0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريخ الحضارة الصينية

تاريخ الحضارة اليابانية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

الحيثيون، والحيثيون الجُدد

المؤلف:  إرﻳﻚ إﺗﺶ ﻛﻼﻳﻦ

المصدر:  ما بعد 1177ق.م، نجاة الحضارات

الجزء والصفحة:  ص 155-161

2026-09-23

30

+

-

20

ضمْنَ النقوش الآشورية الجديدة التي يذكر فيها تِغلث-فلاسر الأول جبيل وصيدا وأرواد، والهدايا من الفرعون المصري، ...  يقول أيضًا إنه أصبح «سيدًا لأرض خاتي كلِّها» ويقول على وجه التحديد إنه تلقَّى رهائن وضرائب وإتاوات وعوارض أَرز من إيني-تيشوب، «ملك أرض خاتي» (1). وهذا مفيد للغاية لنا؛ لأننا تقابلنا للتوِّ مع إيني-تيشوب، المعروف من سجلَّات نصيَّة أخرى بأنه ملِكٌ حكَمَ في أواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد في كركميش (بخلاف الملك الحيثي الأقدم، الذي يحمل الاسم نفسه، والذي حكَمَ في الأناضول خلال أواخر العصر البرونزي). ولذلك، يُمكننا أن نربط بين عهدَي هذَين الملكَين من العصر الحديدي، تِغلث-فلاسر الأول ملك آشور، وإيني-تيشوب ملك كركميش، وأن نكون واثِقين إلى حدٍّ ما من أنَّ هذه الواقعة وقعَت في نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الحادي عشر، أي حوالي عام 1100 قبل الميلاد (2). وهذه هي المرة الأولى التي نلتقي فيها بالدولتَين الأناضولية والسورية الخليفتَين للحيثيين من العصر البرونزي في نصوص تلك الفترة الزمنية، وهي المرة الأولى التي نرى فيها ورثة إمبراطوريتَي العصر البرونزي يتعاملون مباشرةً ويتنازعون.

لاحظ أن تِغلث-فلاسر يُطلِق على إيني-تيشوب لقبَ «ملك أرض خاتي»، على الرغم من أن الإمبراطورية الحيثية الفعلية في الأناضول انهارَت واختفَت اختفاءً شِبه تامٍّ في السنوات التي تلَت عام 1200 قبل الميلاد. وقد هُجِرَت العاصمة حاتوسا في البداية ثم دُمِّرت جزئيًّا، وأُنشئت قرية صغيرة من العصر الحديدي لاحقًا على جزءٍ صغير من المدينة الأصلية. ولقد لخَّص لورينزو دالفونسو من جامعة نيويورك وزملاؤه الوضع مؤخرًا على النحو التالي: «حدث تحوُّل عميق في قلب الإمبراطورية السابق حول العاصمة حاتوسا؛ ممَّا أدى إلى انخفاضٍ كبير في التعقيد السياسي، والتحول إلى اقتصادٍ منزلي قائم على الكفاف، ونقصِ الأدلة على وجود أيِّ مؤسساتٍ عامة.» وعلاوةً على ذلك، يستشهد جيمس أوزبورن، الأستاذ في جامعة شيكاغو، بأبحاثٍ حديثة تُفيد بأنه ربما كان هناك «انخفاضٌ كبير في المُستوطنات بنحو 90٪» في جنوب وسط الأناضول في هذا الوقت، ويقول إنه «على الرغم من الأدلة على الاستمرارية في مواقع مُعينة … فإن الصورة العامة واحدةٌ وتتمثَّل في انحدارٍ ملحوظ في التعقيد الاجتماعي حتى القرن التاسع» (3).

ومع ذلك، استمرَّت الحياة في أماكن أخرى في الأناضول، من بينها المناطق الداخلية؛ حيث استمرَّ المزارعون والقرويون كما كانوا من قبل، ولكنْ ربما تحولوا إلى تربية المزيد من الماعز والأبقار أكثر من الأغنام، كما وثَّقَت سارة أدكوك في أطروحتها بجامعة شيكاغو، وكما أثَّر تغيُّر المناخ على السكان في جميع أنحاء المنطقة (4). (ثمة ملاحظةٌ هامشية، وهي أنه في البر الرئيسي لليونان، أظهرَت الأبحاث الحديثة أنَّ ما كان يُعتقَد سابقًا أنه تحوُّل مماثِل للماشية في نيتشوريا في إقليم ميسينيا يحتاج إلى إعادة نظر؛ لأنَّ بقايا أوائل العصر الحديدي في تلك المنطقة لا تُظهِر حقًّا أنه كانت تجري تربيةُ ماشية أكثر في ذلك الوقت، كما كان يُعتقد سابقًا، وإنما تُشير إلى أن الأمور ظلَّت بالأساس كما هي في هذه المنطقة من ناحية تربية الحيوانات خلال كلٍّ من أواخر العصر البرونزي وأوائل العصر الحديدي) (5).

إضافةً إلى ذلك، لدَينا في موقع جورديون الواقع في منطقة وسط الأناضول، أدلة جديدة، بناءً على إعادة تأريخ بقايا معروفة سابقًا، على أنه كان يوجَد أشخاص يعيشون في الموقع من القرن الثاني عشر قبل الميلاد فصاعدًا، وعلى إعادة تنظيم الاقتصاد المحلي، حتى مع انتهاء النفوذ الحيثي على المنطقة. وهذا أمرٌ ذو أهمية كبيرة، خاصة مع وجود أدلةٍ إضافية الآن، تستنِد إلى علم التأريخ الشجري وتحليل النظائر للخشب من أشجار العرعر التي كانت تُستخدَم في الموقع، على أن المنطقة عانت من سلسلةٍ من فترات الجفاف في نهاية أواخر العصر البرونزي، بما في ذلك جفاف دام ثلاث سنوات وأُرجِع تاريخه إلى 1198–1196 قبل الميلاد (6).

اشتهرَت جورديون لاحقًا بأنها المنطقة التي حكَمَ فيها الملك الثري ميداس (من الأساطير اليونانية)، وموقع العقدة الجوردية التي قطعها الإسكندر الأكبر إلى نصفَين، وأصبحَت تُعرَف بأنها عاصمة الفريجيين بحلول منتصف القرن التاسع قبل الميلاد. يبدو أن الفريجيين، الذين يعتقد كثيرون أنهم هاجروا إلى هذه المنطقة من أماكن أخرى، كانوا معروفين لدى الآشوريين باسم مملكة موشكي، على الرغم من أن هذا لا يزال موضع نقاشٍ بين العلماء. ويزعم تِغلث-فلاسر الأول أنه حاربهم وهزمهم في معركةٍ واحدة على الأقل في مرحلةٍ مبكرة، ولكنَّهم بعد ذلك لم يجذبوا انتباه الآشوريين جديًّا حتى وقتٍ لاحق في القرن الثامن قبل الميلاد (7).

وقد توجَّه الاهتمام مؤخرًا إلى المنطقة مرة أخرى بسبب اكتشافٍ جرى عام 2019 في منطقة قونية في تركيا المعاصرة، بالقُرب من موقع تركمان-كاراهويوك. إذ لفَتَ مزارعٌ محليٌّ انتباه فريق من الأثريين الذين كانوا يُجرون مسحًا في المنطقة إلى نقشٍ يُعرَف بطريقة غير رسمية باسم نقش هارتابو. كُتِب النقش بالرموز الهيروغليفية للغة اللوفية ونُقِش على حجر صُلب، وأنشأه ملكٌ محليٌّ يُدعى هارتابو، الذي يَدَّعي أنه غزا إقليم فريجيا في القرن الثامن قبل الميلاد. ويبدأ النص كالتالي: «عندما غزا الملك العظيم هارتابو، هيرو، ابن مورسيلي، بلدَ موشكا … سلَّمَ إلهُ العواصف الذي في السماء (و) جميعُ الآلهة ملوﻛَ (ﻬﺎ) الثلاثة عشر (إلى) جلالته، الملك العظيم هارتابو. وفي عامٍ واحد وَضعَ الملوكَ الثلاثة عشر وأسلحتَهم [= قوَّاتهم؟] ووحوشهم البرية تحت (سُلطةِ) عشرة حصون مُحصنة» (8).

حتى في طروادة، على الساحل الغربي للأناضول، حيث ظَنَّ المُنقِّبون السابقون أن هناك فجوةً في الشغل، مدةَ أربعمائة عام بعد الانهيار، من الواضح الآن أنه كان هناك بعض الاستمرارية في الشغل، وخاصةً خلال القرن الثاني عشر وحتى القرن الحادي عشر. إضافةً إلى ذلك، كان هناك دائمًا كثير من المناقشات بشأن هجرةٍ مُحتمَلة إلى المنطقة من تراقيا أو البلقان مباشرةً بعد تدمير طروادة السابعة. وعلى الرغم من ذلك، فالبقايا التي كانت مأهولة لا تُقارَن بالمدينة الغنية التي كانت هناك خلال العصر البرونزي (9).

ولذلك، وعلى الرغم من انهيار الإمبراطورية الحيثية ذاتها، يُمكننا أن نرى أنه كان هناك ناجون وأن الحياة استمرت، خاصةً في المناطق الداخلية، حتى مع اختفاء الحكومة المركزية، والبيروقراطية والإدارة المرافقتَين لها بشكلٍ أساسي، تاركةً المناطق المُختلفة لتحكُم نفسها. ومن بين المناطق المُتضرِّرة كانت تلك التي يُشار إليها أحيانًا باسم «بقايا الدويلات» الصغيرة، وخاصةً فيما يُعرَف الآن بشمال سوريا. هنا، على سبيل المِثال، نجَت فروع من العائلة الملكية، المنحدرة من الملك الحيثي شوبيلوليوما الأول، لتحكم في كركميش وحلب خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد وما بعده، كما ذكرنا للتوِّ. وقد أطلق علماء الآثار على هذه الكيانات السياسية تسميةَ الدويلات الحيثية الجديدة (أو السور-حيثية)؛ لأن هذه المنطقة هي التي أشار إليها تِغلث-فلاسر والآشوريون الجُدد باسم «أرض خاتي»، وليس الهضبة الوسطى للأناضول، حيث كانت الإمبراطورية الحيثية متمركزةً في السابق. وبطبيعة الحال، لم يكن الآشوريون الجُدد وحدَهم هم مَن أشاروا إلى دويلات المدن الصغيرة هذه وثقافتها بهذه الطريقة؛ لأنهم على الأرجح هم أيضًا «الحيثيون» المذكورون في الكتاب المقدَّس العبري؛ لأن الحيثيين الأصليين كانوا قد صاروا صفحاتٍ من الماضي منذ فترةٍ طويلة بحلول الوقت الذي جُمِعَت فيه النسخ الأولى من ذلك النص الديني (10).

وفي المُجمل، أسَّس هؤلاء الحيثيون الجُدد (أو استمروا في شَغْل) ما يصل إلى خمس عشرة دويلة مدينة صغيرة في المنطقة التي تُعرَف الآن بشمال سوريا وجنوب شرق تركيا وذلك خلال العصر الحديدي، من القرن الثاني عشر إلى القرن الثامن قبل الميلاد. هذه هي المنطقة العامة نفسها التي ضربَتها زلازل عنيفة في فبراير 2023، وأودَت بحياة ما يقرُب من ستِّين ألف شخص ودمَّرَت المنطقة. كانت مدينة كركميش وإقليمها الذي تحدَّى تِغلث-فلاسر الأول، من بين أبرز المدن في هذه المنطقة. استُكشِفَت بقايا الموقع ونُقِّبَت على نطاقٍ واسع لأول مرة في أوائل القرن العشرين بواسطة العديد من الأثريين، من بينهم تي إي لورنس (الذي خلَّدته هوليود لاحقًا باسم «لورنس العرب»)، والآن تُجرى مجددًا أعمال التنقيب فيها (منذ عام 2011)، هذه المرة على يدِ فريقٍ مشتركٍ من علماء الآثار الأتراك والإيطاليين.

وإذا عُدْنا في الزمن إلى الوراء قليلًا، فسوف يتذكَّر القرَّاء اليقِظون أن كركميش كان رمسيس الثالث قد ذكرها على وجه التحديد في النقش الذي يعود إلى عامِه الثامن (1177 قبل الميلاد) باعتبارها واحدةً من المناطق التي اجتاحتها شعوب البحر («لم يستطِع أيُّ بلدٍ أن يصمد في مواجهة جيوشهم، فاغتُصِبت البلدان بدءًا من خاتي، وكودي، وكركميش، وأرزاوا، وألشية وما بعدها …»). ومع ذلك، ربما يكون من المُدهش إلى حدٍّ ما أنه لا يوجَد دليلٌ أثري يُشير إلى أن المدينة عانت من الدمار في ذلك الوقت. وربما كان رمسيس يُشير بشكلٍ أكثر تعميمًا إلى المنطقة المحيطة بكركميش، وليس إلى المدينة نفسها على وجه التحديد، وبالفعل ظلَّت هذه المنطقة منطقةً متنازَعًا عليها حتى الجزء الأخير من القرن الثامن قبل الميلاد. وفي عام 1920، كتَبَ السير ليونارد وولي: «… تَسَلَّقِ التَّلَّ العظيمَ للأكروبوليس، وسوف تفهم على الفور لماذا كانت كركميش منذ العصور السحيقة قلعةً حصينة في أرضٍ مُضطربة» (11).

إننا نتعلَّم المزيد والمزيد كل عامٍ عن هذه الممالك الحيثية الجديدة (أو السور-حيثية والسور-أناضولية) الصغيرة. ويرجع هذا إلى حدٍّ كبير إلى الاكتشافات التي يجري التوصُّل إليها أثناء أعمال التنقيب المُتجدِّدة في مواقع مختلفة، ومنها اكتشافات الفريق التركي الإيطالي في كركميش، والفريق الأمريكي الألماني في زنجرلي (سمأل القديمة)؛ ولكنْ يرجع أيضًا إلى التقدُّم المُحرَز في قراءة اللوفية الهيروغليفية. كانت اللغة اللوفية واحدة من عدة لغات تحدَّث بها الناس في الأناضول خلال العصر البرونزي وما بعده، ولكن الحيثيين استخدموها أيضًا كنظامِ كتابةٍ تصويري للنقوش الملكية المنحوتة على الآثار الحجرية. وفي وقتٍ لاحق استخدمها الحيثيون الجُدد على نحوٍ مُماثل لنقوشهم المنحوتة في الحجر والمُشيَّدة في مُدنهم. ونتيجةً لهذا، نحن سعداء الحظِّ؛ إذ يُمكننا تتبُّع سلالات وأنساب الحكَّام في عددٍ من مدن العصر الحديدي وممالكه تلك (12).

وسأُقدم مثالًا واحدًا فقط على ذلك، وهو أن المُنقِّبين البريطانيين الأوائل في كركميش كانوا بحلول عام 1911 قد وصفوا بالفعل العثور على نقوشٍ بارزة وكتابات منقوشة في الموقع. كتب دي جي هوجارث، المدير الميداني البريطاني في ذلك الوقت: «في الجدار السُّفلي الطويل، يبدو أنه قد صُنِعَت سلسلةٌ من ألواح النقوش البارزة الكبيرة، التي كانت تواجِه الفناء المرصوف بالحصى. وجدنا ثلاثة عشر لوحًا منها سقطَت في الفناء. ستةٌ منها تُمثِّل عربات حربية في حالة حركة؛ ولوحانِ يُمثلان محاربين على الأقدام؛ وأربعةٌ تمثِّل شخصيات إلهية وحشية؛ ولوحٌ واحد، يقع في منتصف السلسلة تقريبًا، يحمل نصًّا منقوشًا طويلًا بأحرُفٍ بارزة، تظهر تحته ثلاثة رءوس ملتحية وست عشرة يدًا مقطوعة. وبما أن هذه الألواح كانت في الأصل موجَّهةً نحو الخارج، فقد كانت بمثابة بطانة لممرٍّ ضخم إلى الدرَج، وكانت تؤدي إلى سلسلةٍ من الألواح التي كانت تصطفُّ على الجانب الشمالي من الدرَج» (13).

نعرف الآن أن شوبيلوليوما الأول كان قد نصَّب أحد أبنائه، بياشيلي (الذي اتخذ اسم شاري-كوشوخ)، نائبًا للملِك على المدينة في حوالي عام 1340 قبل الميلاد. واستمر أحفاد بياشيلي، بما في ذلك كوزي-تيشوب وإيني-تيشوب، في حُكم المدينة والأراضي المجاورة لها والقرى المحيطة بها (أي الدويلة المدينة ككل) على مدى الأجيال الخمسة التالية أو نحو ذلك، حتى زوالها على يد إمبراطورية سرجون الثاني الآشورية الجديدة في عام 717 قبل الميلاد. حتى إن بعض الخلفاء اتخذوا لقب «ملك الحيثيين» بمجرد انهيار الإمبراطورية الحيثية نفسها وانقسام أجزاء منها وانفصالها وتشكيل ممالكها الحيثية الجديدة الصغيرة. كما نعرِف أن شوبيلوليوما الأول نَصَّبَ أحد أبنائه الآخَرين، الذي يُسمَّى تيليبينو، ليحكم مدينة حلب ومملكتها، الواقعة على مسافةٍ ليست بعيدةً جدًّا، في الوقت نفسه تقريبًا (حوالي 1340 قبل الميلاد). استمرَّت تلك السلالة أيضًا بعد سقوط الإمبراطورية الحيثية نفسها (14).

•••

 

تُنْبِئ تصرفاتُ تِغلث-فلاسر بما سيحدُث مرارًا وتكرارًا في القرون القادمة، وخاصة هجوم الآشوريين على دويلات المدن والممالك الصغيرة في العصر الحديدي، التي حلَّت محل إمبراطوريات العصر البرونزي في جميع أنحاء الشرق الأدنى القديم. كانت بعض هذه الدويلات والممالك الصغيرة قد أُنشِئ في وقتٍ مبكِّر للغاية منذ أواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد، لكنَّ دويلاتٍ وممالكَ صغيرةً أخرى لم تتأسَّس إلا في القرن الحادي عشر أو العاشر أو التاسع قبل الميلاد. ومن بينها مجموعة كاملة من الكيانات السياسية والعرقيات المُختلفة، بعضها الْتقينا به بالفعل والبعض الآخَر سنلتقي به قريبًا: دويلات المدن السور-أناضولية أو السور-حيثية مثل كركميش وحلب وسمأل (زنجرلي المعاصرة) وتل برسيب فيما يُعرف الآن بشمال سوريا وعلى الحدود مع تركيا؛ فضلًا عن دويلات مدن أخرى، مثل كيو، التي كانت تقع في منطقة قِيلِيقِيَة (جنوب شرق تركيا الحالية)؛ ودويلات مدن آرامية مثل دمشق وحماة فيما يُعرَف الآن بسوريا؛ وجيوب فينيقية في صور وجبيل وصيدا وأرواد وبيروت على ما يُعرف الآن بساحل لبنان؛ والمدن الفلستية وممالك إسرائيل ويهوذا فيما يُعرف حاليًّا بإسرائيل والضفة الغربية؛ وممالك صغيرة أخرى في ذلك العصر مثل عمون وأدوم وموآب في الأردن الآن (15). وفي كل هذه الممالك، على الرغم من تخصيصها هنا لكياناتٍ سياسية فردية، من المُرجَّح أننا كنَّا سنجد مزيجًا من الأعراق المختلفة بين السكان، تمامًا كما نتوقَّع أن نجد في المدن الحديثة في جميع أنحاء المنطقة في عصرنا الحالي.

لم يكن هذا الوضع مختلفًا تمامًا عمَّا كان عليه الحال في بلاد الشام خلال أواخر العصر البرونزي، عندما كان كلُّ كيانٍ من الكيانات الكنعانية الصغيرة يحكمه حاكم (أو ملك صغير) ويدين بالولاء إما للمصريين أو الحيثيين. ولكن، الآن، مع انهيار القوى الإقليمية في نهاية العصر البرونزي، تمكَّنَت دويلات المدن هذه من ممارسة قدْرٍ أكبر قليلًا على الأقل من الاستقلال مما كانت تتمتع به سابقًا. استغلَّ الآشوريون في النهاية هذا الفراغ في السُّلطة وأنشَئوا إمبراطوريةً خاصة بهم، لكنَّ هذا لم يحدُث حتى القرن التاسع قبل الميلاد، كما رأينا.

.......................................................

(1) Grayson 1991: 37 (A.0.87.3), 42 (A.0.87.4), and 53 (A.0.87.10); Hawkins 2000: 73-74; Frahm 2009: 28–32; Bryce 2012: 200; Younger 2016: 118, 172, 2017: 205-6.

(2) See, e.g., Hawkins 2000: 73-74; Gilibert 2011: 12; Bryce 2012: 4, 84, 87, 99, 200-201; Weeden 2013: 8; Hawkins and Weeden 2016: 11; Brown and Smith 2016: 23; Younger 2016: 117-18, 121 (fig. 3.3), 172, 2017: 206.

(3) For quotes, see J. F. Osborne 2021: 55; d’Alfonso et al. 2022: 38. See also Schachner 2020a, 2020b: 1109–12; also Summers 2000: 55, 58; Seeher 2010; Genz 2013; Kuzucuoğlu 2015: 32–38; Bryce 2016b, 2019; Middleton 2017c: 165, 172, 175-76; de Martino 2018; Alaura 2020. On the demographic impact of the climate change in Anatolia, see also Palmisano, Lawrence, et al. 2021: 22, 106739.

(4) On the change in livestock, see Adcock 2020: 251, also 266; now also Haldon, Izdebski, et al. 2022: 400-401, citing Adcock’s work.

(5) Dibble and Fallu 2020: 1, 8-9.

(6) Rose and Darbyshire 2011; Rose 2012; Kealhofer, Grave, and Voigt 2019; previously, e.g., Muscarella 1995: 94; Voigt and Henrickson 2000: 42-43. On the new data, see Manning, Kocik, et al. 2023, but see also Drews 1992: 17, with an early similar report.

(7) See, e.g., Liverani 2014: 465-66, 531. Much has been written about the Phrygians, but for Gordion during this period in particular, see most recently Rose and Darbyshire 2011; Rose 2012; previously, including on the possibility of Phrygian migration into this area, see, e.g., Muscarella 1995: 91-92; Voigt and Henrickson 2000: 42–46. See also Herodotus VII.73 and Strabo VII.3.2, cited by Muscarella, for their belief that the Phrygians migrated from Thrace or Macedonian to Anatolia around the time of the Trojan War.

(8) The inscription is known more formally as “TÜRKMEN-KARAHÖYÜK 1”; the survey was under the direction of James Osborne and Michele Massa. For details of the survey and the translation of the inscription, see J. F. Osborne, Massa, et al. 2020 and Goedegebuure et al. 2020.

(9) Aslan 2009, 2020: 245–47; Basedow 2009; Aslan and Hnila 2015: 186–94.

(10) Bunnens 2000: 16; Hawkins 2000: 73; Harrison 2009a: 171, 174, 181, 2009b: 187, 2013: 61; Bryce 2012: 60, 79-80, 2014: 100-101, 103-4, 2020: 106-7; Weeden 2013: 6; Emanuel 2015: 12; Hawkins and Weeden 2016: 9; Welton et al. 2019: 325. On the Hittites and the Bible, see, e.g., Bryce 2012, 2014: 101–3.

(11) Woolley 1920: 76. See, e.g., Hawkins 2000: 73; also Bunnens 2000: 17; Bryce 2012: 55, 83.

(12) See now, most usefully, the recent book by J. F. Osborne (2021). He prefers to call this group of small kingdoms by the name “Syro-Anatolian Culture Complex (SACC)”; see J. F. Osborne 2021: 1–9, 110–12, 209–19. See also, e.g., Gilibert 2011: 14–16, 55, 79-80, with references re Zincirli; Bryce 2012: 22–31, 56-57, 169-70, 2020: 108; Weeden 2013: 1-2; Liverani 2014: 448; Younger 2016: 28–30, 114-15.

(13) Hogarth 1911: 8.

(14) See, e.g., Hawkins 1988, 2000: 73; Harrison 2009a: 171–73; Gilibert 2011: 10–12; Bryce 2012: 19, 55, 84-85, 195–97, 2014: 101-2, 2020: 107; Marchetti 2012: 144, 146 (table 2); Aro 2013: 246; Weeden 2013: 6, 9 (table 1); Dinçol et al. 2014a: 127-28 (table 1), 130 (table 2); Hawkins and Peker 2014: 110 (table 1); J. F. Osborne 2014: 197-98, 2015: 10-11, 2021: 41-42; Hawkins and Weeden 2016: 9; Peker 2016: 49 (table 2); Younger 2016: 28–30, 116–19, 121 (fig. 3.3); Marchetti and Peker 2018: 98; Welton et al. 2019: 292–94; Millek 2020. See also Gilibert 2011: 7-8, with previous references, for the description of Syro-Anatolian city-states as typically “a capital city ruling over a belt of fortified towns and a rural hinterland of villages.”

(15) See, e.g., Harrison 2009a: 175; Bryce 2012, 2014: 86-87, 101–3, 2016b, 2020: 106–9; Brown and Smith 2016: 29; Younger 2016: 28–30, 144; Ilan 2019; Manolova 2020: 1195; also now J. F. Osborne 2021.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد