في أواخر شهر أكتوبر من عام 2021، نشَرَ صحفيان مقالًا في صحيفة «ذا واشنطن بوست» يصِفُ بعض المشكلات التي تواجه جنوب العراق حاليًّا. وكتبا: «لم يعُدْ أحد يعيش هنا. ومع تسبُّب تغير المناخ في ارتفاعٍ شديد في درجات الحرارة وندرة المياه في جميع أنحاء الشرق الأوسط؛ فإن الأرض هنا تجفُّ تدريجيًّا. وفي مختلف أنحاء جنوب العراق، هناك شعور باقتراب النهاية» (1).
كان من المُمكن أن يصفا بالعبارات نفسها الوضع في آشور القديمة قبل ثلاثة آلاف عام؛ لأن الأمور بدأت في الانهيار قُرب نهاية حُكم تِغلث-فلاسر الأول، وبلغ الانهيار ذروته في غضون حوالي 150 عامًا من الانحدار قبل أن تبدأ الأمور في التعافي مرةً أخرى (2). كانت الأوقات الصعبة قد حَلَّت أخيرًا على الآشوريين، وعلى البابليين المُجاوِرين إلى الجنوب أيضًا. في الواقع، اقترح المؤرِّخ الإيطالي الموقَّر ماريو ليفيراني أنَّ الأزمة في بلاد الرافدَين كان ينبغي أن تبرُز في وقتٍ أبكر بكثيرٍ ولكنها تأخرَت أو أُرجِئَت بسبب زعماء أقوياء مثل تِغلث-فلاسر الأول في آشور ونبوخذ نصر الأول في بابل (3). لا شكَّ في أن جزءًا كبيرًا من المرونة الناجِحة لهذَين المُجتمعَين في أعقاب الانهيار مباشرةً كانت نتيجةً لوجود قادة مثل هؤلاء في مكانهم، خلال وقتِ احتياج هذَين المجتمعَين.
نعلم أن القوَّتَين استمرَّتا في التقاتُل، حتى مع معاناة كلٍّ منهما من الآثار الضارَّة للظروف البيئية. على سبيل المثال، شنَّ تِغلث-فلاسر الأول حملةً على بابل مرتَين في القرن الحادي عشر، فاحتلَّ عدة مدن وعاد بالغنائم إلى آشور. وقد ذُكِرَت على وجه التحديد في النقوش مدينتَا بابل وزقورة عقرقوف، اللتان وصفهما بأنهما «المدينتان العظيمتان في كاردونياش [بابل]، إلى جانب حصونهما.» وكان خصمه مردوخ-نادين-أخي، ملك بابل الذي حكَمَ من حوالي 1099 إلى 1082 قبل الميلاد والذي سبق أن أغار على مدينة إكلاتوم الآشورية، وسرق تماثيل إلهَين — أداد وسالا — وهي الفعلة التي استلزمَت حينئذٍ الانتقام.
يزعم تِغلث-فلاسر أنه هزَمَ مردوخ-نادين-أخي في المرتَين، واستولى على قصور بابل التي كانت مِلكًا للملك وأحرَقَها واستعادَ التماثيل. ومع ذلك، هناك الآن مؤشرات جيدة على أنَّ تِغلث-فلاسر ربما يكون في الواقع قد خسر المعركة الأولى من هاتَين المعركتَين، واللَّتَين قُتِل خلالهما اثنان من أبنائه، وأنه لم يهزم مردوخ-نادين-أخي إلا أثناء الحملة الثانية (4).
إن تِغلث-فلاسر حتى لم يُعطِ تاريخًا محددًا لوقوع هاتَين المعركتَين، لكنهما أُرِّخَتا وفقًا للسنتَين اللتين تولَّى فيهما مسئولان مُعيَّنان منصبَيهما. كانت المرة الأولى خلال العام الذي سُمِّي على اسم مسئول يُدعى آشور-شوما-إيريش؛ وكانت المرة الثانية خلال العام الذي سُمِّي على اسم مسئول يُدعى نينوآيو. ونحن نعرف الآن أن هذين العامَين كانا على الأرجح عامَي 1092 قبل الميلاد و1091 قبل الميلاد على التوالي، اللذَين كان من شأنهما أن يكونا العامَين الثاني والعشرين والثالث والعشرين من اعتلاء تِغلث-فلاسر العرش. ربما كان هناك أيضًا هجومٌ انتقامي شنَّه مردوخ-نادين-أخي بعد عدة سنوات، في عام 1086 قبل الميلاد (5).
في موطنه في آشور، بنى تِغلث-فلاسر قصرًا مذهلًا، يُقال إنه بُني بالكامل من خشب الأَرز من لبنان، وأُطلِقَ عليه اسم «قصر ملك كل البلاد». كما بنى معبدًا من أجل «أن» و«أداد»، وهما اثنان من آلهة آشور، إضافةً إلى عددٍ من المباني الأصغر، ومن ضمنها مبنًى أُقيم من خشب البقس فقط لتخزين أسلحته. كما أمر بإنشاء تمثال للناهيرو الذي قتلَه بحربةٍ في أمورو؛ وكان من المُفترَض أن يكون مصنوعًا من البازلت وكان من المُفترَض أن يكون بالحجم الطبيعي أو أكبر. وفي مدينة نينوى، أمر ببناء مبانٍ وقصور مُماثلة، فضلًا عن حديقةٍ ملكية وقناةٍ لريِّها (6).
•••
تذكُر النصوص الآشورية من هذه الفترة على وجه التحديد هجماتٍ إضافية من الآراميين، فضلًا عن سلسلةٍ من الكوارث، لكننا نجد الآن أيضًا مؤشرات على مشكلاتٍ مناخية في هذه المنطقة، لأول مرة في هذه النقوش. على سبيل المثال، في نصٍّ يرجع تاريخه إلى عام 1082 قبل الميلاد، خلال السنة الثانية والثلاثين من حُكم تِغلث-فلاسر الأول، يُقال لنا إنه كانت هناك مجاعةٌ شديدة لدرجة أن السكان لجئوا إلى أكل لحوم البشر؛ «أكل بعض الناس لحوم بعض»، كما ينصُّ المَدخَل ذو الصِّلة في «أخبار الأيام الآشورية». ينص المدخَل نفسه أيضًا على أن الآراميين «نهبوا [الأرض] واستولوا على الطُّرق وغزوا واستولوا على [العديد من المدن المحصَّنة] في آشور» في ذلك العام. ولقد اضطرَّ المواطنون الآشوريون إلى الفرار إلى الجبال الواقعة شمال شرق أربيل لإنقاذ حياتهم (7).
وبعد ذلك، بعد ما بين عامَين وستة أعوام (1080–1076 قبل الميلاد)، في نهاية الحُكم الطويل لتِغلث-فلاسر، حدَثَ تلفٌ تام للمحاصيل. وقد ترافَقَ مع هذا غزوٌ آخَر من الآراميين، وهو أمرٌ غير مفاجئ على الأرجح؛ لأنهم لا بدَّ قد تأثَّروا أيضًا بالمجاعة وتلف المحاصيل. الأمر المدهش هو أنهم ربما أجبروا تِغلث-فلاسر نفسه على الفرار. تقول «أخبار الأيام الآشورية»: «لقد دُمِّرَت جميع محاصيل آشور. واخترَقَت «البيوتُ» الآرامية [أي، الغزاة] المنطقةَ المحيطة بنينوى وكليزي؛ وتراجع تِغلث-فلاسر، ملك آشور، إلى أرض كاتموهي.» تُعرَف منطقة كاتموهي (أو كاتموهو) عادةً بأنها منطقةٌ جبلية تقع بالقرب من مدينة مِديات المعاصرة فيما يُعرف الآن بكردستان التركية (8).
نجا الآشوريون من المجاعة والجفاف والهجمات في نهاية حكم تِغلث-فلاسر الأول، ولكنَّ ذلك كان بدايةَ انحدارهم. وجاءت النهاية بعد حُكم أحد أبناء تِغلث-فلاسر الأول المُسمَّى آشور-بيل-كالا، الذي حكَمَ من حوالي 1074 إلى 1057 قبل الميلاد. وقد ترك لنا عددًا من النقوش (على الرغم من أنَّ عددها أقلُّ ممَّا كان يُظَنُّ سابقًا، حيث تمَّ إعادة نسب العديد منها مؤخرًا لتِغلث-فلاسر الأول). ففي حالة إذا رغب أيُّ شخصٍ في العبث بنقوشه في المستقبل، فقَدْ نُقشَ على ظَهْر أحد التماثيل لعنةٌ: «أمَّا مَن يمحو نقوشي واسمي، فإنَّ الآلهة السبعة، آلهة الغرب، سيُصيبونه بلدغةِ ثعبان» (9).
مع نهاية حُكم آشور-بيل-كالا نحو عام 1057 قبل الميلاد، وبعد أن نجَحَ الآشوريون في تجنُّب انهيارهم مدةَ 120 عامًا بعد عام 1177 قبل الميلاد، أشار الباحثون إلى انتهاء ما يُسمَّى بالحقبة الآشورية الوسطى. كان الجفاف قد نال من آشور مرةً أخرى خلال حُكمه، في السنوات بين عامَي 1060 و1050 قبل الميلاد، مصحوبًا بأعمالِ تمرُّد والمزيد من الغزوات من الآراميين (الذين يُطلَق عليهم أحيانًا اسم السوتانيين في السجلَّات البابلية لتلك الفترة). وبعد ذلك، بدأ الجفاف يُذكَر كلَّ عشر سنوات بالضبط، في أعوام 1040 و1030 و1020 و1010 قبل الميلاد، وفقًا لتقارير كلٍّ من الآشوريين والبابليين. كما كان هناك «اضطراب وفوضى» جاء مع الجفاف في عام 1040 قبل الميلاد؛ والطاعون الذي صاحب الجفاف في عام 1010 قبل الميلاد؛ ثم المزيد من الضغوط والمجاعة إلى جانب الجفاف في عام 1007 قبل الميلاد (10). وتمتد المرحلة التالية إلى عُمق القرن العاشر وتشتمل مرة أخرى على الجفاف والمجاعة والاضطرابات الاجتماعية والتَّفتُّت السياسي؛ وسأتناول هذا بمزيدٍ من التفصيل بعد قليل.
في المجمل، ربما لم يكن القرن الحادي عشر قبل الميلاد وقتًا مناسبًا للعيش في آشور أو بابل، سواء كنت آشوريًّا أو بابليًّا أو آراميًّا/سوتانيًّا. ومع ذلك، كان هناك ضوء في نهاية النفق، وإن كان بعيدًا، فعندما عاد الآشوريون إلى الظهور في الجزء الأخير من القرن العاشر قبل الميلاد، تحت إشراف ملِكَيهم آشور-دان الثاني وأداد-نيراري الثاني؛ بدءوا في تأسيس الإمبراطورية الآشورية الجديدة، والتي استمرَّت بعد ذلك في الهيمنة على الشرق الأدنى القديم مدةً تقترب من ثلاثمائة عام.
...............................................
(1) Louisa Loveluck and Mustafa Salim, “From Cradle to Grave: Where Civilization Emerged between the Tigris and Euphrates Climate Change Is Poisoning the Land and Emptying the Villages,” Washington Post, October 21, 2021.
(2) Younger 2016: 158, 165, 2017: 196; Frahm 2017: 165–67.
(3) Fales 2011: 14, citing Liverani 1988a: 657; see now also Liverani 2014: 467.
(4) Brinkman 1968: 124–30; Oates 1979: 106; Grayson [1975] 2000: 164-65 (no. 21 ii, lines 14–24); Grayson 1991: 43-44 (A.0.87.4) and 53 (A.0.87.10); Frame 1995: 38; Jeffers 2013: 10-11, 214–24, 233–44, 252–54; Younger 2016: 173, 2017: 210, 212–17, 221-22.
(5) See Grayson 1991: 43-44, 2005; Millard 1994; Kuhrt 1995: 477; Younger 2016: 173-74, 2017: 210, 221-22; Frahm 2017: 162-63. Younger gives these absolute dates, citing Jeffers 2013: 120–28, 185–210, who goes into a detailed discussion as to why these eponym dates should be considered correct.
(6) Grayson 1991: 44-45 (A.0.87.4), 54-55 (A.0.87.10), and see also fragmentary inscriptions (e.g., A.0.87.5, 8, and 11); Jeffers 2013: 45; Elayi 2018: 106-7.
(7) Brinkman 1968: 387-88; Grayson [1975] 2000: 189, 1991: 5; Neumann and Parpola 1987: 176, table 2, and 178, app. A, no. 4; Glassner 2004: 188–91; Radner 2015: 68; Younger 2016: 174, 2017: 218–20; Frahm 2023: 87.
(8) Brinkman 1968: 387-88; Neumann and Parpola 1987: 176, table 2, and 178-79, app. A, no. 5; Kuhrt 1995: 361; Grayson [1975] 2000: 189; Jeffers 2013: 254; Younger 2016: 174–76, 2017: 200, 220; Frahm 2023: 87. Both this crop failure and the previous famine were possibly caused by climate change, according to some scholars (see esp. Kirleis and Herles 2007: 12-13, cited by Younger), which seems very likely to be correct, in light of data that has since emerged elsewhere (see, e.g., summary in Cline 2014, 2021).
(9) Grayson 1991: 86, 92 (A.0.89.2), 96 (A.0.89.4), 108 (A.0.89.10); Frame 1995: 50; Kuhrt 1995: 361; Elayi 2018: 107-8; Monroe 2018: 256. See again Mahieu 2018 and Shibata 2022 for discussions of redating the Broken Stele and other inscriptions to the time of Tiglath-Pileser I.
(10) Brinkman 1968: 189, 387–89; Neumann and Parpola 1987: 176, table 2, and 179-80, app. A, nos. 9–12, with earlier references; Kuhrt 1995: 362.