هذه المبادئ تحتاج إلى مقدمةٍ وهي أنَّ عمل المسلم أو عمل المؤمن هو عمل مُحترم ما لم يكن مُخالفًا للجانب الشرعي، وهذا العمل المُحترم قطعًا له قيمة، وهذه القيمة تختلف باختلاف نوعية العمل، وما يهمنا هنا ونريد أن نسلط الضوء عليه، هو كيف نتعامل مع أعمال منتسبينا؟
فمثلًا: رئيس القسم كلَّف زيدًا بعمل ما - ووصف له العمل - بالتأكيد سيذهب زيد للقيام بما كُلف به، وينشغل به لساعات أو ربما أيام يشغل فيه تفكيره، ويجهد به نفسه، ولعل بعض الأعمال تأخذ حصة من الراحة أو النوم وحتى الطعام، إلى أن ينجز ذلك العمل، ويقدمه بين يديك، وهو بكامل الثقة بأنه أنجزه على أحسن ما يُرام (بحسب اعتقاده) وليس بالضرورة أن يكون ذلك هو واقعه، لكنه بالتأكيد يعتقد بتماميته وإلا لم يُقدم على تقديمه لك، والآن وبعد أن أصبح العمل أمامنا، ماذا علينا فعله؟
نحن هنا أمام حالات:
الحالة الأولى: أتجاهله تمامًا - كونه لم يُعجبني - وهو بعد أن قضى أيامًا وليالي لإنجازه، ولكني اختصرت الأمر، بأن وضعْتُ عمله على الطاولة وتركته!
الحالة الثانية: أُستخفّ بعمله وبما أنجزه، وأسمعه كلمات لاذعة.
الحالة الثالثة: أُطري على عمله وأشجعه عليه، وأقول له: أحسنت، فعلًا هذا العمل جيد.
الحالة الرابعة: أقتنع بعمله تمامًا، دون أن أُبين له ذلك، وأكتفي بأن أستلمه منه، مُبيّتا في داخلي أني سأنسب ذلك العمل لنفسي وأقدمه لإدارتي على أنني من قمت بذلك العمل! مع اطمئناني بأن ذلك المنتسب - صاحب العمل - لا يتصل بالمسؤولين ليُخبرهم بالواقع، أو وبمقتضى سلطتي -أخفته - وأوحيت له بعدم إقدامه إلى إخبار أحد بذلك!
والمثال المادي على هذه الحالة، هي أشبه ما تكون بعامل يخرج من الصباح حتى المساء ليقوم بعمل يجني منه آخر النهار مالاً يُريد به أن يشتري لعياله ما يحتاجوه من طعام وغيره، لكنه يتفاجئ بسرقة ماله من قبل (لص)! فهل يمكن أن تتصور مقدار الأذى وخيبة الأمل الذي سيشعر به ذلك الرجل؟! ولذلك الشارع المقدس حكم بجزاء شديد مع السارق، كما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].
وللأسف مثل هذه الحالة - الممقوتة شرعًا وعرفًا - موجودة؛ ونحن هنا نتحدّث عن جهد يُسرق والأنكى أن الشخص المسروق لا يستطيع أن يوصل صوته إلى المعنيين؛ فلا يسمعه أحد أو لكونه غير معروف، بسبب أن مسؤوله لا يبرِّز طاقات وقدرات ملاكات قسمه، فيكونوا دائما في الظل ولا أحد يعرفهم!.
إذًا سرقة الجهود من الأمراض الروحية، ودنس خبيث، قد يدب في سلوكيات البعض من المسؤولين الذين لم يتأدبوا بآداب أهل البيت (عليهم السلام).
وبالطبع أن الحالة الثالثة هي المطلوبة، وهي من ندعوا للعمل عليها ونأمل أن تتفشى بين صفوف أخواننا المسؤولين، وهي أن يقوم المسؤول بتشجيع المنتسب (العامل) عند إكمال عمله، ويثني عليه ويُعرّفه للآخرين، ويحفظ جهوده، فهو جهد مُسلّمٍ بذل فيه الكثير من وقته وتفكيره، فيحتاج إلى الثناء والإطراء بما يستحقه.
الحالة الخامسة: وتتمثل بكيفية التعامل مع من يُقدّم عملًا ضعيفاً، أو سيئًا تشوبه الكثير من الأخطاء والوهن، فكيف عليّ أن أتعامل معه؟
التفتوا إلى هذه النقطة وهي: أن علينا أن نؤمن بقاعدة وهي: (أنَّه لا يوجد إنسان سوي لا يصلح لكل شيءٍ)! وأنت بفطنتك وخبرتك وحرصك على جودة العمل وعلى من يعمل معك، عليك أن لا تصر على الشخص الذي تكرّر منه الفشل في تقويم عمله أن يُقدم عملًا تامًا، فلربما يكون (قاصرًا) في أداء ذلك العمل وكما نعبر عنه بـ(الفاعل غير قابل)؛ أي هو لا يمتلك القابلة لأن ينجز أكثر مما وقع منه، فإن أنت حملته أكثر من طاقته وقدراته، فالمشكلة فيك وليس فيه!
وعليه فالسبيل الصحيح هو أن تجد له مكانًا وعملا آخر يُبدع فيه، وماهية وتشخيص ذلك المكان والعمل الذي يُناسبه يعود إلى خبرتك وفطنتك في مثل هكذا حالات.
نعم يمكن أن تنصحه بالقول: أن جهدك ووقتك الذي بذلته جيد وممتاز، لكني سأحتفظ بهِ لوقتٍ آخر؛ كونه ينفع في مورد ليس أوانه الآن، وبذلك قد حافظت على دوافعه في العمل، ولم تكسر عزيمته، وبذلك أمّنته بل أمّنت نفسك من أن تكون مثالًا لما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (فَإِنَّ مَنْ كَسَرَ مُؤْمِناً فَعَلَيْهِ جَبْرُهُ)(1)، فأنت كمسؤول عليك أن تحذر من عواقب سلوكياتك مع موظفيك حتى لا تحمّل نفسك أوزارًا مضاعفة لا قِبل لك على تحمل آثارها يوم تقف بين يدي الله تبارك وتعالى الذي لا تُضيع عنده مظالم الناس مهما صغُرت.
لاحظوا هناك رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) يتحدّث فيها عن علم أهل البيت (عليهم السلام) والرواية طويلة نأخذ منها محل الشاهد، فيقول:(.. فِيهَا كُلُّ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ حَتَّى الْأَرْشُ فِي الخَدْشِ، وَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَيَّ فَقَالَ: تَأْذَنُ لِي يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّمَا أَنَا لَكَ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ، قَالَ: فَغَمَزَنِي بِيَدِهِ وَقَالَ: حَتَّى أَرْشُ هَذَا..)(2)، محل الشاهد هو أن الله سبحانه وتعالى يحاسب حتى على الأرش(3) في الخدش، أي يحاسب على كل صغيرة فضلا عن الكبيرة.
والنتيجة هي علينا أن نتأدب بآداب أهل البيت (عليهم السلام)، في تعاملاتنا مع من يعمل معنا، وأن نحافظ على جهده الذي يقوم به منذُ وصوله إلى محل عمله في الصباح وبكل طمأنينة، محفوفا بدعاء والدته، حيث يقضى وقتًا مضنيا في إنجاز ما كلّف به وبكل إخلاص وجدية.
فالمدير الناجح هو الذي ينهض بقسمه ويُمكّن فريق عمله، ويمدهم بكل ما يحتاجونه ليقدموا أفضل ما عندهم، مع إشعارهم بالمحبة والرحمة واللطف بهم، فيضفي على أجواء العمل حالة من التفاؤل والبركة، فيبارك الله تعالى بإنتاجه.
_________________________________
(1) الكافي: ج2، ص45.
(2) الكافي: ج1، ص239.
(3) الأرش: الدية، ومنه: أرش الجراحات، وأرش الكسور. معجم المعاني.