كما كان هناك احتمالان حول المراد من كلمة (وَالصَّلَاةِ ) [البقرة: 43] فتعيين (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ) [البقرة: 238] أيضاً فيه أقوال واحتمالات نقل الطبري[1] أربعة أقوال منها، والقرطبي[2] عشرة منها، وصاحب نيل الأوطار[3] ثمانية عشر قولا[4].
وبعد أن نقل بعض الأقوال في روح المعاني قال: «وقيل وقيل»[5]؛ أي إن هناك آراءاً عديدة قيلت في هذا المجال يصعب حصرها.
والمهم هو معنى (الوسطى)، حيث يوجد هنا أيضاً رأيان:
1. أن (الوسطى) هي مؤنّث (الأوسط)، بمعنى المتوسط بين شيئين؛ فتكون (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ) [البقرة: 238] هي الصلاة التي تقع وسط الصلوات الخمس.
والمقصود من الصلوات في هذا الاحتمال هي الصلوات الخمس، وذكر الصلاة الوسطى يكون من قبيل ذكر الخاص بعد ذكر العام بسبب أهميته، مثل ذكـر جبرائيل وميكائيل في آية (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) [البقرة: 98]. وربما كان مجرد الأهمية هو السبب أحياناً في ذكر أحد الأمور الخاصة، حيث تكون الخصوصية منحصرة في التركيز على أهميته لا في أصل الحكم. مثل (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) [التوبة: 36] حيث إن ظلم النفس بحد ذاته قبيح دائماً، ولا اختصاص له بالأشهر الأربعة الحرم، ولكن لأهميته فقد تم التصريح به.
2. أن (الوسطى) هي بمعنى (الفضلى). وعلى أساس هذا المعنى والمعنى الأول لكلمة (الصَّلَوَاتِ) [البقرة: 238] فالصلاة الوسطى هي إحدى الصلوات الخمس التي تكون أفضل من بقية الصلوات اليومية.
والاحتمال الآخر ـ بناءً على نفس هذا المعنى. هو أن يكون المراد بالصلاة الوسطى هو الصلاة الكُثرى فضيلةٌ، أي الصلاة التي تكون مقترنة بالخشوع وحضور القلب. وعلى هذا المعنى تكون (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ) [البقرة: 238] المعطوفة على جملة (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) [البقرة: 238] قد جاءت للترغيب بحفظ الصلاة مع الخشوع وحضور القلب.
إلا أنه من الواضح أ أن هذا الاحتمال لا يتناسب كثيراً مع المعنى الأول لكلمة (وَالصَّلَاةِ) [البقرة: 43] إلا بالكثير من التأمّل الذي أشرنا إليه في بحث مفردات الآية.
[1] جامع البیان، مج 2، ج 2، ص 734-752.
[2] الجامع لأحكام القرآن مج 2، ج 3، ص 190-194.
[3] نيل الأوطار، مج 1-2، ج 1، ص 311-312.
[4] التبيان، ج 2، ص 275؛ مجمع البیان، ج 1-2، ص 599-560.
[5] روح المعاني، ج 2، ص 235.