيئة عامة / 85-86 / المؤرخ 1987/1/17 نقلا عن د. قاسم تركي عواد جنابي الصفة الوظيفية في القانون الجنائي (دراسة مقارنة)، ط 1 ، منشورات الحلبي الحقوقية، 2018 ، ص 130.
21- وقد نظم قانون العقوبات العراقي الاتفاق الجنائي في موضعين، الأول في القسم العام في المواد 55-59 منه اما الموضع الثاني في الباب الأول والثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات والمتعلقة بالجرائم الماسة بأمن الدولة وذلك في المواد 175 للمزيد ينظر : د. سامي جميل الفياض الكبيسي، الاشتراك في الجريمة في الفقه الاسلامي، دار الكتب العلمية، لبنان، 2006، ص39.
22- المادة (55) من قانون العقوبات العراقي.
23- د. السعيد مصطفى السعيد، الاحكام العامة في قانون العقوبات، ط الثالثة، دار المعارف، مصر، 1957، ص 295.
24- اما الاعمال المجهزة فهي التي تقع قبل وقوع الجريمة أي سابقة، اما الاعمال المسهلة فهي معاصرة لتنفيذ الجريمة فهي تقدم بعد البدء بتنفيذ الفعل، اما الاعمال المتممة فهي معاصرة لتنفيذ الجريمة ولكن تختلف عن الاعمال المسهلة في كون ان الاعمال المتممة تتحقق والجاني في المراحل الأخيرة لتنفيذ الجريمة وتستهدف تمكينه من انهاء هذا التنفيذ وتحقق النتيجة الجرمية. للمزيد ينظر : تركي هادي جعفر الغانمي، المساهمة في الجريمة بوسيلة المساعدة ( دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، كلية القانون، العراق، 2006 ، ص 71 وما بعدها.
25- وهذا ما اكدته المادة /3/48/ من قانون العقوبات العراقي عندما نصت .....مما استعمل في ارتكاب الجريمة مع علمه بها او ساعده عمدا باي طريقة أخرى في الاعمال المجهزة او المسهلة او المتممة لارتكابها".
26- قرار تمييزي عراقي رقم 167 / جنائية / 1953 نقلا عن : د. علي حسين الخلف ود سلطان عبد القادر الشاوي المبادئ العامة في قانون العقوبات، المكتبة القانونية، بغداد، 1982 ، ص223
27- عماد ابراهيم احمد ابراهيم الفقى المسئولية الجنائية عن تعذيب المتهم اطروحة دكتوراه جامعة القاهرة، كلية الحقوق، مصر، 2007، ص72.
28- عماد ابراهيم احمد ابراهيم الفقى المرجع نفسه، ص 72.
29- قرار محكمة التمييز العراقية المرقم 18/ تمييزية / 67 المؤرخ في 1967/7/30 نقلا عن د . قاسم تركي عواد جنابي الصفة الوظيفية في القانون الجنائي ( دراسة مقارنة)، ط 1 ، منشورات الحلبي الحقوقية، 2018، ص128.
30- في هذا المعنى، د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 1962، ص 456.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد