يظهر من قيد (مِن بَعْدِ مُوسَىٰ) [البقرة: 246] أن هذه الحادثة قد وقعت بعد مرحلة موسى الكليم عليه السلام وفي هذا المجال يمكن استنتاج المطالب التالية من القرآن الكريم:
1. مجيء عدة أنبياء بعد رحيل موسى الكليم عليه السلام حكموا استنادا الى أحكام التوراة وحافظوا على الشريعة الموسوية: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ) [المائدة: 44] وأحد هؤلاء الانبياء هو النبي الذي وردت قصته في هذه الآيات.
2. إن لأحقية هذا النبي وقومه بالنسبة الى زمان النبي موسى عليه السلام يستفاد منها أن بني اسرائيل يستذكرون صراعهم مع آل فرعون وانتصارهم عليهم وما أظهر من معجزات موسى الكليم عليه السلام آنذاك لذا لم تكن جميع دوافع القتال مع الطواغيت وكل عوامل النصر متوفرة لهم فحسب بل لم يكونوا يرون في ما حولهم ما يردعهم عن القتال كنا أن نبيهم هو خليفة ذلك النبي العظيم الذي أغرق فرعون ورهطه في البحر بأمر الله وهكذا ذهبوا بعزيمة راسخة الى نبيهم وطلبوا منه أن ينتخب قائدا عسكريا لهم: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا) [البقرة: 246].
3. لما كانت الفترة التاريخية بين الواقعتين المذكورتين طويلة وقد قال البعض بامتدادها لعدة قرون فيكون من المستبعد جدا أن يكون النبي المقصود في عبارة (لِنَبِيٍّ لَّهُمُ) [البقرة: 246] هو النبي يوشع رفيق سفر النبي موسى عليه السلام لأن الفترة الفاصلة بين النبي داود الذي كان يعيش في عصر ذلك النبي وبين يوشع هي عدة قرون[1].
ملاحظة: جاءت كلمة (نبي) في (قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ) [البقرة: 246] بصيغة النكرة أي إنه مضافا الى عدم ذكر اسم ذلك النبي فإن لفظ (نبي) جاء من دون أداة التعريف أيضا كالألف واللام أو الاضافة وسبب ذلك يكمن في انعدام الحاجة الى تعريفه.
وعلة عدم ذكر اسم نبي بني اسرائيل هي أن أسلوب القرآن الكريم في بيان الوقائع التاريخية يقوم على ذكر النقاط المهمة التي لها دورها في هداية وتربية الناس لأن القرآن الكريم كتاب هداية لا كتاب رواية ومن هنا لم يذكر اسم نبيهم مثلما لم ينقل بقية تفاصيل القصة أيضا.
يضاف الى هذا أن اغفال اسم النبي ليس من الامور المهمة أصلا لأن القرآن الكريم اكتفى بتسمية 24 نبيا فقط من مجموع الانبياء الذين بعثهم كما بين قصة البعض منهم دون أن يشير الى قصة الكثيرين منهم: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ...) [النساء: 164].
[1] الجامع لإحكام القرآن مج2 ج3 ص222