1. توضيح مغالطة اللذة والقذارة: استقبح بعض المفسرين بشدة مباشرة المرأة من غير محل الحرث، وقـرنـوا تحريم هذا العمل بالقذارة والرجس، حتّى إنّهم أسموا هذا العمل أحياناً (اللواط الصغير).
وظنوه أحياناً أخرى مقدّمة لاعتياد قوم لوط على هذا العمل المذموم الذي لم يسبقهم إليه أحد (مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 80] أي إن قوم لوط كانوا قبل ابتلائهم بهذا الخطر يعملون مثل ذلك مع زوجاتهم.
كما أنهم استندوا إلى تعليل (هُوَ أَذًى) [البقرة: 222] وتنقيح مناط قذارة المحيض فتعدّوا إلى قذارة موضع النجو، فاعتبروا هذا العمل القبيح رجساً كما هي الحال في مباشرة المحيض، و... .
ومراجعة تفسير الطبري[1]، وجامع الأحكام للقرطبي[2]، والمنار[3]، وروح البيان[4] ترسم صورة أوضح عن مثل هذه المطالب.
وهنا لا بد من التذكير بأنّ الفتوى النهائية في هذا الأمر تعود إلى فن الفقه الذي يتكفل بالجمع بين الأدلة القرآنية والروائية، إلا أن المهم هنا هو التنبيه إلى أن اللذة الحيوانية للمجامعة في الحرث أحياناً تسدل ستارها على قبح وقذارة ورجس وعفونة هذا العمل، وتظهره بمظهر الخالي من الرجس، في حين لـو تم النظر إلى هذا العمل المخجل من زاوية الحياة الإنسانية للإنسان (وليس من زاويته الحيوانية)، لكانت قذارته لا تقل عن قذارة دم الحيض أو نجاسة النجو.
ومعرفة وبيان خطل مثل هذا النوع من المغالطات التي تتكئ على اللذة الحيوانية الناتجة من عمل ما أو كونه أمرا معتادا لتستثمر ذلك في التظاهر بكرامة وشرف نفس ذلك العمل لا يمكن العثور عليها في فن المنطق. إن سوء هذا العمل لدى أرباب الحصافة وأصحاب العقل وصحابة المعرفة يستدعي الحياء والخجل المضاعف، خلافاً لابتلاء المرأة بالحيض أو المرأة والرجل بالاستنجاء:
إذا أنتَ ابنُ آدم فَكُن مِثلَه *** وانظر الأجيال طُرّا نَسْلَهُ
ما الذي في الكوز، لا في النهر؟ *** ما الذي في الدار، لا في المصر؟
إنما العالَم شَن والقلب سَواقي *** إِنْ ذا كوخ وهذا بَلَد ذو ائتلاقِ[5]
فإذا كان الإنسان يُعرف بمثل هذا النوع من التعابير؛ فإن انحطاطه إلى مستوى المجامعة في الحرث لا يقل عن حالة محيض المرأة أو دفع الفضلات في بيوت الخلاء التي تحصل لكل الأفراد. إنّ فضيلة مجامعة بعض الحيوانات التي وردت الوصايا بتعلّم عملية النكاح منها تكمن في أنها لا تمارس هذا العمل الشنيع أمام الآخرين أبداً، وأن أحداً حتى الآن لم يشاهدها وهي في تلك الحالة.
2. الابن الصالح سبب للسعادة: وصف رسول الله (صلى الله عليه وآله) الابن الصالح في عبارات لطيفة معتبراً إياه رزقاً ورحمة من الله يقسمها بين عباده، مثلما وصف الحسنين عليهما السلام لجهلها بأنهما ريحانتـاه مـن الدنيا، فقال: الولد الصالح ريحانة من الله قسمها بين عباده؛ وإن ريحانتي من الدنيا الحسن والحسين[6].
وجاء على لسان صادق آل الرسول عليه السلام أيضاً وصف الولد الصالح بأنه من مظاهر سعادة الإنسان، حيث قال: من سعادة الرجل الولد الصالح[7].
وقال عليه السلام كذلك: إنّ رجلاً كان زاهداً في الولد، حتى جاء وقت الوقوف بصحراء عرفات إذ شاهد إلى جانبه غلاماً شاباً يبكي ويذكر أباه وأُمـه ويدعو لها، فرغب في الولد عند رؤية ذلك المشهد وما سمعه فيه[8].
وهذه القصة تشير إلى أن الابن الصالح هو إحدى علامات سعادة الوالدين.
وقال رسول الإسلام الأكرم (صلى الله عليه وآله): مر عيسى بن مريم عليه السلام. يوماً بقير فشاهد صاحبه يُعذب، ثمّ مر به في السنة القادمة فوجده آمناً لا يعذب. ولما سأل ربه عن السر في ذلك، فأوحى الله إليه أن ولداً صالحاً من نسله قد أدرك وأصلح أحد الطرق وآوى أحد الأيتام، فلهذا غفرت له بما فعل ابنه[9].
ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ميراث الله عزّ وجلّ من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده. وهذا الكلام النوراني يشير من جهة إلى أنّ الابن الصالح يلعب دوراً أساسياً في سعادة الإنسان وأنه ثروة معنوية، ومن جهة أخرى يرغب في طلب الولد وبذل الجهد في تربيته.
3. الأنبياء وطلب الولد الصالح: كان أنبياء الله أيضاً يسألونه أن يرزقهم نعمته الكبرى المتمثلة بالولد الصالح.
يقول الإمام علي عليه السلام في تفسير الآية (إِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي) [مريم: 5]: إِنَّه لم يكن له وارث حتى وهب الله له بعد الكِبَر[10]. بمعنى أن زكريا لم يكن له وارث يرثه، وأنه طلب من الله تعالى ابناً، وقد استجاب الله دعاءه في شيخوخته، ورزقه الولد.
إن السر في هذا الطلب خصوصا في زمن الكهولة والضعف يكمن في مشاهدته لكرامات السيدة مريم عليهما السلام التي ذكرتها الاية التالية: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ...) [آل عمران:37-38].
4. الابن الصالح زاد للآخرة: يعتبر البعض الابن سببا للفخر والتباهي على الاخرين مثل ذلك الذي قال: (أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) [الكهف: 34] في حين يجب أن يكون الولد مما يعده الانسان ويدخره لاخرته: (وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ) [البقرة: 223].
وعلى أساس هذين المسلكين اللذين ذكرناهما في ما يخص الولد تنقسم آيات القرآن الكريم الكريم في هذا المجال الى مجموعتين:
أ. احدى هاتين المجموعتين ذكرت الولد في عداد مال الدنيا وزينة الحياة الدنيوية في حين لا يكون فيه نفع لوالديه في الآخرة وهنا نورد بعضا من هذه الآيات:
أولا: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ) [آل عمران: 14].
ثانيا: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: 46].
فالابن الذي يرى فيه البعض سببا للتفاخر على الاخرين ورد هنا مرادفا للمال وفي مستوى الارض والشجر والحجارة لا في مستوى الملائكة.
ثالثا: (أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) [الكهف: 34].
وهذه الآية تتحدث على لسان الشخص الذي غرته الدنيا فجعلته يرى أولاده الى جانب أمواله سببا مشروعا لتطاوله على الاخرين.
رابعا: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ) [المؤمنون: 55-56]
أي ليس كما تتصورون أن كثرة المال والبنين دائما تكون سببا لسعادة الانسان.
خامسا: (مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) [القلم: 12-14].
إن المال والبنين يكونان بالنسبة الى البعض سببين لعصاينهم وعدوانهم.
سادسا: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: 88-89].
كما أن المال يوم القيامة لا يستطيع أن ينفع صاحبه ويغير حاله فالابناء غير الصالحين أيضا لا فائدة فيهم لأبيهم أو أمهم بل إن هاذين أي الأب والأبن يبذل كل منهما جهده ويسعى الى الفرار من الاخر بل أكثر من ذلك يكون الأب مستعدا أن يقدم جميع أبنائه فداء لنفسه كي يخلصها من نار يوم القيامة: (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) [المعارج: 11].
ب. أما المجموعة الثانية من الآيات فهي تذكر الولد بتبجيل معتبرة إياه منبعا لخير الدنيا والاخرة وهذا بعض من هذه الآيات:
أولا: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف: 46].
إن بعض الأموال والأبناء يكون من الباقيات الصالحات، خلافاً لبعضها الآخر الذي ما هو إلا زينة الحياة الدنيا الحقيرة، ولا خير أُخروي فيه.
ثانياً: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74].
وهذه الآية الكريمة إضافة إلى أنّها تعتبر الولد الصالح قرة للعين، تشيد بالرجال الإلهيين بسبب سؤالهم من الله أن يرزقهم مثل هؤلاء الأبناء.
ثالثاً: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور: 21].
فلو اتبعت ذريات الرجال المؤمنين طريقة آبائهم لألحقناهم بهم يوم القيامة، فتمتعوا بلذائذ الجنّة مجتمعين بعضهم إلى جانب الآخر، خلافاً للآباء والأبناء الذين يفرّ بعضهم من بعض في ذلك اليوم نتيجة لعدم إيمانهم.
فعلى الإنسان وفقاً لهذه الآيات أن يعتبر الولد تقدمةً لآخرته، فيسعى جهده لتربيته، لا أن يتخذه سبباً للتفاخر والمباهاة المادية على الآخرين ولا يراه إلا جزءاً من الممتلكات الدنيوية ويتضح تفاوت هذين المنظارين في الآخرة حين يكون البعض إلى جانب أبنائهم الصالحين في الجنّة، بينما يكون الآخرون فاريـن مـن أبنائهم مرعوبين يتمنون من أعماق قلوبهم أن يضحوا بأبنائهم للخلاص من عذاب هذا اليوم.
[1] جامع البیان، ج 2، ص 528.
[2] الجامع لأحكام القرآن، مج 2، ج 3، ص 90.
[3] تفسير المنار، ج 2، ص 361-362.
[4] تفسير والبيان، ج 1، ص 347.
[5] تعريب للأبيات 809-811 من مثنوي معنوي بالفارسية، ص 571، الدفتر الرابع.
[6] الكافي، ج 6، ص 2؛ وسائل الشيعة، ج 21، ص 358.
[7] الكافي، ج 6، ص 3؛ وسائل الشيعة، ج 21، ص 359.
[8] الكافي، ج 6، ص 2؛ وسائل الشيعة، ج 21، ص 355.
[9] الكافي، ج 6، ص 3-4؛ وسائل الشيعة، ج 21، ص 359.
[10] الكافي، ج 6، ص 3؛ وسائل الشيعة، ج 21، ص 356.