الأعمال الطبيعية وأهدافها الأصيلة
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج11، ص190-191
2026-09-26
298
يقوم الإنسان بأعماله الطبيعية وفقاً لدوافع مادية؛ إلا أن وراء هذه الدوافع هناك أهداف أصيلة يشير إليها القرآن الكريم، معتبراً أن الثمار الطبيعية للأعمال هي الوصول إلى تلك الأهداف. فعلى سبيل المثال يكون الدافع الطبيعي من الحصول على المواد الغذائية وطبخها وما يكتنف ذلك من مشاق هو رفع الجوع والالتذاذ بأكل الطعام مع أنّ الدافع الأصيل لأكل الـغذاء هـو حـفـظ حـيـاة الإنسان الفردية، وحتى يتقبل الإنسان متاعب جمع وتحضير الغذاء أوجد الله الحكيم فيه دافعاً وأعطاه أُجرة على ذلك العمل هو أن جعله يلتذ بتناول الطعام، وعن هذا الطريق وبواسطة الإنسان نفسه يحافظ على حياته التي هي الهدف الأصلي؛ رغم أن البعض من الأفراد يتوهمون أنهم خُلقوا للتلذذ بالمأكولات، أو أن الهدف الأساس من الأكل هو مجرد الحصول على اللذة.
كما أنّ الله الحكيم عمل نفس الشيء أيضاً لحفظ النوع والنسل الإنساني الذي يتطلب الكثير من السعي والمتاعب، فجعل في الإنسان لذائذ حيوانية (جنسية) وعواطف إنسانية خاصة كي يتكفّل الإنسان بقبول مثل هذه المهمة الثقيلة وما تتضمنها من أمور شاقة كنشوء وحفظ ورعاية وتربية الطفل، ولولا ذلك لما كان الإنسان مستعداً لتربية الطفل مع ما يعنيه ذلك من مشكلات. إذن، فرغبة الرجل بالمرأة والطفل الكامنة في داخله، هي. لحفظ النسل الإنساني، لا مجرد وسيلة لإرضاء غرائزه وشهواته.
وعلى هذا الأساس، أمر الربّ الحكيم في (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) [البقرة: 223] بالهدف الأصيل العملية الزواج. أي حفظ نوع الإنسان. ومن خلال تكراره لكلمة (الحرث) وعدم إيراد الضمير، يكون قد أكد على أهمية دور المرأة في عملية التناسل وحفظ النوع.
كما أن (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) [البقرة: 223] تدل على أنّ المراد من (أَنَّىٰ) [البقرة: 223] فِي (أَنَّىٰ شِئْتُمْ) [البقرة: 223] لجميع الاحتمالات الثلاثة السابقة، لا بد وأن يكون مباشرة النساء من محل نزول الولد والحرث، و(وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ) [البقرة: 223] الذي هو كناية عن توليد الابن الصالح، تؤيد لزوم المباشرة من نفس ذلك المكان.
ملاحظة: 1. هذه الآية الشريفة هي في صدد بيان العلاقة الزوجية وتبيين الهدف الأصيل منها، لا بيان حكمة خلق المرأة، رغم إمكانية اعتبار الدور الأساسي المذكور واحداً من المنافع والفوائد المهمة لخلقها.
2. بناء على الشواهد الداخلية والخارجية، فإنّ الأمر في عبارة (فَأْتُوا) [البقرة: 223] وأمثالها من العبارات لا يفيد الوجوب. ولنفي دلالة مثل هذا النوع من الأوامر على الوجوب، يُصار أحياناً إلى القول بأنه لما كانت عبارة (أَنَّىٰ شِئْتُمْ) [البقرة: 223] تفيد تمتع الرجل بحق الانتخاب والخصوصية الزمانية وأمثال ذلك، فيعلم منها أن أصل المجامعة ليس واجباً[1]. إلّا أنّ هذا الاستدلال ليس صائباً؛ إذ يمكن أن يكون أصل عمل خاص واجباً، مع التوسعه في الزمان والمكان، أي إن حق الانتخاب هو في قيود العمل لا في أصله.
[1] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 212
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة