مفهوم التحقيق والاستقصاء في اللغة:
مفهوم التحقيق لغوياً:
تنطوي كلمة التحقيق في اللغتين الإنكليزية والعربية على مستويين أولهما يرتبط بالمعنى المجرد أو المعجمي وثانيهما أصطلاحي يرتبط بالصحافة المعاصرة، وبالتالي فالريبورتاج ككلمة إنكليزية ترتبط بالتقرير عكس ارتباطها بالصحافة العربية بكلمة "تحقيق"، في حين يرتبط التقرير الاستقصائي في الغرب بنوع مكتمل الشروط واضح الأسس ليعرف بالجهد الإعلامي المقصود بالكلمة أو بالصورة أو كليهما معاً، يتوخى الكشف عن واقع أو نشاط غير قانوني، وثمة مصلحة لجهة ما في محاولة طمسه أو إخفائه.
وعليه جاء في القاموس تحقق الرجل من الأمر أي تيقنه، والتحقيق ترجمة للفظة Enquete)) التي تعني البحث والفحص والتفتيش والكشف، والاستخبار والاستقصاء، ما يقضي أن التحقيق الصحفي ليس فقط نقلاً لوقائع انطلاقاً من حدث أو خبر بل هو الانطلاق من قضية أو مشكلة، أو معاناة ذات طابع عام، وبشكل مبسط وشامل بحثاً عن الأسباب، وكشفاً للخطايا واستخباراً عن الأبعاد والنتائج.
من جهته يورد المعجم الوسيط أن حقق الأمر أثبته وصدقه، وتحقق من الأمر تأكد لديه، والحقيقة الحال الثابتة يقينا، وجميع هذه المعاني شروط بديهة في التقصي الصحفي الذي يسعى إلى الحقيقة، وينشد الثابت واليقيني تجاه مشكلة تعرقل حياة الناس وتهم الرأي العام.
مفهوم التقصي لغوياً:
التقصي فيرجع باللغة إلى قصا عنه قَصُواً وقُصُوا وقَصَى وقصاء البعد والأقصى: الأبعد، ويقال: تقصاهم أي طلبهم واحداً واحداً وقَصِي بَعْدَ، فهو قَصِيٌّ وقاص، وجَمْعُهُما: أقصاء، والقُصَوَى القُصْيا: الغايَةُ البعيدة، وطَرَفُ الوادِي وأَقْصاهُ: أَبْعَدَهُ واسْتَقْصَى في المَسأَلَةِ، وتَقَصَّى: بَلَغَ الغاية، ويفهم من مجمل هذه المعاني تتبع الأثر والبعد، وكما هو معروف فإن دخول أحرف "استقصاء" على الكلمة يعني مباشرة طلب الشيء، وهكذا يشير الأصل اللغوي للاستقصائية إلى طلب الشيء وتتبع آثاره والتحري فيه بعمق والوصول إلى أبعاده العميقة والبعيدة غير الظاهرة.
يقول ابن منظور في كتابه لسان العرب إن قصا عنه قصواً وقصو قصوا وقصاً وقصاءً وقصي: بَعُدَ، وقصا المكان يقصو قصواً: بعد، والقصي والقاصي البعيد، والجمع أقصاء كشاهد وأشهاد ونصير وأنصار، وقصوتُ عن القوم: تباعدتُ، ويقال: فلان في المكان الأقصى والناحية القصوى والقصيا بالضم، والقصوى والقصيا الغاية البعيدة، وقد وردت في القرآن الكريم بقوله تعالى: "إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ" (الأنفال 42) ومن المعروف أن الدنيا مما يلي المدينة، والقصوى مما يلي مكة.
ويتبين من مجمل هذه المعاني أن التقصي هو تتبع الأثر، وكان قص الأثر مهنة معروفة في العصر الجاهلي والعصور الأولى للحضارة الإسلامية، ولاسيما أن ظروف الحياة الاقتصادية والعسكرية تتطلب ذلك، فهناك من له القدرة على تتبع الهاربين أو أثر الحيوانات والقوافل الضالة، ومازال يسمع بتشكيل لجان تقصي الحقائق التي عليها البحث عن حقيقة مشكلة ما بزيارة جميع الأماكن، والاستماع إلى شهادات جميع الأطراف في الموضوع، وغالباً ما يكون أعضاء لجنة التقصي من ذوي الخبرة المشهود لهم بالنزاهة وسعة التجربة.