عبارة (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ) [البقرة: 223] هي جملة وصفية وخبرية إلا أنها يمكن أن تلقى بقصد الإنشاء فتظهر بصورة جملة إنشائية وأمرية، ويكون مخاطبها الأساسي مزدوجاً، فهم النساء بمعنى أيتها النساء المحترمات حـاولـن أن تكـن محترثاً ومزرعة، وهم الرجال في نفس الوقت قائلة لهم: أيها الرجال الشرفاء كونوا فلاحين بمعنى (الحارث) لا بمعنى (الزارع)؛ لأن بناء الإنسان وولادة الخليفة وتربية الكريم من الأعمال التي لا يوجد ما يوازيها في الأهمية.
والمهم أن يلتفت الرجل والمرأة الى أن أيا منهما ليس زارعا في الحقيقة بل إن عملهما ينحصر في الحرث ونثر البذور واحتضانها لا الزرع الذي هو إحياء البذور ونموها المفعم بالحياة كما هي الحال في عملية نو جميع النباتات حيث يكون أصل الإحياء مختصا بالله سبحانه فقط.
وفي هذا المخصوص أسند القرآن الكريم الحرث ونثر البذور الى الناس بينما نسب الزرع واحياء الجماد الميت الى الله كما أنه في عملية تربية الأبناء أيضا نسب الإمناء ونقل النطفة من مكان الى مكان آخر الى الآباء ونسب الخلق الى الله فقال: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) [الواقعة: 63-64]، و(أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) [الواقعة: 58-59].
ويستنتج من هذا التحليل عدة فروع:
1. أن عدم القيام بالحرث المؤدي الى حصول الموات أو البوار مما لا يناسب الطبيعة الأصلية.
2. أن حضور الأجنبي واستيلاء الغاصب الذي يتجسد في صورة استثمار الرحم لا يناسب عملية الخلق.
3. أن اختلاط المياه وعدم صفاء النسل والأعراق، مما يناقض نظام الخلق.
4. أن التدخل في جهاز التناسل عن طريق اسقاط الجنين الذي يوشك على التبديل من الحرث الى الزرع لا ينسجم مع الحكمة الالهية.
ملاحظة: إن تبيين الآيات الإلهية الذي تطرقنا اليه في المباحث السابقة: (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ) [البقرة: 219] يتبلور في أمر القرآن الكريم ونهيه حيث قال عند تبيين نهيه القبلي عن المجامعة وأمره باعتزال المحيض: (قُلْ هُوَ أَذًى) [البقرة: 222] كما قال عند أمره التالي بالمجامعة وترخيصه المباشرة: (حَرْثٌ لَّكُمْ) [البقرة: 223] وهذا هو الصراط المستقيم في نظام الخلق. وهناك بعض المنحرفين الذين يحاولون حرف هذا الطريق المستقيم (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) [الأعراف: 45] وقد تم توضيح كيفية هذا الإضلال.