1. نسبة حقوق الوالدين في الولد عند الرضاع وبعده: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجل: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) [البقرة: 233] قال: ما دام الولد في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية، فإذا فُطم فالأب أحق به من الأم، فإذا مات الأب فالأم أحق به من العصبة[1].
تنويه: إن حقوق الوالدين في الطفل. المشار إليها في الحديث ـ في فترة الرضاعة هي من جهة حضانته. أما العصبة فهم الأقرباء.
2. مدة الرضاع ومعنى الفطام: عن حماد بن عثمان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا رضاع بعـد فطام. قال: قلت: جعلت فداك، وما الفطام؟ قال: الحولان اللذان قال الله عز وجل[2].
تنويه: إذا فطم الطفل بعد رضاعه سنتين، فلا رضاع فقهي بعد ذلك. أي إنه لا ينشر الحرمة بعد ذلك، كما أنّ الوالدة لا تتمتع بالحق الخاص.
وتوضيح ذلك أنّ الحدّ الأكثر لمدة الإرضاع التي يكون لها أثر فقهي من نشر الحرمة وحكم النسب هو سنتان.
ويجب الالتفات إلى أنّ هذا الحدّ هو من طرف واحد ويمثل تحديداً بالنسبة إلى الأزيد من السنتين، لا للأقل منهما.
وتوضيح ذلك أنّ النصاب أحياناً يكون بالنسبة إلى الطرفين، حيث يكون الأقل والأكثر من النصاب في هذه الحالة غير مشمولين بحكمـه مثـل الطواف سبعة أشواط حول الكعبة في أعمال الحج.
كما أن التحديد في أحيان أخرى يكون باعتبار أحد طرفي النصاب. مثل قصد الأيام العشرة للمسافر، وحدّ الكُر للماء، حيث إن الإثنين هما بالنسبة إلى الأقل من الحد فقط. أي إنّ المسافر الذي ينوي الإقامة أقل من عشرة أيام – لا أكثر منها ـ تكون صلاته قصراً، والماء الذي يكون أقل من حدّ الكرّ ـ لا أكثر منه يتنجس عند ملاقاته بالنجاسة.
كما أنه قد يكون أحياناً بالنسبة إلى الأعلى من النصاب. مثل إرضاع الطفل الذي يكون الحد الأكثر لمدّته التي تتضمن أحكاماً فقهية هو سنتين لا أقـل مـن ذلك. وإرضاع الطفل الذي أتمّ. سنتيه لا يرتب حكماً فقهياً كنشر حرمة الزواج. ولا ريب في أن هذا البحث خاص بالمرضعة لا الوالدة.
إن الإرضاع خلال السنتين ينشر حرمة النكاح يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب[3]. وهذه المسألة لا ربط لها بحق الوالدة في الإرضاع؛ لأن الوالدة هي محرم ولها حرمة نكاح أيضاً.
3. أولوية إرضاع الوالدة: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي حُبلى؛ أنفق عليها حتى تضع حملها. فإذا وضعته أعطاها أجرها، ولا يضارها إلا أن يجد من هو أرخص أجراً منها؛ فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحق بابنها حتى تفطمه[4].
عن فضل أبي العباس قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل أحق بولده أم المرأة؟ قال: لا بل الرجل. فإن قالت المرأة لزوجها الذي طلقها: أنا أرضع ابني بمثل ما تجد من ترضعه فهي أحق به[5].
عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: الحبلى المطلقة ينفق عليها حتى تضع حملها وهي أحق بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أُخرى يقول الله عزّ وجل: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ) [البقرة: 233][6].
تنويه: استناداً إلى مفهوم الرواية الأولى وظاهر الروايتين الثانية والثالثة، فلو أرادت الوالدة الأجرة المتعارفة في قبال إرضاع طفلها، كانت لها أولوية حقوقية لإرضاع طفلها على بقية النساء المرضعات. ولو أنها أرادت أكثر من المقدار المتعارف، فهنا يسقط عنها حق أولوية الإرضاع، ويكون الوالد حـراً في اختيار الوالدة أو المرضعة لإرضاع الطفل.
والرواية الثالثة استندت في توجيه حرّيّة الوالد على النهي عن الإضرار في الآية التي هي مورد البحث لكن أي واحد من الوالدين لا يحق لـه الإضرار بالولد نتيجة الافتراق عن بعضهما، مثلما لا يحق لهما الإضرار ببعضهما بسبب الطفل.
4. مصداق آخر للإضرار: عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ) [البقرة: 233]؟ فقال: كانت المراضع مما يدفع إحداهن الرجل إذا أراد الجماع، تقول: لا أدعك، إني أخاف أحبل فأقتل ولدي هذا الذي أرضعه. وكان الرجل تدعوه المرأة فيقول: أخاف أن أجامعكِ فأقتل ولدي؛ فيدعها ولا يجامعها؛ فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك أن يضار الرجل المرأة، والمرأة الرجل[7].
تنويه: نقل أمين الإسلام الطبرسي رحمه الله أيضاً هذه الرواية عن الإمامين الباقر والصادق عليها حيث فسّرا ولا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا بترك جماع الرجل مع المرأة بحجة الخوف من الحمل الذي يتعارض مع إرضاع الطفل الرضيع وكذلك بإباء المرأة عن قبول المجامعة الجنسية بالحجّة المذكورة، ثمّ قال بعد نقله للأوجه المتعدّدة ولا تناقض بين هذه الأقوال في تطبيق المضارّة، إذن فالأولى هو حمل الآية على معنى يجمعها كلها[8].
أما الآلوسي فقال: إنّ هذا المطلب يقوم على سببية معنى (الباء) ومجهولية فعل (تُضَارَّ) ولا يظهر وجه لطيف للتعبير بالولد في الموضعين، وبذلك تخرج الآية عن مقتضى سياقها، ومن المستبعد أن يكون الباقر والصادق عليها قد أقدموا على مثل ذلك الذي زعمه هذا الراوي الكاذب[9].
ولكن التدبر في الآية والتأمل في الحديث كفيلانِ بأن يبينـا مـا في التفسير المذكور من مناسبة، فمضمون هذا الحديث يمكن أن يكون واحداً من مصاديق الآية. بمعنى أن هذه الرواية قد بيّنت بعضاً من مصاديق الإضرار لا تمام تلك المصاديق، لأنها ليست بصدد الحصر. ولا شك في أن للنقاش في السند في جميع الموارد مكانه الخاص به.
5. معنى (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ): عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وأما قوله: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ)، فإنّه نهى أن يضار بالصبي، أو تضار أُمه في رضاعه وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين[10].
عن أبي الصباح، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول الله (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ) [البقرة: 233] قال: لا ينبغي للوارث أن يضار المرأة، فيقول: لا أدع ولدها يأتيها؛ ويضارّ ولدها إن كان لهم عنده شيء، وولا ينبغي له أن يقتر عليه[11].
عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن قوله: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ) [البقرة: 233] قال: هو في النفقة، على الوارث مثل ما على الوالد[12].
6. انتخاب المرضعة اللائقة: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تسترضعوا الحمقاء؛ فإنّ اللبن يعدي، وإنّ الغلام ينزع إلى اللبن. يعني إلى الظئر ـ في الرعونة والحمق[13].
عن جعفر عن أبيه عليهما السلام: إن علياً عليه السلام كان يقول: تخيروا للرضاع كما تخيرون للنكاح، فإن الرضاع يغير الطباع[14].
7. أهمية حليب الأم: عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس للصبي لبن خير من لبن أمه[15].
تنويه: إن التناسق الموجود في نظام الخلق يجعل غذاء الطفل مطابقا لهويته. فالطفل الذي يأتي الى الدنيا من امرأة معينة يكون كل وجوده متناسبا مع التركيبة الوجودية لوالدته ومن هنا يكون أفضل غذائه هو ذلك الغذاء الذي توفره مصانع الوالدة حيث يكون حليب الأم متغيرا من الرقة الى الكثافة تبعا لنمو الطفل عبر السنتين مسايرا في تحوله لنمو جهاز هضم لدى الطفل.
[1] تفسير العياشي، ج 1، ص 120.
[2] الكافي، ج 5، ص 443؛ وسائل الشيعة، ج 20، ص 385.
[3] الكافي، ج 5، ص 437؛ وسائل الشيعة، ج 18، ص 248.
[4] الكافي، ج 6، ص 45؛ وسائل الشيعة، ج 21، ص 471.
[5] الكافي، ج 1، ص 44-45؛ وسائل الشيعة، ج 21، ص 471.
[6] من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 510؛ وسائل الشيعة، ج 21، ص 455.
[8] مجمع البیان، ج 1-2، ص 587-588.
[9] روح المعاني، ج 2، ص 221.
[11] تفسير العياشي، ج 1، ص 121.
[12] تفسير العياشي، ج 1، ص 121.
[13] الكافي، ج 6، ص 43؛ وسائل الشيعة، ج 21، ص 467.
[14] وسائل الشيعة، ج 21، ص 468.
[15] عيون أخبار الرضا عليه السلام ج2 ص38 وسائل الشيعة ج21 ص468