كلمة (يُرْضِعْنَ) [البقرة: 233] في هذه الآية تشبه كلمة (يتربصن) في (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) [البقرة: 228] حيث جاءتا بمعنى الإنشاء لا بمعنى الإخبار. وعلى هذا، فجملة (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) [البقرة: 233] هي: جملة خبرية يراد بها الإنشاء. أي إنّه يجب على النساء أن يرضعن أبناءهنّ سنتين كاملتين، كما هي الحال في عبارة حسبك درهم المراد بها رتب أمورك بدرهم واحد»؛ إذ إنّ كون الجملة خبرية يستلزم كذبها، حيث إن الأمهات في موارد كثيرة إما أن يرضعن أبناءهن أقل أو أكثر من السنتين. وحتى لو افترضنا تأمين صدق هذه الجملة الخبرية (المفترضة) من خلال جملة (لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة: 233] فستكون من باب الضرورة بشرط المحمول، وبهذا سوف تخلو من أي فائدة خبرية؛ لأنّ المعنى في هذه الحالة سيكون: إنّ الأمهات يرضعن أبناءهن سنتين، عندما يردن أن يرضعنهم سنتين.
والجدير بالذكر أن مفاد هذه الجملة الإنشائية هو حكم إرشادي لا مولوي؛ أي إن مصلحة الطفل تقتضي أن يرضع من حليب أُمـه سنتين كاملتين؛ لأنّ حليب الأم ضروري جداً لتأمين سلامة الطفل، ولا يخلو من التأثير في أحواله النفسية والأخلاقية أيضاً. إذن، فرضاعة الطفل سنتين كاملتين ليست واجبة على الأمهات، وهو ما لم يفت به أي فقيه. ويحتمل أن يكون إرضاع الأم لطفلها مستحباً مولوياً. نعم، لو لم يكن هناك قيد (لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة: 233] لكانت الآية ظاهرة في الوجوب.
إن إرضاع الأُم لطفلها ـ خلافاً للصلاة والصوم ـ ليس (حكم الله)، بل هـو حق أعطاه الله لوالدة الطفل، ودلّت بعض الأدلة الأخرى على رجحانه أيضاً.
وعلى هذا، فالوالدة لها الحق في إرضاع طفلها لمدة سنتين كاملتين، ولها الأفضلية على المرضعة، ولكن هذا العمل ليس واجباً عليها، إلّا إذا توقفت محافظة حياة الطفل على تغذيته من الحليب الطبيعي؛ إذ في هذه الحالة يقع الواجب الكفائي على جميع النساء المرضعات. ومن بينهنّ والدة الطفل أيضاً ـ أن يرضعن ذلك الطفل. أما في الموارد التي تقتضي أن يكون إرضاع الطفل من ثدي أ أمه فقط، فهنا يصير الواجب العيني على الوالدة بأن ترضعه. ومن الواضح أن الآية التي هي مورد البحث لا تدل على أي واحد من هذه الموارد، فيكون مضمون (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) [البقرة: 233] هو إنشاء حكم إرشادي وتأييد لحق الوالدة في الإرضاع، وليس فيها حكماً مولوياً لا وجوبياً ولا استحبابياً، وفي حالة التنزّل عن الحكم الإرشادي فالآية لا يفهم منها أكثر من الحكم الاستحبابي.
تنبيه: 1. بما أن أي حق يرافقه تكليف متقابل، فالآخرون مكلفون بأن يراعوا حق والدة الطفل، لا أن يمنعوها من التمتع بما أعطاها الله من حق، فلا يقدمون غيرها عليها، على الرغم من أنها مخيّرة في التمتع بحقوقها أو التنازل عنها. وفي حالة اختلاف الوالدين، فحدّ السنتين الكاملتين هو المرجع لحل الاختلاف، وبعد ذلك فلا حق للمرأة في الإرضاع، وفي حالة مواصلتها للإرضاع فلا يجب على والد الطفل أن يدفع لها أُجرة في قبال ذلك.
2. إن كلمة (والدات) يمكن أن تكون جامعة بين الوالدات المطلقات، بحيث تكون متناسقة مع الآيات السابقة؛ كما يمكن أن تكون بمعنى الوالدات اللاتي في قيد الزوجية. لكنّ الأولى أن تكون جامعة لكلا الصنفين، كما أن ذلك يناسب الإطلاق أيضاً.
ملاحظة: أ. إن كلمة (الوالدة). وجمعها (الوالدات) ـ تطلق على الأُمّ التي ولدت الطفل. واستعمال كلمة (والدات) بدلاً من (أمهات) هو من أجل أن (أم) تطلق على الجدة وزوجة الأب ومعانٍ أُخرى كالأصل والأساس أيضاً.
كما أن استعمال (والدات) بدلاً من (زوجات) هو من جهة أن المرأة يمكن أن تكون في حال الطلاق أيضاً وهي مشمولة بهذه الآية وتجري عليها أحكامها، في حين أنها في هذه الحالة لم تعد زوجة. كما أنه بما أنّ خصوص الولادة لها تأثيرها في مسألة الرضاع، لا عنوان الأمومة ولا عنوان الزوجية؛ فقد استفادت هذه الآية وفي محور حكمها من تعابير مثل (والدات)، (أولاد)، (مولود له)، (والدة) و(ولد)؛ وذلك كي تتناسب مع الرضاع الذي يكون لخصوص الولادة تأثير فيه.
ب. نسبت هذه الآية الولد إلى الوالدة (أَوْلَادَهُنَّ) [البقرة: 233] إذن فهناك صلة مباشرة بين الولد والوالدة من جهة حرمة النكاح أولاً، والأهم من ذلك المحرمية ثانياً.. وبصرف النظر عن أن الابن يولد من الوالدة من الناحية التكوينية، إلا أنهما بينهما ترابط من الناحية التشريعية أيضاً في الكثير من المسائل الفقهية. ومع ذلك فالآية قد نسبت الابن إلى الوالد أيضاً: (بِوَلَدِهِ) [البقرة: 233] أو (الْمَوْلُودِ لَهُ) [البقرة: 233] وهذه التعابير والنسب تشويقية إلى الترغيب بالحضانة والإرضاع.