يكون انقطاع حرمة الزواج مع المرأة أحيانا بانقضاء زمان معين مثل إتمام ثلاثة أطهار: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228] أو إتمام ثلاثة أشهر: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) [الطلاق: 4] أو مرور أربعة أشهر وعشرة أيام التي هي عدة الوفاة: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: 234].
كما يكون انقطاع تلك الحرمة في أحيان أخرى بظهور أمر تكويني مثل الولاة للنساء الحوامل: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: 4].
ولانتهاء حرمة زواج الزوج بالمرأة التي طلقها ثلاثة مرات فإن أي غاية من الغايات المذكورة ليست بكفاية بل يجب على المرأة أن تتزوج بشخص آخر: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: 230].
وهذا الزواج يجب أن تتوفر فيه الشروط التالية:
1. ألأ يكون على شكل ملك اليمين أو التحليل لأن هذه الموارد لا يطلق عليها (نكاح) اصطلاحا: (حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: 230].
2. أن يكون الزواج من الزوج الجديد بعقد صحيح حتما وإلا فالمجامعة من دون عقد أو بعقد فاسد ليست كافية أما المجامعة المحرمة بالعقد الصحيح مثل المقاربة في حال الحيض والإحرام والاعتكاف فلا ضرر فيها، بل يحصل التحليل بها[1]، لأن مثل هذه المجامعات المحرمة رغم إمكانية اقترانها بالكفارة إلا أنها لا حد شرعي فيها ولا يشملها حكم (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) [النور: 2].
وصعوبة مسألة التحليل هي بالقدر الذي دفع ابن العربي (وليس ابن عربي) الى قول ما نقل عنه من أنه لم يجابه أي مسألة في الفقه أصعب من هذه المسألة[2].
3. أن يكون الزواج دائما لا عقدا موقتا لأن العقد الموقت لا طلاق فيه بل تنفصل المرأة فيه عن زوجها بانقضاء الزمان المعين أو بتنازل الزوج عن بقيته في حين أن جملة (فَإِن طَلَّقَهَا) [البقرة: 230] ذكرت الطلاق باعتباره أمرا معتبرا.
4. أن تتحقق المجامعة بعد العقد الجديد وشرط المباشرة يستفاد بوضوح من الروايات[3]. وربما أمكن استفادة هذا الحكم أيضا من جملة (حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: 230] لأن الحاق كلمة (زَوْجًا) [البقرة: 230] بكلمة (تَنكِحَ) [البقرة: 230] يفهم منه مطلبان: لزوم أصل العقد الذي به تنشأ الزوجية ولزوم المباشرة التي أشير إليها في غاية الأدب بكلمة (النكاح) إذ إن عبارة (حتى تنكح غيره) كانت كافية لبيان لزوم أصل العقد ولم يكن هناك حاجة الى المجيء بكلمة (زَوْجًا) [البقرة: 230] وإن كان هذا التوجيه هو في حد الاستئناس ولا يرقى الى حد الاستدلال نعم في المورد الذي يقال فيه: (نكح زوجته) هناك ظهور في المجامعة كما أن (نكح امرأة) لها ظهور في العقد لكنها ساكتة عن الظهور في المجامعة.
إن اشتراط المباشرة مع الزوج الجديد هو عامل رادع يمنع الرجل والمرأة من الطلاق غير المبرر والعقد المحض الخالي من المجامعة لا يشكل تهديدا رادعا أو أن في ردعه ترديداً، ولو أنّ الغيارى الاستثنائيين لا يتحملون ذلك، مثلما يتنفرون من الطلاقات الثلاث أيضاً.
وبعد حصول هذه الشروط، وفي حالة تطليق الزوج الثاني للمرأة، وبعد إتمام العدة، وعند تفاهم المرأة مع زوجها السابق، يمكن لهما الزواج مرة أخرى: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا) [البقرة: 230].
والخلاصة أنه يشترط عدة أمور لتحليل المرأة المطلقة ثلاثاً لزوجها السابق، أبرزها الزواج الدائم بزوج جديد، والمجامعة، وهذا المطلب متفق عليه. لكن، هل يستفاد هذان الشرطان من الآية التي هي مورد البحث؟ أم إن أحدهما من الآية، والآخر من الحديث؟
اختار الفخر الرازي ما اختاره أبو مسلم الأصفهاني أيضاً، وهو استفادة كلا الحكمين من القرآن[4]. وربما كان تقريب الاستظهار هو نفس ما ذكرناه سابقاً، أي استفادة هذا المطلب من الجمع بين عنواني النكاح والزواج.
وجدير بالذكر أن موت الزوج الجديد هو كالطلاق، فكما يكون سبباً في تحليل المرأة للرجال الآخرين، فهو عند توفّر بقيّة الشروط يكون سبباً في تحليل المرأة لزوجها السابق أيضاً؛ لأنّ إطلاق آية (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 234] يشمل ما نحن فيه أيضاً، أي إن المرأة التي حرمت على زوجها السابق بالتطليقات الثلاث وتزوجت برجل آخر ومات هذا الزوج الثاني، فالمرأة المذكورة يمكنها الزواج بزوجها السابق عند انقـضـاء عـدة الوفاة.
وعلى هذا الأساس، فلا مفهوم للجملة الشرطية (فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا) [البقرة: 230] وطلاق الزوج الجديد ليس السبب الوحيد لتحليـل المـرأة بالنسبة إلى غير زوجها الفعلي، بل إنّ الطلاق من مصاديقه الشائعة. وبالنتيجة يكون زواج المرأة مع غير زوجها السابق مقروناً بحصول الشروط المذكورة هـو نهاية حرمتها الموقتة بالنسبة إلى الرجل الذي طلقها ثلاث مرات، وبحصول هذه الغاية يستطيع هذان الفردان أن يستأنفا حياتهما المشتركة مرةً أُخرى من خلال اتفاقهما ومن خلال عقد جديد.
تنبيه: بما أن محور البحث هو بيان طريقة حلّيّة المرأة المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول، فإنّ ضمير التثنية في (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا) [البقرة: 230] يعود إلى الزوج الأول والمرأة، لا الزوج الثاني والمرأة كما استظهره البعض[5]؛ لأنه سبق أن بينا في مبحث ( بُعُولَتِهِنَّ) [النور: 31] أن في أي طلاق رجعي يكون الزوج أولى في زمان العدة، ويستطيع بعد انقضاء العدّة أن يتزوّج مع المرأة بعقد جديد، والمقصود الحالي هـو تحليل عقد المرأة بالنسبة إلى الزوج الأول.
[2] أحكام القرآن ابن العربي ج1 ص198 الجامع لأحكام القرآن مج2 ج3 ص137
[3] راجع وسائل الشيعة ج22 ص118-123
[4] التفسير الكبير، مج3، ج6، ص104.
[5] تفسير المنار، ج 2، ص393.