يرى كلٌّ من Hoffman, Adams أنَّ تلك القردة التي عُثر على دفناتها بجبَّانة هيراكونبوليس HK 6 إنما هي تعكس ارتباطًا رمزيًّا بشروق الشمس، لا سيما وأنَّ القردة كانت عادةً ما تهلل لمشرق الشمس، فارتبطت بها بعلاقة رمزية (1). واعتبر المصري القديم هذه القردةَ مرتلةً لنشيدٍ يمجِّد شروق الشمس في الصباح، بل وعند الغروب، مما أكَّد الاعتقادَ بارتباطها بالشمس (2).
بينما يرى Kaplony ارتباطَ القردة بفكرة إعادة الميلاد والبعث والتجديد؛ إذ اشتهر قرد البابون بقدراته الجنسية، وربما تمثِّل دفناته رمزًا لارتباطات جنائزية تتعلَّق بإعادة البعث (3).
هذا، ولقد كان قرد البابون هو التجسيدَ الأكثر قِدَمًا للرمز المقدس، الذي رمز للمعبود Hd-Wr بمعنى «الأبيض العظيم»، وهو ذلك الإله القرد (4)، الذي عُبِد في هيراكونبوليس وأبيدوس (5) ⋆ بدءًا من عصرِ ما قبل وبداية الأسرات (6). وعُثر له منذ هذا العصر على العديد من التماثيل التي جاءت بهيئة القرد الجالس (7).
ولقد اعتُبر القرد في العصور التاريخية رمزًا للمعبود جحوتي، ذلك المعبود الذي اعتُبر في الديانة المصرية القديمة «رب الحكمة»، وذلك لأنَّ قرد البابون، الذي اتخذه جحوتي رمزًا له، كان يتميز بالهدوء والرزانة والذكاء والحكمة (8).
ولا شكَّ أنَّ المصري القديم كان قد لاحظ ذلك، فجعل له تلك القداسة التي ظهرت إرهاصاتها الأولى بدءًا من عصرِ ما قبل الأسرات، وظلَّت واستمرَّت طوال مراحل العصور التاريخية (9).
وإذا كانت الدارسة بتلك الآراء تحاول تفسيرَ دفنة القرود السبعة التي عُثر عليها بهيراكونبوليس، إلا أنه لا يزال البحث مستمرًّا، وما زالت أعمال الكشف والتنقيب مستمرةً، وقد تكشف عن الجديد في المستقبل، ولا يمكن أن نقرِّر ونثبِت ما إذا كانت تلك القردة مرتبطةً بعبادةٍ ما في حياتها أدَّت إلى الاهتمام بدفنها بعد موتها في هيراكونبوليس، أم إنَّها كانت بمثابة حيوانات مفضَّلة لأصحابها، فدُفنت معهم بنفس الجبَّانة، أم هي من الحيوانات التي كان قد ضُحي بها، كنوع من الأضحيات الحيوانية الهامة (10)، وما كلُّ ذلك إلا دليل على اهتمام المصري بالقردة وحبِّه لها وتقديسها منذ أقدم العصور.
وبتلك الدفنات الحيوانية التي عُثر عليها بهيراكونبوليس — سواء دفنات لقردة أم لغيرها من الحيوانات الأخرى — نرى كيف أنَّ جبَّانة العظماء بهيراكونبوليس كانت أشبهَ بحديقة حيوان، أو بمعرض للعديد من الدفنات الحيوانية التي جاءت بقاياها بالجبَّانة، والتي يرى بعض الباحثين أنها كانت لحيواناتٍ أُسِرت قصدًا ليُضحي بها، لتصبح بذلك الجبَّانة HK 6 بهيراكونبوليس، جبَّانة فريدة، أشبه بمعرض للحيوانات الملكية، التي اصطبغت في كثيرٍ من الحالات بدلالة رمزية أو باعث ديني معيَّن (11).
وأخيرًا … لم يقف حدُّ تقديس القردة في عصرِ ما قبل وبداية الأسرات، على العثور على دفنات هيراكونبوليس، وإنما عُثر على دلائل تقديس القردة في مواقعَ أخرى (12)، ⋆ وامتدَّ ذلك التقديس زمنيًّا حتى العصر المتأخر، ووصل حتى النوبة السفلى (13).
................................................
(1) Hoffman, M., The first Egyptians, Carolina, 1998, p. 44.
(2) Rosalind and Janssen, J., Op. Cit., p. 20؛ أدولف إرمان، «الديانة المصرية القديمة»، ص22–23.
«ويتأكد ارتباط القردة بالشمس في التعويذة رقم 16 من كتاب الموتى، إذ ذُكر فيه القردة باعتبارها تابعةً لرحلة إله الشمس، بينما التعويذة رقم 126 تجعل لهم ارتباطًا بالإله رع؛ إذ نقرأ فيها ما نصُّه: «يا أيتها القردة الأربعة الجالسة في مقدِّمة مركب الإله رع»، واللافت للنظر أنه عُثر على إرهاصات ذلك في معبد تل إبراهيم عوض؛ إذ عُثر على نموذج لقارب من الفيانس يعتليه أربعة من القردة، جالسة بداخله، ظهر منها بوضوح ثلاثة قردة، بينما الرابع يتضح إثره فقط، وإن كان قد وضَح بالقارب وجودُ بقايا مقاعد لسبعة من القردة، وليس ثلاثة فقط، وكانت وكأنها تهلِّل وتتقافز. يُؤرَّخ هذا النموذج بالعصر العتيق». انظر: Sherkova, T. A., “Seven baboons in one boat” in: Ancient Egyptian temples at tell Ibrahim Awad, Moscow 2002, p. 116.
(3) Kaplony, P. , “Pavian” in: LÄ, vol. 4 col. 918.
(4) Bonnet, H., Op. Cit., p. 7; Kaplony, P., “Hedj wer” in: LÄ, vol. 2, col. 1078; Saied, A. M., Op. Cit., p. 384.
(5) ⋆ ثبتت عبادة «حدج ور» في أبيدوس من خلال اللقى الأثرية التي عُثر عليها هناك، والتي كان أهمها البطاقة العاجية الخاصة بالملك سمر خت. هذا وقد عُرف القرد أيضًا باسم WRW أي «العظيم»، وارتبط بعبادة الأسلاف، ووضح ذلك في عهد الملك زوسر بالأسرة الثالثة، وارتبط القرد باحتفال عيد السد «الحب سد»؛ انظر: Wilkinson, T. A. H., Early dynastic Egypt, London, 1999, p. 285.
(6) Germond, P., An Egyptian Bestiary, London, 2001, p. 163.
(7) Schott, E., “die sockelin shrift des” in: Rde, vol. 21, 1969, pp. 77, ff. Narmer.
(8) Brunner-traut, E., “Affe” in: LÄ, vol. 1. col. 83 ff.
(9) Belova, G. A., Op. Cit., p. 160; Drewer, D., “Hunting, animal husbandry and diet in ancient Egypt” in: Collins, B. J., A history of the animal world in the ancient near east, Leiden, 2002, p. 456.
(10) Merceron, G., “The diet of captive Baboons: results of dentalmicroware analysis” in: NN, vol. 15, 2003, p. 13.
(11) Friedman, R., “Questions and answers” in: NN, vol. 15, 2003, p. 19.
(12) ⋆ عُثر على العديد من دفنات القرود في شمال سقارة، وعُثر على سراديبَ ومقابرَ أسفل سطح الأرض، اشتملت على دفناتٍ لقردة تُؤرَّخ بالعصور التاريخية، وكانت تلك السراديب قد اشتملت على الكثير من مومياوات القردة الكبيرة: Goudsmit, J., Belova, G. A., Op. Cit., p. 162; Jones, D. B.,
(13) “Mommies of Olive Baboon and Barbary Macaoues in the Baboon Catacomb of the Sacred Animals Necropolis at North Saqqara” in: JEA, vol. 85, 1999, pp. 45–53; Perizoniu, R., Attia, M., “Monkey Mommies and North Saqqara” in: Egyptian Archaeology, vol. 3, 1993, p. 32. وللمزيد عن القرد في مصر القديمة دينيًّا وحضاريًّا، انظر: غادة محمد محمد بهنساوي، «القرد المقدَّس في مصر القديمة: دراسة دينية أثرية منذ أقدم العصور حتى نهاية الدولة الحديثة»، رسالة ماجستير غير منشورة، القاهرة 2006م.