قال (عليه السلام): ((وَأَعْلَمُ أَنَّكَ لِلرّاجي (1) بِمَوْضِعِ إِجابَةٍ، وَلِلْمَلْهُوفينَ بِمَرْصَدِ إِغاثَةٍ، وَأَنَّ فِي اللهْفِ إِلى جُودِكَ، وَالرِّضا بِقَضائِكَ، عِوَضاً مِنْ مَنْعِ اْلباخلينَ، وَمَنْدُوحَةً عَمّا في أَيْدي المُسْتَأثِرينَ)) (2).
هناك بعض المفردات لها مقابل، ومقصودي من المقابل المعنى المواجه للمفردة، مثلاً إنسان يفرح، وفي مقابل الفرح الحزن، والإنسان ضاحك وفي مقابل الضّحك البكاء.
وهناك حالة نُعبّر عنها حالة الرضا في مقابل حالة السّخط، وهناك إنسان راضٍ وإنسان ساخط، ولعلّه من جملة الأخلاق التي يمتحن فيها المؤمن هي مسألة الرّضا بقضاء الله تعالى، وهذه من المسائل التي تحتاج الى تحمّل، والتّحمّل في بعض الحالات يكون شديداً، لا يقوى عليه أي أحد، وإنَّما تحتاج الى دربة كثيرة على الإنسان، وأن يسلّم أمره الى الله تعالى بحيث يرضى بقضائه، وقضاء الأمور التي أبرمها الله تعالى.
ولاحظوا قضيّة مهمّة ما دمنا في الدّعاء أنَّ القضاء هو الأمر الذي أبرم واستحكم وجرت عليه السُّنن، وهذا الأمر قطعًا يكون لصالح الإنسان؛ لأنَّ هذا بمقتضى التّحبّب ومقتضى الرّحمة ومقتضى الرّأفة من الله تعالى، وهذه من أسماء الله الحسنى فنحن نقرأ: ((يَا حَبِيبَ مَنْ تَحَبَّبَ إِلَيْكَ)) (3)، وفي دعاء كميل: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء)) (4).
ودائمًا القضاء يكون في مصلحة الإنسان، لكنّه أحيانًا لا يفهم المصلحة، ولا يفهم جواهر الأمور، بعض أمور القضاء لا يستطيع الإنسان أن يتحملها، ولذلك فإنَّ البلاء في الوقت الذي يؤجر الإنسان عليه، لكن هذا لا يعني أن نسأل الله تعالى أن يصيبنا ببلائه وإنَّما كما جاء عن أبي الصادق (عليه السلام): ((سَلُوا رَبَّكُمُ الْعَافِيَةَ)) (5).
ونقرأ في الصحيفة السجادية في دعاء الثالث والعشرين دعاء العافية وشكر العافية ((وَأَلْبِسْنِي عَافِيَتَك)) (6)؛ لأنَّ مسألة القضاء ومسألة الابتلاء من الصعب أن يصمد أمامها الإنسان، وإنَّما تحتاج الى توفيق، وإلى تحمّل، وبعض الناس لا يتحملون، والطاقات تختلف.
كان أحدهم قد أُسر في أيّام الحروب الإسلاميّة مع الروم، فحاول الروم أن يرجعونه عن عقيدته فلم يرضَ بذلك، فأصرّ على عقيدته والتّمسّك بالشهادتين، وحاولوا أن يستخدموا معه بعض الأساليب النّفسيّة، وحينما جاءوا بقدور مملوءة بزيت يغلي، وقالوا إن لم تتراجع نرميك في الزيت، فبدأ يبكي وتوقّع هؤلاء أن يتراجع، وسألوه ما يُبكيك؟ هل خفت من الزيت؟ قال: لا والله، وإنَّما هي نفسٌ واحدة، وأنا أتمنّى أن تكون لي سبعون نفسًا تُرمى كلّها في الزيت، وأُبعث وأُنشر وتُرمى على أن أتنازل عن تلك العقيدة. هذه قدرة على التّحمّل، وفي بعض الحالات يضعف الإنسان أمام المغريات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وفي نسخة أخرى: للراجين.
(2) مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد:2 / 583.
(3) المصدر نفسه: 2 / 585.
(4) المصدر نفسه: 2 / 844.
(5) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، مشهد، 1406 هـ، الأولى: ص 337.
(6) الصحيفة السجّاديّة: ص 112.