روى عن رسول الله (صلى الله عليه واله) انه قال: ان الله سبحانه أهدي الى أمتي هدية لم يهدها الى أحد من الأمم تكرمة منه عز وجل لنا، فقيل له وما ذلك يا رسول الله؟ فقال (صلى الله عليه واله): الإفطار والصلاة في السفر، فمن لم يفعل ذلك فقد رد على الله هديته [1]، وروى عن الصادق (عليه السلام) انه قال: أنا بريء ممن يصلى أربعا في السفر [2]، وروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال: من قصر الصلاة في السفر وأفطر فقد قبل تحفة لله سبحانه وكملت صلاته [3].
واعلم ان السفر على أربعة أوجه: أولها واجب وثانيها ندب وثالثها مباح ورابعها قبيح.
فاما الواجب فهو مثل سفر من وجب عليه حج أو عمرة واما المندوب فهو مثل سفر القاصد الى الزيارات وما أشبهها.
واما المباح فهو مثل سفر التجارة وطلب الأرباح لذلك وطلب القوت لأنفسهم ولاهليهم ، وأما القبيح فهو مثل سفر متبع السلطان الجائر مختارا ، ومن هو باغ أو عاد ، أو يسعى في قطع الطريق ، وما أشبه ذلك ومن طلب الصيد للهو والبطر.
فأما أصحاب الوجوه الثلاثة التي هي الواجب والندب والمباح فعليهم التقصير في الصلاة والصوم، وأما أصحاب الوجه الرابع وهو القبيح فعليهم الإتمام في الصلاة والصوم ، ومن كان سفره في طلب صيد التجارة لا لقوته وقوت عياله واهله فقد ورد أنه يتم الصلاة ويفطر الصوم [4].
ومن سافر سفرا يلزمه فيه التقصير فلا يجوز له ذلك حتى يخفى عليه أذان مصره أو يتوارى عنه جدران مدينته خرابا كانت أو عامرة، فإن كان باديا فحتى تجاوز الموضع الذي يستقر فيه منزله ، وان كان مقيما في واد حتى تجاوز أرضه ، وان سار عنه طولا حتى يغيب عن موضع منزله.
ومن مر في طريقه على مال له أو ضيعة يملكها ، أو كان له في طريقه أهل أو من جرى مجراهم ونزل عليهم ولم ينو المقام عندهم عشرة أيام كان عليه التقصير.
والسفر الذي يلزم فيه التقصير هو ما كان مسافته ثمانية فراسخ أو ما زاد على ذلك أو أربعة فراسخ إذا نوى العود من يومه ، وقد ذكر التخيير بين القصر والإتمام لمن كان سفره أربعة فراسخ ولم ينو الرجوع من يومه.
وجميع من كان سفره أكثر من حضره مثل الملاح ، والمكاري ، والجمال والبدوي إذا طلب القطر والنبت ، والرعاة ، والأمراء الذين يدورون في اماراتهم ، والجباة الذين يسعون في جباياتهم ، ومن يدور من سوق الى سوق في تجارته ، فإن الإتمام لازم لهم ولا يجوز لأحد منهم التقصير الا ان يقيم في بلده عشرة أيام ، فإن أقام ذلك قصر ، وان كان مقامه خمسة أيام قصر بالنهار وتمم بالليل والتقصير في السفر وكذلك الإفطار فيه في شهر رمضان واجبان ، فمن صلى صلاة رباعية على كما لها كان عليه الإعادة ، الا ان يكون لم يقرء الآية [5] في ذلك.
ومن خرج من بلده الى بلد آخر، ومن قريته إلى قرية أخرى في دون المسافة التي حدت للتقصير، لم يقصر وان خرج من ذلك البلد أو تلك القرية إلى بلد أخر ونوى المقام فيه عشرة أيام أو أكثر كان عليه الإتمام وان كان بين البلد الثاني وبين بلده الذي خرج منه أولا ، المسافة المحدودة ، وكذلك لو انتقل من مكان الى غيره ولا مكان بينهما الا وهو ينوي المقام فيه عشرة أيام أو أكثر من ذلك. والأماكن ليس بين واحد منها وبين ما يليه المسافة المحدودة لم يجز التقصير في شيء من ذلك.
فان خرج من بلده الى بلد يقصر الى مثله، الصلاة ولم يصل الى آخر المسافة المضروبة للتقصير حتى بدا له الرجوع الى بلده كان عليه الإتمام.
وإذا كان للبلد طريقان من موضع خروج الإنسان ، وأحد الطريقين دون المسافة والطريق الأخر فيه المسافة ، أو أكثر منها فسار في أحد الطريقين لغير علة لم يقصر ، فان كان الطريق الذي هو أقل مسافة مخوفا ، أو شاقا أو كان له في الطريق الأبعد حاجة تدعوه الى المسير فيه كان عليه التقصير. ومن سافر الى بلد ونوى أنه ان لقي زيدا اقام عنده عشرة أيام كان عليه التقصير حتى يلقى زيدا ، فاذا لقيه واقام عنده على نية المقام عشرة أيام كان عليه الإتمام.
والمسافر إذا نزل في موضع نوى فيه الإقامة عشرة أيام كان عليه الإتمام فإن نوى المقام أقل من ذلك قصر ، فان لم ينو شيئا أو سوف نفسه بالخروج فقال اليوم أخرج ـ أو غدا اخرج ، ولم يستقر له نية في مقام ولا مسير كان عليه ان يقصر ما بينه وبين شهر ، فان كمل الشهر كان عليه الإتمام.
وإذا نسي المسافر صلاة وذكرها في الحضر قضاها صلاة مسافر ، وان نسي صلاة في الحضر وذكرها في حال السفر قضاها صلاة حاضر وإذا شك ولم يعلم هل الصلاة التي نسيها ، صلاة حضر أو سفر ، كان عليه ان يصلى صلاة حضر.
والمسافر إذا دخل بلدا ونوى المقام عشرة أيام ثم صلى وبدا له في المقام وكان قد صلى منها ركعة أو ركعتين لم يجز له قصرها ، بل عليه إتمامها لأنه دخل بنية مقيم ونوى السفر قبل إتمامها ، فإذا دخل في صلاة الظهر ونوى المقام قبل ان يصلى ركعتين أو صلى ركعتين ونوى المقام قبل ان يسلم كان عليه إتمامها أربع ركعات وليس عليه استئنافها ، وان سلم في ركعتين ونوى المقام كان عليه الإتمام فيما يستقبل ، فان نوى المقام وهو في صلاة لظهر وسلم من ركعتين كان عليه استئناف الظهر اربع ركعات ، والمسافر إذا أتم الصلاة متعمدا أو ناسيا وكان الوقت باقيا كان عليه الإعادة.
ومن أبق له عبد فخرج في طلبه وقصد بلدا ـ يقصر في مثله الصلاة ـ وقال : ان وجدته قبل ذلك البلد رجعت لم يجز له التقصير لأنه لم ينو سفرا يقصر الصلاة فيه ، وان لم يقصد بلدا ونوى انه يطلبه حيث بلغ لم يكن له القصر لأنه شاك في المسافة المحدودة للتقصير وان نوى قصد ذلك البلد سواء وجد عبده قبل الوصول اليه أو لم يجده ، كان عليه التقصير لأنه نوى سفرا يجب التقصير فيه.
فاذا خرج وهذه نيته ثم رجع عن هذه النية وعزم على العود الى وطنه وترك القصد الى تلك البلدة ، يقطع سفره هاهنا وكان في رجوعه مستأنفا للسفر فان كان بين هذا المكان وبين بلده مسافة يقصر فيها الصلاة ، كان عليه التقصير ، وان لم يكن كذلك كان عليه الإتمام.
والمسافر في البر والبحر والأنهار و [6] في جميع أحكام السفر من تقصير وإتمام على حد سواء لا يختلف الحال في ذلك ، وإذا دخل المركب في البحر إلى جزيرة من جزائره أو موضع يقف فيه فالحكم فيه كالحكم في دخوله الى بلد وكل موضع يجب فيه التقصير أو الإتمام. فإن خرج الى مسافة يقصر في مثلها وردته الريح كان له التقصير لأنه ما رجع ولا نوى مقاما.
فأما صاحب السفينة فإنه يجب عليه التمام لأنه ممن يجب عليه الإتمام مع [7] جملة المسافرين.
ومن سافر إلى مكة حاجا وبينه وبينها مسافة يقصر فيها الصلاة ونوى المقام بها عشرة أيام كان عليه التقصير في الطريق والإتمام إذا وصل إليها.
فإن خرج منها الى عرفات، ليقضى مناسكه بها ـ ولا ينوي المقام بمكة عشرة أيام إذا رجع إليها ـ كان عليه التقصير لأنه قد نقص مقامه بسفر ـ بينه وبين بلده ـ قصر في مثله، وان نوى ـ إذا قضى مناسكه بعرفات ـ المقام بمكة عشرا إذا عاد إليها ، كان عليه التمام إذا عاد إليها. فإن كان يريد ـ إذا قضى مناسكه ـ المقام عشرة أيام بمكة أو بمنى وعرفة ومكة حتى يخرج من مكة مسافرا فعليه الإتمام بمكة والتقصير في منى وعرفات الى ان ينوي المقام بها عشرا فعليه حينئذ التمام، وقد ذكر ان عليه التقصير والأحوط ما ذكرناه أولا.
ومن سافر الى موضع فخرج من بلده الى مكان ـ بينه وبينه مسافة دون المسافة المحدودة للتقصير، ونوى ان ينتظر فيه والمقام عشرة أيام أو أكثر، فإذا اجتمعوا سافروا منه سفرا يجب فيه التقصير عليهم ـ لم يجز له التقصير حتى يسيروا من ذلك المكان الذي يجتمعون فيه ، لأنه لم ينو بالخروج الى هذا المكان سفرا يقتضي التقصير. وان لم ينو المقام عشرة أيام ، وانما خرج بنية انه إذا اجتمعوا ساروا ، كان عليه التقصير ما بينه وبين شهر ، ثم يتم بعد ذلك.
والمسافر إذا صلى خلف المقيم لم يلزمه الإتمام معه، وإذا أم المسافر بمسافرين ومقيمين وأحدث ثم استخلف مقيما صلى المقيم على التمام ولم يلزم المسافرين ذلك ومن شيع مؤمنا وكان مسافة سفره معه ثمانية فراسخ ـ أو أربعة إذا عزم على الرجوع من يومه ـ كان عليه التقصير.
ويجوز للمسافر الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين العشائين، وليس عليه شيء من نوافل النهار، والذي عليه من النوافل قدمناه حين ذكرنا أعداد نوافل السفر في ما تقدم، وليس يجب على المسافر صلاة الجمعة ولا العيدين.
ويستحب له ان يقول عقيب كل صلاة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فان في ذلك جبرا لصلاته، وقد روى انه يستحب له الإتمام في أربعة مواضع: وهي مكة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر، [8] ووردت رواية أخرى انه يستحب الإتمام في حرم الله تعالى وحرم رسوله (صلى الله عليه واله) وحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) وحرم الحسين (عليه السلام) [9] والتقصير هو الأصل، والعمل به عندي في هذه المواضع وغيرها أحوط. فأما ما يوجب إعادة صلاة السفر فسنذكره في ما يوجب إعادة الصلاة بعون الله ومشيئته.
واما معنى التقصير فهو ان يصلى كل صلاة رباعية، ركعتين فأما ما عدا الرباعيات من الصلاة فالمسافر يصليها كما يصليها في الحضر سواء.
___________________________
[1] الوسائل ، ج 5 ، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر ، الحديث 11 ، والمتن مطابق لما في ( دعائم الإسلام ) ، ج 1 ، ص 195 ، الا ان في الدعائم « الإفطار وتقصير الصلاة في السفر».
[2] جامع الأحاديث ، ج 7 ، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر ، ص 25 ، الحديث 23 ، ودعائم الإسلام ، ج 1 ، ص 195.
[3] جامع الأحاديث ، ج 7 ، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر ، ص 24 ، الحديث 18 ، ودعائم الإسلام ، ج 1 ، ص 195 ، الا ان فيهما « فقد قبل تخفيف الله عز وجل.
[4] جامع الأحاديث ، ج 7 ، الباب 13 من أبواب صلاة المسافر ، ص 61 ، الحديث 6.
[5] أي آية التقصير في السفر.
[6] كذا في النسخ ، ولعل كلمة « واو » زائدة.
[7] كذا في النسخ ولعله تصحيف والصحيح «من جملة المسافرين» كما في المبسوط، ج 1، ص 138.
[8] الوسائل، ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 26 و29.
[9] الوسائل، ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 24.