وفقاً لما يظهر من الآية الشريفة وما يفيده بعض الروايات، فالموت في (حَذَرَ الْمَوْتِ) هو الموت الطبيعي نتيجةً لمرض الطاعون[1]؛ وهو ما يعتقده أكثر المفسرين أيضا[2].
لكن البعض تخيل أن مورد الآية ليس قضية خارجيـة وهـي خـروج آلاف الناس من موطنهم للفرار من الطاعون بل هي مجرد مثال. بمعنى أن المجموعة الواسعة من الناس الذين يسكتون على ظلم المتجاوزين ولا ينتفضون ولا يقاومون، ولا يهتمون بأوطانهم ولا يعملون على ضمان استقلالهم وحرياتهم ووحدة أراضيهم، هم في الحقيقة موتى من الناحية السياسية والمعنوية؛ لكن سيظهر في الأجيال اللاحقة رجال أحرار وواعون يردّون بثورتهم ظلم المعتدين إلى نحورهم، وبنضالهم هذا يستعيدون مرّةً أُخرى حياتهم التي فقدوها سابقاً[3].
ويرد على هذا التفسير إشكال انعدام الدليل أو القرينة عليه، بل إنّ هذا التفسير يخالف ظاهر الآية الشريفة من جهتين:
1. إن الموت والحياة في الآية الشريفة ظاهران في إرادة الإماتة والإحياء الطبيعيين والمتعارفين؛ في حين أن هذا التفسير يحملـه عـلى الموت والحياة الاجتماعيين والسياسيين. نعم، تتوفر في بعض الآيات قرينة على أن المراد من الموت والحياة هو الموت والحياة المعنويان، مثل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال: 24] لأن المخاطب في (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) [الأنفال: 24] هم أشخاص أحياء فيكون المراد من الحياة في الآية هو الحياة المعنوية.
وكذلك مثل آية (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) [الأنعام: 122] حيث إن المراد من الميت. بقرينة (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا) [الأنعام: 122] ـ هو الشخص الميت معنوياً نتيجة لشركه وضلاله، وأنّ الله سبحانه أحياه معنويا وأيقظـه مـن خلال الوحي.
وكذلك مثل آية (لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) [يس: 70] التي كان المراد من الحياة فيها. طبقاً للشاهد الداخلي... هو الحياة المعنوية؛ حيث إنّ ذيل الآية هو إتمام للحجّة على الكافرين الأحياء، كما أنّ مورد الإنذار أيضاً هم أُناس أحياء يقبلون الموعظة. ونتيجة هذا هي أن الحياة في الآية أيضاً هـي حـيـاة معنوية.
2. يلزم. طبقاً لفهم هذه المجموعة من المفسّرين ـ التفصيل بين مراجع الضمائر المتشابهة لهذه الآية، مع عدم توفّر أي مصحح أو قرينة، حيث اعتبروا المراد من ضمائر الجمع في (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا) [البقرة: 243] هـم النـاس الخانعون للظلم وغير المقاومين، حيث يكونون أحياءً في الظاهر لكنّهم أموات في الحقيقة بسبب حياتهم الذليلة. كما اعتبروا الماد من ضمير الجمع في (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) [البقرة: 243] هـم الأشخاص الأحرار من الجيل اللاحق، وهم الذين نهضوا وأوصلوا أنفسهم إلى الحياة المعنوية عن طريق تخليص أنفسهم من ذل الخنوع[4].
فعلى ما ذهبوا إليه فالجيل الماضي كانوا خاضعين للذل وأمواتاً معنويين، والجيل اللاحق لهم كانوا أحياءاً معنويين من خلال كفاحهم. إلا أن ظاهر الآية يقول إن من تم إحياؤهم هم هؤلاء الخارجون من المدينة الذين صاروا أمواتاً بأمر الله، ولا تتوفر قرينة نقليّة أو عقلية على التفكيك خلافاً لظاهر الآية كي يمكن التمييز بين مراجع الضمائر على أساسها.
ولا شك في انتفاء الحاجة إلى التفكيك إذا أخذنا بنظر الاعتبار الوحدة القومية التي لا يصعب على الباحث العثور على شواهدها في القرآن، والتي استفاد منها تفسير المنار أيضاً استفادة واسعة.
[1] راجع: البرهان، ج 1، ص 514-515؛ الدر المنثور، ج 1، ص 741-743.
[2] راجع مجمع البيان، ج 1-2، ص 604-605؛ الكشاف عن حقائق التنزيل، ج1، ص290.
[3] راجع: تفسير المنار، ج 2، ص 457-458؛ الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 279-281.
[4] راجع: تفسير المنار، ج 2، ص 458.