1. شأن النزول: عن جميل، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان الناس يستنجون بالحجارة والكُرْسُف؛ ثم أُحدث الوضوء (أي الاستنجاء بالماء) وهـو خـلـق حَسَن، فأمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) [وصنعه] وأنزله الله في كتابه: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222][1].
عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانوا يستنجون بثلاثة أحجار، لأنهم كانوا يأكلون السر وكانوا يبعرون بعراً؛ فأكل رجلٌ من الأنصار الدباء فلان بطنه واستنجى بالماء، فبعث إليه النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: فجاء الرجل وهو خائف أن يكون قد نزل فيه أمر فيسوءه في استنجائه بالماء. قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هل عملت في يومك هذا شيئاً؟ فقال: نعم يا رسول الله إني والله ما حملني على الاستنجاء بالماء إلّا أنّي أكلت طعاماً فلان بطني فلم تغن عنّي الحجارة شيئاً، فاستنجيت بالماء. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هنيئاً لك فإن الله قد أنزل فيك آية (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222] فكنت أوّل من صنع ذا، أول التوابين وأوّل المتطهرين[2].
تنويه حتى ما قبل ظهور التطهر بالماء، كان الناس يطهرون أنفسهم بالحجارة والقماش والقطن؛ ثمّ حلّت الطهارة بالماء مكان ذلك باعتبارها خُلقاً حسناً، وأمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بذلك أيضاً، كما أن الآية الشريفة تفيد ذلك، وهو ما أشار إليه الحديث الثاني الذي نُقل فيه شأن نزول تلك الآية.
والمتطهر بالماء الذي يزيل القذارة هو محبوب الله. ولما كان تعدد مراتب المحبة يساوي تعدّد درجات الطهارة، فإنّ مثل هذا المتطهر ينال درجة من المحبة الإلهية تناسب درجة طهارته.
2. المراد من الاعتزال: روي أن أهل الجاهلية كانوا لا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يساكنونها في البيت، كفعل اليهود والمجوس. فلما نزلت الآية، أخذ المسلمون بظاهرها ففعلوا كذلك. فقال أُناس من الأعراب: يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة؛ فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت وإن استأثرناها هلكت الحيض. فقال (صلى الله عليه وآله): إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن ولم آمركم بإخراجهنّ كفعل الأعاجم[3].
تنويه: المقصود بالتي لم يكن أهل الجاهلية يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يساكنونها هي المرأة في أيام عادتها[4]. وما فعله المسلمون حين نزول الآية هو أنهم ظنوا أنها تأمرهم باعتزال النساء في أيام حيضهنّ اعتزالاً مطلقاً كما كان يفعل أهل الجاهلية. والمقصود من الأعاجم في هذا الحديث هم غير العرب من اليهود والمجوس.
3. حرمة مجامعة الحائض: موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد عليهم السلام قال: سئل أبي عليه السلام عما حرم الله عزّ وجلّ من الفروج في القرآن وعتما حرمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سنته؟ فقال: الذي حرم الله عزّ وجلّ من ذلك أربعة وثلاثون وجهاً؛ سبعة عشر في القرآن، وسبعة عشر في السنة. فأما التي في القرآن فالزنا... والحائض حتى تطهر، قال الله عزّ وجلّ: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) [البقرة: 222][5].
تنويه: مجامعة الحائض في حال الحيض واحدة من المحرمات السبعة عشر الواردة في القرآن الكريم في ما يخص النساء وليس المقصود هو المقابلة بين تحريم القرآن وتحريم السنّة، لذا فلا يلزم المحذور لو ورد في السنة تحريم شيء سبق وإن ورد تحريمه في القرآن أيضاً.
4. ثلاث مجموعات من الروايات في حكم الحائض: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن امرأة كانت طامثاً فرأت الطهر؛ أيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا، حتى تغتسل. قال: وسألته عن امرأة حاضت في السفر ثمّ طهرت، فلم تجد ماء يوماً أو اثنين؛ يحل لزوجها أن يجامعها قبل أن تغتسل؟ قال: لا يصلح حتى تغتسل[6].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: المرأة تحرم عليها الصلاة ثم تطهر فتوضأ من غير أن تغتسل؛ أفلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال: لا، حتى تغتسل[7].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا انقطع الدم ولم تغتسل فليأتِها زوجها، إن شاء[8].
من العبد الصالح: في المرأة إذا طهرت من الحيض ولم تمس الماء فلا يقع عليها زوجها حتى تغتسل وإن فعل فلا بأس به. وقال: تمس الماء أحب إلي[9].
عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الحائض ترى الطهر، أيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا بأس، وبعد الغسل أحبّ إليَّ[10].
تنويه: تندرج هذه الروايات التي تبيّن حكم المجامعة بعد انقطاع الدم وقبل الغسل ضمن ثلاث مجموعات:
أ. الروايتان الأولى والثانية: الطامث في الرواية الأولى بمعنى الحائض، و(الطمث) هو (الحيض). أما النهي لا حتى تغتسل فهو يتوافق مع الآية (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) [البقرة: 222] ويفيد عدم كفاية انقطاع الدم لجواز المجامعة، وأنه كما يشترط الغسل والوضوء للصلاة، فالمجامعة أيضاً لا تجوز إلا بعد الغسل.
وفي سؤاله الثاني يسأل الراوي عن امرأة مسافرة جاءتها العادة الشهرية ولم يتوفّر لها الماء كي تغتسل يوماً أو يومين بعد انقطاع الدم، فهل يستطيع زوجها أن يجامعها في هذه الحال؟ فأجاب الإمام: لا يصلح حتى تغتسل إذن، فحكم المجامعة أصعب من الصلاة لأنه عند فقدان الماء يمكن الصلاة بالتيمم، بينما لا تجوز المجامعة إلا بالغسل.
ولحن لا يصلح يشير إلى كراهة المجامعة قبل الغسل، أو إلى استحباب الغسل قبل المجامعة، والنهي المذكور ليس نهيا تحريميا. وعلى فرض ظهوره في الحرمة، فليس فيه دلالة قوية على ذلك، بل يتسم ظهوره بالضعف. ولا شك في أن هذا الحكم يتفاوت بين السفر والحضر، كما أن مورد السؤال يختص بالمسافر.
أما الرواية الموثقة الثانية فهي أ أيضاً تقول بعدم كفاية انقطاع الدم وإسباغ الوضوء، بل يلزم الغسل.
ب. تدلّ الرواية الثالثة بوضوح على كفاية قطع الدم، ودلالة، فليأتها... إن شاء على جواز المجامعة أقوى من دلالة لا حتى تغتسل على المنع؛ لأنه إذا كان (الأمر) يشير إلى الاستحباب فهو نص في أصل الجواز بينما النهي في لا، حتى تغتسل نص في الكراهة وله ظهور في الحرمة، وظهور النهي في منع المجامعة ليس بقوة نص الأمر على الجواز، والمتيقن أن هذا أظهر وهو مقدم على الظاهر.
ج. أما مضمون الرواية الرابعة فهو نهي الرجل عن مجامعة زوجته التي طهرت من الحيض لكنها لم تغتسل بعد. ومع ذلك لو قام الرجل بهذا الفعل فلا إشكال عليه. ومن ذلك يستنتج أن هذا النهي نهي تنزيهي لا يستتبع العقوبة.
والرواية الخامسة أيضاً صريحة في الجواز، أما قول الإمام الكاظم عليه السلام فيها وبعد الغسل أحب إلي فهو إشارة إلى أنّ المجامعة بعد الغسل ليس فيها أي حزازة ونقص تحريمي.
خلاصة البحث الروائي: روايات المجموعة الثالثة هي الدليل لفهم مضمون مجموع الروايات الأخرى. أي إننا من خلال التدقيق في طريقة النهي، نعرف أنها تدلّ على الكراهة. وهذا يعني كراهة مجامعة النساء بعد انقطاع الدم وقبل الغسل لا حرمته.
5. النكاح لطلب الولد: عن عبد الله بن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام... قلت: فأين قول الله عزّ وجل: (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [البقرة: 222]؟ قال: هذا في طلب الولد؛ فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله[11].
تنويه: يحصر هذا الحديث المجامعة الجنسية بالمحل المخصوص لذلك.
6. أهمية التوبة وعلامتها عن أنس: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا أحب الله عبده لم يضره ذنب. ثم تلا: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222]. قيل: يا رسول الله وما علامة التوبة؟ قال: الندامة[12].
قال الصادق عليه السلام: خلق الله القلب طاهراً صافياً، وجعل غذاءه الذكر والفكر والهيبة والتعظيم. وإذا شيب القلب الصافي بتغذيته بالغفلة والكدر، صقل بمصقلة التوبة، ونُظّف بماء الإنابة، ليعود على (إلى) حالته الأولى وجوهريته الأصلية. قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة: 222][13].
تنويه: أ. في إطار إطلاق وشمول التوبة المذكورة في الآية التي هي مورد البحث، فهي تنطبق على المرأة أو الرجل المرتكب للمجامعة في حال الحيض، مما يلزمهما أن يتطهرا بأسرع وقت ممكن من هذا العمل الخبيث، كـي تتوفر شروط نيلها لمحبة الله.
ب. وهاتان الروايتان تشيران الى أهمية التوبة فأولاهما تشبه التائب بالشخص الذي لم يرتكب ذنبا وذكرت نفس الرواية علامة التوبة فقالت إنها الندم على ارتكاب المعصية.
ج. أما الرواية الثانية فقد قال الإمام الصادق عليه السلام فيها إن الله قد خلق قلب الانسان طاهرا وصافيا وجعل غذاءه الذي يعيش به هو ذكر الله والتفكر في صفات الخالق والالتفات الى هيبة الله وعظمته واذا ما أصبح القلب قاتما وملوثا نتيجة تغذيته بأغذية الغفلة والكدورة والجهالة فالواجب تطهيره وتجليته بماء التوبة والإنابة كي يعود الى حالته الأولى وجوهره الأصلي.
[1] تفسير العياشي، ج 1، ص 109.
[2] تفسير العياشي، ج 1، ص 109-110؛ علل الشرائع، ج 1-2، ص332.
[3] كنز العرفان، ج1، ص43.
[4] راجع مجمع البیان، ج1-2، ص562؛ الدر المنثور، ج1، ص618.
[5] كتاب الخصال، ص 532-533؛ تفسير كنز الدقائق، ج 1، ص 528.
[6] تهذيب الأحكام، ج 1، ص 166-167؛ وسائل الشيعة، ج 2، ص 326.
[7] تهذيب الأحكام، ج 1، ص 167؛ وسائل الشيعة، ج 2، ص 326.
[8] تهذيب الأحكام، ج 1، ص 166؛ وسائل الشيعة، ج 2، ص 325.
[9] تهذيب الأحكام، ج 1، ص 167؛ وسائل الشيعة، ج 2، ص 325.
[10] تهذيب الأحكام، ج 1، ص 167؛ وسائل الشيعة، ج 2، ص 325.
[11] تهذيب الأحكام، ج 7، ص 414.
[12] الدر المنثور، ج 1، ص 626.
[13] مصباح الشريعة، الباب 58، ص 124؛ تفسير كنز الدقائق، ج 1، ص 531.