برامج التصحيح الاقتصادي
ولمعالجة الأسباب الخاصة لأزمة الدين والتي ترتب عليها حرمان تلك الدول من التمويل الدولي لجأت كل من الدول المتــوقـفــة عن الدفع الى المنظمات الدولية ممثلة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمساعدتها في وضع وتنفيذ برامج تصحيح تعيد اليها مصداقيتها الائتمانية الخارجية والتي تبقى شرطاً ضرورياً لحصول تلك الدول على التمويل الدولي اللازم لتحقيق وتائر نمو مرتفعة ترفع من مستوى معيشة مواطنيها وتدعم امالهم في مستقبل افضل.
وقد هدفت جميع برامج التصحيح الى اتخاذ الاجراءات التشريعية والادارية والمالية والنقدية الهادفة الى ازالة مواطن الخلل الناتجة عن تراكمات التدخل الحكومي السابق، وتأثيرها السلبي على التركيبة الهيكلية لاقتصادها الوطني.
ولا بد من الاشارة هنا الى تفاوت نتائج برامج التصحيح بين دولة وأخرى. فقد استطاعت بعض الدول تنفيذ هذه البرامج بنجاح على صعيد تجمعات الاقتصاد الكلي، ولا تزال تعمل على ازالة التأثير السلبي لذلك النجاح المتمثل في ارتفاع نسب البطالة والفقر المتوقع خلال الفترة الأولى
من تلك البرامج، قبل ان تعم الفوائد على جميع المواطنين في فترات لاحقة. في حين فشلت بعض الدول في توليد الارادة السياسية والإدارة الاقتصادية اللازمة لتحمل قساوة برامج التصحيح في مراحلها الأولية، ولا زالت تعاني من التعثر ولو بنسب متفاوتة.
في المحصلة لا بد لكل دولة مدينة ان تتحمل وزر تصحيح اقتصاداتها وتهيئتها للحاق بركب الاقتصاد العالمي، خاصة وان نجاحها يضمن حصولها على مصادر التمويل متعدد الجهات التي تعتبر شرطاً مسبقاً لحصولها على التمويل الدولي الثنائي والتمويل الدولي التجاري. ويتأتى هذا من خلال ضمان المؤسسات الدولية المقرضة تغطية فجوة التمويل الخارجية External Gap وذلك من خلال توصياتها الايجابية بالنسبة لإعادة جدولة الديون الثنائية المستحقة بشروط ميسرة وآجال طويلة واعتماد خطة برادي لمعالجة الديون التجارية.
خطة برادي:
على أثر اقتناع المنظمات الدولية ومجموعة الدول الكبرى بعدم قدرة الدول المدينة على استئناف النمو الاقتصادي وتسوية ديونها في نفس الوقت، تقدم وزير الخزينة الأمريكية نيكولاس برادي في عام 1989 بخطته لمعالجة المديونية التجارية لدول العالم الثالث. وقد اعتمد لهذه الغاية الأساليب المعروفة في اسواق الولايات المتحدة لمعالجة الشركات المتعثرة U.S .Corporate Work-Out Transactions والتي تعتمد على ثلاث محاور رئيسية:
1- تمنح البنوك الدائنة الدول المدينة خصماً يتراوح ما بين 30% و50% حسب كل حالة على حدة مقابل ضمان تسديد الرصيد المتبقي بعد الخصم وفوائده، وقد تم توفير هذه الضمانات من خلال تقديم الدول لسندات خزينة أمريكية Year Zero Coupon Bonds 30 تم تمويل شرائها من المنظمات الدولية، في اطار برامج التصحيح المعتمدة.
2- يشترط للحصول على الخصم المذكور قيام الدول بتبني برامج تصحيح اقتصادي جدية تقترن بشهادة حسن اداء يصدرها صندوق النقد الدولي وذلك لضمان استمرار تلك الدول في خدمة ديونها .
3- يحول رصيد الدين بعد الخصم الى سندات قابلة للتداول سميت سندات برادي، وذلك لتمكين البنوك الدائنة من تنويع مخاطرها بشكل اوسع من جهة وتمكين الدول المدينة من شراء ديونها من الأسواق الثانوية بخصم قد يكون اكبر بالنظر لتذبذب اسعار سندات برادي بتباين أكبر بكثير من تباين اسعار سندات الخزينة الأمريكية الضامنة لها من جهة اخرى.
وبالفعل فقد نجح العديد من الدول في اطفاء نسبة كبيرة من سندات برادي التي اصدرتها في ظل عوامل سوق مناسبة وذلك خلال الحقبة الأخيرة من القرن العشرين.