مفهوم التحقيق الصحفي لغوياً:
إن التنوع في الخبرات والممارسات المهنية والأكاديمية، لدى المهتمين من الكتاب والمؤلفين في مجال العمل الصحفي من شأنها أن تثري التنوع في تعريف هذا المفهوم. وقبل أن نورد ما حدده بعض المؤلفين في تعريفاتهم لهذا المفهوم، لا بد أولاً من التأصيل اللغوي لكلمة (التحقيق) مثلما وردت في معاجم اللغة العربية:
جاء في الكليات أن مفهوم التحقيق تفعيل من حق، بمعنى ثبت وقال بعضهم: إن التحقيق لغة رجع الشيء إلى حقيقته بحيث لا يشوبه شبهة، وهو المبالغة في إثبات حقيقة الشيء بالوقوف عليه، و (التحقيق) إثبات دليل المسألة مطلقاً أو بديلها.
وقد ورد مفهوم (التحقيق) لغة في مختار الصحاح من الفعل (حقق) - ح ق ق، والحق ضد الباطل، والحق أيضا واحد الحقوق، وأحقه أي تحققه، وصار منه على يقين. وتحقق عنده الخبر صح، وحقق قوله وظنه تحقيقاً؛ أي صدقه، وكلام محقق؛ أي رصين.
وقد جاء في المعجم الوجيز، أنه يقال: حقق الأمر أي أثبته وصدقه، ويقال حقق الظن، ويقال: حقق القول والقضية، وحقق الشيء والأمر: أي أحكمه. ويقال: حقق المخطوط: أي أحكم فحصه، ويقال أيضا: كلام محقق: أي محكم الصنعة ورصين.
وقد أورد عبد العزيز شرف في كتابه الموسوم بالأساليب الفنية في التحرير الصحفي مفهوم التحقيق لغة قائلاً: وحققت الخبر، فأنا أحقه أي وقفت على حقيقته، ويقول الرجل لأصحابه إذا بلغهم خبر فلم يستيقنوه: أنا أحقق لكم هذا الخبر؛ أي أعلمه لكم، وأعرف حقيقته.
يبدو أن مفهوم كلمة (التحقيق) الشائكة في إدراكها المعرفي لدى الكثير من أبناء المجتمعات بوجه عام تحتاج من المهتمين بتأليف العمل الصحفي إلى السعي في إفهامها وفهمها ليتيسر وضوح هذا المفهوم، الذي غالبا ما تكتسيه الضبابية لدى الكثير من المهتمين والدارسين له. وغالباً ما يسعى بعض المؤلفين في وقوفهم على الدلالة اللغوية لكلمة (التحقيق) على أنها تسعى إلى اليقين، بمعنى أن المؤلف أولاً يفهم القضية جيدا، تلك التي هي مدار التحقيق، ثم يقوم بتوضيحه إلى الآخرين إن كان بحاجة إلى توضيح أو يفسر الحدث أو المشكلة إن كانت بحاجة إلى تفسير، أو يحلل الموضوع مار التحقيق إن كان بحاجة إلى تحليل وهكذا.
فالتحقيق إذن يسعى إلى حالة من اليقين في وقوف الشخص المعني في التحقيق؛ ليفهم القضية ويفهمها للآخرين، الذين هم بحاجة ماسة لإزالة الغموض ولكشف الأسرار الواقفة خلف الكثير من الموضوعات الآنية التي تشكل في جوانبها حياة الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه.