(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: 228]
خلاصة التفسير: تتضمن هذه الاية ستة أقسام:
1. مدة عدة الطلاق. 2. واجب النساء في عدم كتمان ما خلق الله في أرحامهن. 3. حق الزوج بالرجوع خلال أيام العدة في الطلاق الرجعي. 4. حقوق المرأة والرجل تجاه أحدهما الاخر. 5. تفوق الرجل على المرأة. 6. الله سبحانه عزيزا وحكيما.
ويجب على النساء المطلقات طلاقا رجعيا أو بائنا في أي سن كن أو وضعية – من جهة البلوغ أو الدخول أو الحيض أو الحمل أو بلوغ سن اليأس – أن يصبرن بعد الطلاق لمدة ثلاثة أطهار لا يتزوجن خلالها. وبناء على أن (الألف واللام) في (المطلقات) ليست للعهد حيث لا يوجد شاهد على المعهودية فهي تفيد العموم وتشمل كل مجموعات النساء المطلقات إلا أنه بقرينة: (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228] في الآية التي هي مورد البحث ودلالة بعض الآيات الأخرى أيضاً، يرد التخصيص على عموم (وَالْمُطَلَّقَاتُ) [البقرة: 228] لا النسخ، ونتيجة لذلك فإن بعض النساء المطلقات سوف يستثنين من عدة الطلاق هذه.
وقيد (بِأَنفُسِهِنَّ) [البقرة: 228] يفصح عن مشقة العدّة وصعوبة امتناع النسـاء عن الزواج المجدّد. ولبيان أهمية هذا المطلب تكرّر التأكيد عليه مرتين في الآية التـي هي مورد البحث، إذ تم بيان حكم العدّة بجملة إسميّة، كما بين بجملة خبرية لكن بقصد الإنشاء.
وجملة (إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [البقرة: 228] لـيـسـت شـرطـا كـي يـكـون لهـا مفهوم، بل هي حكم أخلاقي للترغيب في الإيمان والالتزام العملي بذلك.
وعلى النساء المؤمنات بالله والآخرة ألا يكتمن الحيض أو الطهر أو الحمل في الرحم، وقولهنّ حجّة معتبرة في هذه الموارد إن لم تتوفّر الشواهد على خلافه.
وفي الطلاق الرجعي يحق للزوج الرجوع إلى زوجته في أيام عدتها دون عقد جديد، بشرط ألا تكون نيته أذيتها، أما إذا كان ينوي تلك الأذية فالحكم الوضعي لرجوعه هو الصحة، إلا أن حكمه التكليفي هو الحرمة.
إن للزوج والزوجة حقوقاً متقابلة ومتوازنة لبعضهما على البعض الآخر، لا حقوقاً متساوية أو متجانسة؛ لأنّ المرأة والرجل صنفان من الإنسان لا نوعان منفصلان عن بعضهما، ولا سبيل إلى البحث عن الحقوق الاختصاصية لهما في الحقيقة الإنسانية المشتركة.
وقد راعي الإسلام الوضع البدني وقابليات كل من المرأة والرجل عند توزيعه للمسؤوليات العائلية والاجتماعية، فأوكل بعض المسؤوليات كإدارة العائلة إلى الرجل، وهذا لا يعني الأفضلية الذاتية للرجل على المرأة عند الله.
تفسير المفردات: قروء: جمع (قرء)[1]. وهو في الحقيقة اسم للدخول في الطهر عن حيض وفي الحيض عن طهر، ولما كان (القُرء) اسماً جامعاً للأمرين الطهر والحيض المتعقب له؛ أطلق على كلّ واحدٍ منهما أيضاً. والطاهرة التي لم تر أثر الدم لا يقال لهـا (ذات قُرء)، وكذا الحائض والنفساء اللتان استمر بها الدم لا يقال لهما ذلك؛ لأنّ القرء هو الطهر والحيض المتعاقبان. وعلى هذا فإنّ ( وَالْمُطَلَّقَاتُ... ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228] تعني أنّ عدّة الطلاق. هي الدخول من الطهر في الحيض ثلاث مرات[2].
والذي توصل إليه الراغب في تحقيقاته هو أن المقصود من (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228] هو الدخول ثلاث مرّات في الطهر لا في الحيض.
وهناك بعض الشواهد الأدبية التي تؤيد كون المقصود هو (الطهر) لا (الحبض)، مثل تأنيث كلمة (ثلاثة) التي يجب أن يكون معدودها مذكراً، وكذلك استعمال (قروء) بدلاً من (أقـراء). وسيأتي بيان وجه تأييد هاتين القرينتين في الآية.
ملاحظتان: الأولى: (قرء) من مفردات الأضداد التي تطلـق عـلـى كـل مـن حالتي الطهر والحيض. وقد جاءت كلمة (قرء) في اللغة بمعنى (الجمع) كما جاءت بمعنى (الجري). وفي حالة (الطهر) يجتمع الدم في الباطن كي يسيل في الفرصة المناسبة، ومن هنا سمّيت حالة الطهر قرءاً، كما أنه في حالة (الحيض) أيضاً يكون الدم في حالة الجريان والسيل، ومن هنا أطلقوا على هذه الحالة أيضاً مصطلح (القرء).
الثانية: لما كان أصل معنى القرء هو الجمع، وكانت القراءة أيضاً من نفس هذا الأصل، لذا سمي القرآن بهذا الاسم لمناسبة اجتماع الآيات والسور فيه، ويؤيد ذلك عبارة. (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة: 17].
أرحامهنّ: (الأرحام) جمع (الرَحِم) بمعنى رَحِم المرأة، كما يقال للقرابة الخارجة من رحم واحدة. وإن كان تلك القرابة بالواسطة. (رَحِم) و(أرحام[3]).
بعولتهن: (البعولة[4]) جمع (البغل) أي الزوج، وربما بني الفعل من لفظه ومصدره (البعولة). وقالوا في الفرق بين (البعل) و(الزوج) أن إطلاق البعل على الزوج يكون بعد المجامعة الجنسية؛ لأنّ (البعال) بمعنى النكاح[5]؛ بينما الزوج أعم من ذلك؛ لأن تحقق الزوجية يتم بمجرد صيغة العقد.
وإطلاق صفة (البعل) على الرجل الذي طلّق زوجته هو باعتبار الحالة السابقة، أو باعتبار الوصف القادم والرجوع بعد الطلاق.
للرجال: (الرجال) جمع (الرجل) بمعنى الذكر من الناس، كما يقال (رَجُلة) للمرأة إذا كانت متشبهة بالرجل في بعض أحوالها[6].
ويعتقد البعض أن أصل الكلمة يعود إلى جذر (الرِجل) وهي العضو المخصوص، وإطلاق (الرَجُل) على الذكر من الناس هو بسبب القوة التي يمتلكها؛ لأنّ الرجل أقوى نسبياً وأكثر تحرّكاً وسعياً، وهو مستقل في أعماله ومعتمد على نفسه فكأنه دائما واقف على رجله خلافا للمرأة التي تكون أكثر اعتمادا على الرجل.
وفي القرآن الكريم أيضا يأتي استعمال (الرجل) و(الرجال) في الموارد التي يراد بها مراعاة هذه الخصوصية التي يمتاز بها هذا الاصل وهي خصوصية الاستقرار والاستقلال والاعتماد على النفس وإن كانت هذه الخصوصية ادعائية أو تقديرية أو تلقينية[7].
درجة: (الدروج) هو الحركة التدريجية بدقة واحتياط الهادفة الى الترقي المادي والمعنوي (المكاني أو المكانتي) أو التطور العملي و(الدرجة) و(الدرج) هما مرتبة من مراتب هذه الحركة الصعودية[8].
تناسب الآيات: استمرار لبيان الاحكام الشرعية لبعض الموضوعات جاء الآن دور الزواج والمسائل العائلية وقد تم بيان الإيلاء وحكمه في الآية السابقة ولما كان الإيلاء ينتهي أحيانا بالطلاق فقد بينت هذه المجموعة من الآيات (228-242) أحكام الطلاق وبعض مسائله الجانبية من قبيل عدة الطلاق ورجوع الزوج الى زوجته في أيام العدة والطلاق الثالث ولزوم المحلل ورضاعة الأم المطلقة للابن الرضيع والنفقة وخطبة المرأة المطلقة ومهر المرأة قبل الدخول وبعده ومصير المرأة بعد وفاة زوجها.
كما جاء الحديث في أثناء هذه المسائل عن الصلاة وذكر الله أيضا كي يكون عاملا مساعدا في تطبيق الاحكام الالهية خصوصا لتطبيق أحكام الطلاق التي لا تخلو من إثارة العداوات غالبا مع اكتنافها بالأحقاد والغضب[9].
[1] المصباح المنير، ص 501، ق ر ء.
[2] مفردات ألفاظ القرآن، ص 668، ق رأ.
[3] مفردات ألفاظ القرآن، ص 347، رحم؛ التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 4، ص 99، رح م).
[4] مفردات ألفاظ القرآن، ص 135، ب ع ل.
[5] معجم الفروق اللغوية، ص 104.
[6] مفردات ألفاظ القرآن، ص 344 و345، رج ل.
[7] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج4 ص 71 ر ج ل.
[8] المصدر نفسه ج3 ص 191-192 د ر ج.
[9] راجع: الميزان في تفسير القرآن ج2 ص 241 الاساس في التفسيرر ج1 ص 565 نظم الدرر ج1 ص 430 تفسير البحر المحيط ج2 ص 202 التفسير الكبير مج 3 ج6 ص 112 مجمع البيان ج1.2 ص 586 التفسير المنير ج2 ص 358.