يرى إيان موريس أن الروابط بين اليونان والشرق الأدنى تضاءلَت مرةً أخرى بين عامي 825 و800 قبل الميلاد، بحيث أنه «بحلول أوائل القرن الثامن أصبحت القبور أكثر فقرًا وبساطةً من أي وقتٍ مضى منذ القرن العاشر.» في الواقع، اقترح موريس أن النظام كلَّه في البر الرئيسي اليوناني «واجه مشكلاتٍ بحلول عام 900، وانهار حوالي عام 750، مع ظهور نظام الدويلة المدينة.» ونظرًا لأنه كانت توجَد اتصالاتٌ مع منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط في هذا الوقت؛ يرى موريس أن هذا يعني أنه «بحلول عام 800 قبل الميلاد، كان اليونانيون قد توافقوا فيما بينهم على علاقة جديدة بالشرق الأدنى» (1).
لكن ذلك الانهيار الثاني ليس واضحًا على الإطلاق؛ لأن لدَينا أدلةً على اتصالات مُستمرة بين الشرق الأدنى ومنطقة بحر إيجه طوال هذا الوقت. فقد عُثِر على فخار فينيقي في كنوسوس في جزيرة كريت في سياقات يرجع تاريخها إلى حوالي عام 800 قبل الميلاد. كما عُثِر على أغراض إضافية، وإن كانت في المقام الأول من سياقاتٍ لاحقة في القرن الثامن قبل الميلاد، في موقع إليوثيرنا في غرب جزيرة كريت. وقد يُشير كلا الأمرَين إلى الوجود المُستمرِّ لحِرفيين مُقيمين، من الشرق الأدنى، في جزيرة كريت. وعلى العكس من ذلك، فقد قيل منذ فترةٍ طويلة أيضًا إن أفرادًا من منطقة بحر إيجه ربما كانوا مُقيمين في موقع مرفأ «المينا»، الواقع فيما يُعرف الآن بمنطقة الساحل الجنوبي الشرقي لتركيا وشمال سوريا (2).
وفي النهاية، بحلول مُنتصف القرن الثامن قبل الميلاد، حوالي 750 قبل الميلاد على أقرب تقدير، يُمكننا التحدُّث عن استئناف الثقافة اليونانية على مسارٍ أدَّى إلى أكثر من مجرد الكفاف الأساسي والكدح من أجل كسب لقمة العيش. يقول جيمس وايتلي، مؤلِّف كتاب عن اليونان في العصر الحديدي، إن «بحر إيجه هي منطقة حدث فيها تشكيل الدولة … مرتَين: الأولى حدثَت في العصر البرونزي، وأدَّت إلى حضارات القصور في كريت المينوية واليونان الميسينية؛ والثانية حدثت في أوائل العصر الحديدي، وأدَّت إلى حضارة اليونان القديمة والكلاسيكية» (3).
لذلك، يجب علينا أن نُثني على اليونانيين لقُدرتهم على الصمود في شكلٍ ما؛ وذلك لأنه على الرغم من عدم الاستقرار وانعدام الأمن اللذَين كانا موجودَين خلال هذه القرون في اليونان؛ فمُجمل الأمر أنهم قد أعادوا البناء في النهاية بدلًا من أن يجري استبدال أشخاصٍ جُدد بهم. هنا في منطقة بحر إيجه، على الرغم من الاعتقاد الخاطئ الخاص بالغزو الدوري، فإن عِرق وهوية الناس أنفسهم ربما لم يتغيرا كثيرًا — وهذا يعني أنه لم تكن هناك بالضرورة هجرات ضخمة وشعوب جديدة قادمة إلى المنطقة في أعقاب الانهيار — بل كانت الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية هي التي تغيرت في الغالب؛ تكيَّف السكان الباقون مع الحقائق القاسية الجديدة لبيئةٍ تُعاني من الجفاف حيث كانت المجاعة وعدم الاستقرار السياسي أمرًا عاديًّا.
ولكن في القرن الثامن قبل الميلاد، كان اليونانيون في وضعٍ يسمح لهم مرةً أخرى بالاضطلاع بدورٍ كامل في شبكةٍ دولية من الاتصالات والترابُطات من غرب البحر الأبيض المتوسط إلى شرقه. لقد كانت رحلةً شاقة عبْرَ القرون — أكثر مشقةً ممَّا كانت عليه لمُعظم الحضارات والمجتمعات الأخرى التي درسناها هنا — ولكنْ في الأفق، خلال بقية القرن الثامن، كانت هناك حكاياتٌ الشاعرَين هوميروس وهسيود الراسخة؛ ومناسبة الألعاب الأوليمبية الأُولى، التي يرجع تاريخها تقليديًّا إلى عام 776 قبل الميلاد (4)؛ وظهور نظام «الدويلة المدينة» وحركة الاستعمار اليوناني؛ وأشكال جديدة من صناعة الفخاريات؛ والعديد من الزخارف والتعقيدات المُجتمعية الأخرى التي كانت قد فُقِدَت مؤقتًا مع انهيار القصور الميسينية قبل حوالي أربعمائة عام.
...............................................
(1) I. Morris 1996: 1, 6. See also I. Morris 1989: 514; see also earlier discussions in I. Morris 1987.
(2) Kourou 2012: 41, with earlier references; Bell 2016: 97; Bourogiannis 2018a: 65; Stampolidis 2019: 495-96; Stampolidis et al. 2019. On Al Mina, see Kourou 2012: 41-42; previously, e.g., esp. Boardman 1980, 38–40, 1990.
(3) Whitley 1991: 9.
(4) Note that this date is not as fixed in stone as many might expect but apparently comes to us courtesy of calculations done by Aristotle, among others; see S. P. Morris 1989: 48; Swaddling 1999: 7, 10; Crowther 2007: 5-6; Nelson 2007: 48–54; Papadopoulos and Smithson 2017: 975n14.