قيل في معنى (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ) [البقرة: 224] عدة أقوال، هي:
1. لا تجعلوا الله حاجزاً وحائلاً يمنعكم من القيام بالأعمال الحسنة ورعاية التقوى والإصلاح بين الناس، وبتعبير آخر: لا تضعوا الله عُرضة (معترض وفاصلة) بينكم وبين الأعمال الصالحة، أي لا تقولوا إننا لا نستطيع أن نقوم بتلك الأعمال لأننا أقسمنا بالله ألا نفعل ذلك.
إذن، فمفردة (عُرضة) قد استعملت بمعنى المانع والمعترض والحائل.
2. لا تجعلوا الله حجّة ودليلاً على امتناعكم عن القيام بأعمال البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فيكون ذلك سبباً في عدم قيامكم بالأمور الخيرية.
إذن، فبقرينة المقام تكون مفردة (عُرضة) بمعنى الحجة المانعة، ودون ذلك فمعناها اللغوي لا يفيد الحجة.
ومعنى الآية وفقاً لهذا القول هو نفس المعنى السابق، باستثناء أن مفرده (عُرضة) انصرفت بقرينة المقام عن معناها اللغوي وأخذت معنى الحجة ودليل المنع.
3. لا تجعلوا الله هدفاً لأيمانكم، بحيث تقسمون باسمه فوراً في كل عمل. إذن فآية (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ) [البقرة: 224] تنهى عن الإكثار من القسم باسم الله وتعده عملاً غير محمود[1].
وهذا القول الأخير هو الأفضل، وله مؤيدات من الروايات تأتي في البحث الروائي.
ملاحظة: 1. رغم ورود عنوان (الله) في نص الآية التي هي مورد البحث، إلا أن المقصود منها ليس هو الهوية المطلقة والذات السرمدية؛ لأن الذات الأزلية لا تصير هدفاً للقسم بأية حالٍ من الأحوال، بل المقصود هو اسم الله المبارك وأمثاله. ومن الأصول التي تقوم عليها التعاليم الإلهية هو وجوب تسبيح وتعظيم وتجليل اسم الله (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى: 1] و...؛ لذا لا يجوز وضع هذا الاسم الجليل عُرضةً لأي شيء.
2. لليمين (القسم) أقسام عديدة:
أ. القسم بعنوان التحقيق والتأييد لتقرير المخبر الذي يحلف تثبيتاً لخبره.
ب. قسم المناشدة، وهو أن يطلب أحد شيئاً من آخر بأن يقسم عليه بذلك، كأن يقول له: (أقسم عليك بالله أن تقوم بالعمل الفلاني).
ج. قسم العقد، ووهو أن يعقد عقداً بما يشبه العهد والنذر، كأن يقول: (قسماً بالله سأقوم بالعمل الفلاني الراجح) أو (قسماً بالله سأترك العمل الفلاني المرجوح).
د. القسم القضائي، وسيأتي الحديث عنه في الإشارات واللطائف.
وبناء على الاحتمال الذي تم ترجيحه فـ بيحه، فإنّ إطلاق الآية التـي هـي مـورد البحث يشمل الكثير من هذه الأقسام. هذا في حين أن الآية ـ طبقاً للاحتمال الأول الذي اختاره الطبري[2] وأمثاله. لا تشمل القسمين الأول والثاني، ومع شمولها للقسم الثالث إلا أنها في نفس الوقت لا تغطي جميع الأفراد المندرجة تحتها.
[1] راجع: مجمع البيان، ج 1-2، ص 567.
[2] جامع البيان، ج 2، ص 534.