صحافة ثورة العشرين في العراق:
تعد ثورة العشرين من المفاخر الوطنية في تاريخ العراق المعاصر وقد برهنت هذه الثورة على الروح الوطنية التي يتمتع بها الشعب العراقي ومثلت نزوعهم إلى الحرية والاستقلال ضد الاحتلال البريطاني وتُعدّ الصحافة من أهم الوسائل التي التفت العراقيون إليها في كفاحهم السياسي لإنجاح الثورة وتحقيق الأهداف التي اندفع في سبيلها، لقد كثفت الإدارة البريطانية في العراق أساليبها التعسفية وذلك لخدمة سياستها ومصالحها فيه الا ان شعب العراق لم يرضخ للاحتلال الجديد، وبدأ العراقيون نضالهم الذي توجوه بالثورة الشعبية الكبرى التي انفجرت ضد الاحتلال البريطاني في 30 حزيران 1920 (1).
وقد كان لصحافة ثورة العشرين تاريخ مشرق يستحق التدوين للاطلاع والعبرة وقد عملت ثلاث صحف في خلال الثورة فكانت تنطق بلسان الثوار وتنشر أخبارهم وحركاتهم وتعبر عن أهدافهم ومقاصدهم واحدة في بغداد واثنان في النجف الاشرف ففي بغداد فكر حزب العهد بالاشتراك مع بقية أعضاء الأحزاب الوطنية السرية في إنشاء جريدة تخدم الثورة ضد الاستعمار البريطاني وقد الحوا على حكومة الاحتلال في طلب الإذن بإصدارها فمنحتهم امتيازها بعد تردد ومماطلة رغماً عن نشوب الثورة وقد أخذ الامتياز عبد الغفور البدري أحد رجال الحزب.
وقد صدرت صحيفة الاستقلال يوم 28 أيلول 1920 وكانت تحمل على صدرها عبارة إنها جريدة يومية عربية حرة ولكنها بسبب ندرة الورق ومصاعب الطباعة جعلتها أسبوعية وكانت ذات نزعة قومية من ترويستها التي كانت تحمل النص الآتي: (جريدة تبحث عما يهم العرب عامة والعراق خاصة). وتولى تحرير صحيفة الاستقلال قاسم العلوي كما كتب فيها الكثيرون من رجال الأحزاب الوطنية بدون توقيع وساهم في كتابتها علنا الشيخ محمد مهدي البصير وسلمان الشيخ داود. وقد اهتمت هذه الصحيفة بالمقال الافتتاحي فكانت في الغالب تعالج القضايا الوطنية وتطالب بفسح مجال الحرية وتبرهن على استعداد الشعب للاستقلال وقد عنيت بمشروع الحكومة المؤقتة التي الفتها سلطة الاحتلال تخلصاً من أزمة الثورة وتمهيداً لتأسيس دولة العراق.
وقد ناصرت صحيفة الاستقلال أول ما ظهرت سياسة البيت الهاشمي في النهضة العربية وعضدت حركة الملك فيصل في دفاعه عن عرش سوريا وبقية بلاد العرب وكتبت تعليقات تؤيد ثبات الملك فيصل في موقفه وقد جاهدت صحيفة الاستقلال في شرح أسباب الثورة وهي مشتعلة وتحليل عوامل الاستياء والنقمة من حكومة الاحتلال، وكتبت في فوائد الأحزاب وتولت تنفيذ ما ورد على السنة بعض الرجال البريطانيين في مجلس العموم، وردت على أكاذيب الصحف البريطانية التي شاءت ان تشوه الجهاد الوطني للشعب العراقي وقد ناضلت هذه الصحيفة من أجل وحدة العراق وشعبه حيـث نشرت على صفحاتها العديد من المقالات التي تحث العراقيين على التسامح والإخاء على اختلاف أديانهم وقومياتهم وتوثيق عرى الوحدة الوطنية بينهم.
وفي يوم 9 شباط 1921 عندما عاد بعض المنفيين الوطنيين إلى بغداد صدر عدد خاص من الاستقلال يحمل التهنئة للأمة ويؤكد إعلان البرنامج السياسي للكفاح الذي يتضمن المطالب الآتية:
1. إطلاق حرية الصحافة وتطبيق قانون المطبوعات العثماني.
2. إطلاق حرية الاجتماعات وتشكيل أندية سياسية رسمية.
3. إرجاع المبعدين والمنفيين والسماح لهم بالعودة إلى وطنهم العراق.
4. إصدار العفو العام من دون قيد أو شرط عن جميع السياسيين وإطلاق سراح السجناء.
5. رفع الإدارة العرفية العسكرية والأحكام الكيفية عن الشعب العراقي.
6. رفع المحاكم العسكرية والقضاة العسكريين وتطبيق القوانين الجزائية والحقوقية.
7. الإسراع في الانتخاب الحر وتشكيل المؤتمر العام من دون مداخلة رجال الاحتلال وبدون أي تضييق على المواطنين بخصوص الانتخابات.
فلما صدر هذا العدد من الصحيفة وكان له تأثير في المجتمع العراقي عطلتها الحكومة ولم تتجاوز العدد السادس والأربعين فقط، وأوقفت مديرها واحد عشر رجلا بينهم محررها وزملاؤه وبعد مدة قصيرة من الزمن أفرج عن سبعة من هؤلاء الموقوفين ونفي رجلان منهم هما (عارف حكمت) احد أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب حرس الاستقلال و (أنور النقشلي) سكرتير مجلس النواب وحكمت المحكمة على الباقين وهم (عبد الغفور البدري) صاحب الامتياز ومديرها المسؤول بالسجن لمدة سنة وعلى (قاسم العلوي) رئيس تحريرها بالسجن لمدة ستة أشهر والشيخ (مهدي البصير) من محرريها ومن خطباء الثورة بالسجن تسعة أشهر كما قررت المحكمة تعطيل الصحيفة سنة كاملة.
ويظهر ان حادث تعطيل صحيفة الاستقلال قد شغل الحكومة البريطانية في بغداد وأتعبها بدليل ان سكرتيرة المندوب السامي البريطاني المس بيل كتبت إلى أبيها رسالة في 13 شباط 1921 تقول: ان أهم حوادث الأسبوع عودة المنفيين من جزيرة هنجام بينهم أحد زعماء الثورة من بغداد الذي أوقف ولده في اليوم الثاني مع بعض المهيجين من أصحاب صحيفة الاستقلال أو المحررين.
أما في النجف الاشرف فقد أصدر محمد باقر الشبيبي الكاتب الخطيب والشاعر السياسي صحيفة باسم (الفرات) وقد صدرت يوم 15 أيلول 1920 مطبوعة في إحدى مطابع النجف وقد عبرت هذه الصحيفة عن آراء رجال ثورة العشرين وأمانيهم وأخذت على عاتقها شرح مضامين الحركة الاستقلالية في العراق ولم تقتصر على أفكار رجال السياسة وشيوخ العشائر، بل صارت مجالا لنشر آراء العلماء ورجال الأدب. وقد نشرت هذه الصحيفة الخطب السياسية التي كانت تلقى في محافل الثورة بينها خطب الحاج عبد الواحد سكر وغيره من أقطاب الثورة، يضاف الى ذلك نشر تعليمات الثوار عن الحرب والقتال في ميادين الثورة العراقية أما أخبار الثورة ووقائعها اليومية فقد خصصت لها صحيفة الفرات ملاحق تنشرها علاوة على أعدادها، وكانت الصحيفة العراقية الوحيدة التي نشرت قرار (المؤتمر العراقي) المنعقد في الشام والخاص باستقلال العراق في 7 آذار 1920 كما أذاعت خطب الملك فيصل في عاصمته دمشق.
ولم تعش صحيفة الفرات طويلا فقد توقفت عن الصدور بعد عددها الخامس لان الثورة خفتت بعض الشيء وتفرق كثير من زعمائها في أنحاء العراق ومن المنشورات التي نشرتها صحيفة الفرات يوم 30 تموز 1920 منشور مهم قالت فيه الفرات للشعب العراقي ان الوطن الذي ألزم كل فرد منكم بالدفاع عنه يلزمكم أيضاً أن تراعوا الشروط الآتية:
1. يجب على رئيس القبيلة أن يفهم كافة أفرادها بان المقصود من هذه الثورة إنما هو طلب الاستقلال التام.
2. أن يهتف للاستقلال كل من في ميادين القتال.
3. يجب تأمين الطرق وحفظ المواصلات بينكم وبين مناطق الثورة في البلاد.
4. يلزم التمسك بالنظام وتدبير الحركات ومنع الاعتداءات، فلا نهب ولا سلب ولا ضغائن قديمة ولا أحقاد.
5. من الواجب بذل الهمة لحفظ الرصاص فلا يجوز إطلاقه في الهواء بدون فائدة.
6. يجب الاعتناء بالأسرى ضباطاً أو جنوداً انكليزاً أو هنوداً.
7. يجب إبقاء أدوات التلغراف والتلفون وحفظ الأعمدة فان في حفظها منافع عظيمة للأمة، نعم يجب قطع الأسلاك البرقية إلى الحد الذي تنقطع معه مخابرات الحكومة المحتلة.
8. يجب الاهتمام بقلع السكك الحديدية ولا سيما نسف الجسور والقناطر التي يمر منها القطار.
9. يجب الاحتفاظ بما يقع تحت أيديكم من عربات النقل والسيارات والمراكب.
10. يجب حفظ المدافع والرشاشات ولا يجوز تخريب آلاتها أو تفريقها مطلقاً لأنها من أكبر وسائط الفوز وأعظم وسائل النصر.
11. يلزم حفظ الذخيرة المغتنمة كالرصاص والقذائف والقنابل وسائر أنواع البارود.
12. إذا أسقطتم مدينة أو قرية فلا تتركوها منحلة بل الواجب ترتيب حكومتها المؤقتة.
13.لا تهدموا محلات الحكومة وأبنيتها إلا إذا كانت معقلا ولا تتلفوا أثاثها لاحتياجاتكم إليها في المستقبل.
14.حافظوا على المستشفيات وكافة أدواتها وأجزائها.
15. أرفقوا بجرحى خصومكم الساقطين في الحرب فلا شيء يستحق الرفق والعطف مثل الجريح الذي يعاني من ألم جراحه.
وبعد توقف صحيفة الفرات قرر بعض القائمين بالأمر في النجف إصدار صحيفة لكي لا تبقى حركة الثورة بدون صحيفة، وقد صدرت صحيفة الاستقلال في النجف في 3 تشرين الأول 1920 وتزامنت مع جريدة الاستقلال البغدادية وقد طبعت صحيفة الاستقلال النجفية في مطبعة الشيخ صادق الكتبي ومع إنها أعلنت صدورها أربع مرات في الأسبوع إلا إنها لم تستطع المحافظة على هذه المواعيد لقلة الورق والمواد الطباعية وكان يحرر الجانب الأكبر منها مدير سياستها ورئيس تحريرها محمد عبد الحسين ويعاونه عبد الرزاق الهاشمي.
الظروف الموضوعية لصدور صحافة ثورة العشرين وإطارها الزمني:
لم يكن أمرا غير متوقع في ظروف عراق ما بعد الحرب العالمية الأولى ان تمتلك ثورة العشرين صحافة خاصة بها، ولا سيما ان المحتلين حاولوا من جانبهم تجريد الفئة المثقفة الثورية العراقية من وسائل العمل الفعال بين الجماهير. فقد أدرك الانكليز جيداً أن الشعب العراقي بلغ مستوى يفرض وجود صحافة تعبر عن أمانيه وطموحاته وتلبي جانبا من حاجاته الثقافية، لذا حاولوا ملئ هذا الفراغ الفكري بأنفسهم وبأسلوب يخدم وجودهم في العراق ومن هنا كان إصدارهم لمجموعة من الصحف منذ أن وطئت أقدامهم أرض العراق ومن هنا جاء اهتمامهم الكبير بموضوع الطباعة والصحافة ولكن ما كان بوسع الانكليز ان يحققوا ما كانوا يبتغونه من سياستهم هذه الأمر الذي جاء توضيحه جليا على لسان شاعر الثورة محمد مهدي البصير (إذ يقول ان من أهم الأخطاء التي أثارت سخط الشعب العراقي على الحكومة ووقعت في نفوس المفكرين من أبنائه أسوأ وقع خنق الحرية الفكرية ونع إصدار أي جريدة سياسية غير الجرائد الرسمية وقد أدت مصادرة حرية الصحف في البلاد إلى رغبة لا حد لها في قراءة الجرائد السورية الحرة وصحف مصر).
إذن كان من الطبيعي أن تتحول حرية الصحافة عشية الثورة إلى أحد مطالب الوطنيين العراقيين الرئيسة. فقد قدم الوفد الذي مثل إحدى المظاهرات التي سبقت انفجار الثورة بأقل من شهرين عريضة إلى وكيل الحاكم العام البريطاني تضم مطاليب المتظاهرين. وكان مطلبهم الثاني إطلاق حرية الصحافة فورا ليستطيع الشعب التعبير عن شعوره الوطني ويشرح مطاليبه واحتياجاته ثم أن تقارير الشرطة السرية في بغداد التي تعود إلى تلك المرحلة تؤكد أن حرية الصحافة هي واحدة من المطالب الأساسية التي نادى بها الخطباء والمجتمعون في الاحتفالات الدينية وفي الجوامع ويشير احد التقارير ان الشيخ محمد مهدي البصير قد طالب في اجتماع عقد بجامع الحيدرخانة بتاريخ 17 حزيران 1920 جمهور الحاضرين بتقديم احتجاج شديد على تأخر سلطات الاختلال البريطاني في الاستجابة لمطالب الوطنيين العراقيين حول إطلاق حرية الصحافة ويشير تقرير آخر إلى أن المجتمعين بجامع الوزير يوم 15 تموز 1920 طالبوا بصحافة حرة ان هذا هو العامل الموضوعي الأول والأساس الذي فرض ظهور صحافة خاصة تنطق بلسان ثورة العشرين فضلا عن ذلك الحاجة إلى نشر مشاعر وطنية تأجج العواطف وتشد العزائم وتوضح أهداف الثورة وتدحض ادعاءات أعدائها وتذيع أخبارها ومكاسبها وانتصاراتها ولا سيما بعد ان تضاربت الآراء والأنباء في المرحلة الأولى لاشتعال الثورة لقد صدر العدد الأول من صحيفة الفرات كما ورد في صدر صفحتها الأولى يوم السبت المصادف 21 ذي القعدة عام 1338 هجرية، وطبقاً لما يتبع في معرفة التاريخ الميلادي المقابل للتاريخ الهجري وحسبما ورد في الصحف الصادرة آنذاك يصادف السبت الأول من شهر آب عام 1920، الأمر الذي يجب تثبيته في تاريخ الثورة وتاريخ الصحافة العراقية صدرت من صحيفة الفرات خمسة أعداد فقط ، وقد صادف صدور عددها الأخير يوم الأربعاء الثاني من غرة محرم عام 1339 هجرية، أي الخامس عشر من أيلول عام 1920 ميلادية وكانت تصدر بحجم صغير نسبياً (34سم × 20 سم) وقد أشرف الشيخ محمد باقر الشبيبي (1889 - 7 حزيران 1960) أحد مؤسسي جمعية حرس الاستقلال على إصدار صحيفة الفرات وحرر بنفسه معظم مقالاتها أما صحيفة الاستقلال النجفية فقد صدر عددها الأول يوم السبت المصادف 18 محرم عام 1339 هجرية، أي في اليوم الأول من تشرين الأول 1920 ميلادية وكانت الاستقلال تصدر بصفحتين فقط ولكن بحجم أكبر من الفرات وقد بلغ مجموع ما صدر منها ثمانية أعداد غطت بمجموعها النصف الأول من شهر تشرين الأول فقط من 1 إلى 14 منه وقد صدرت أربع مرات في الأسبوع بصورة منتظمة بإشراف محمد عبد الحسين الكاظمي.
ان مجموع ما صدر من صحف الثورة في النجف يبلغ 13 عدداً فقط ولم يتجاوز عمر صحافة العشرين أكثر من 53 يوماً تعادل حسب المقاييس جميعاً ردحاً طويلاً بالنسبة للأحداث التي حفلت بها دون النظر عن قصرها الزمني ويكمن السبب الحقيقي لقصر عمر صحافة ثورة العشرين وقلة أعداد جرائدها في أمرين أساسيين يتعلق الأول منهما بتأخر المثقفين في إصدار صحف تنطق بلسان الثورة الأمر الذي يعكس انعدام بعد النظر السياسي الكافي لدى القيادة، فقد مرت 69 يوماً على اندلاع الشرارة الأولى للثورة في الرميثة قبل ان يباشر الثوار بإصدار صحافة خاصة بهم مع العلم ان الطرف المقابل حولت صحافته إلى أداة فاعلة لتشويه الثورة والى عامل مساعد للحيلولة دون انتشار نيران الثورة في المناطق الأخرى.
أما السبب المهم الثاني فقد نجم عن الظروف التي عاشها الثوار فحسبما يذكر احد المطلعين على أحداثها ان صحيفة الاستقلال صدرت بتمويل شاب كان لاجئاً للثوار بالإضافة إلى ندرة ورق الطباعة وقلة المعدات الآلية ولوازم الطباعة ولكن مع كل ذلك ومع قلة أعداد صحف الثورة ومحدودية إمكاناتها فان صحافة ثورة العشرين والمشرفين عليها جديرة بالتقدير.
تقييم صحافة ثورة العشرين:
تعد صحافة ثورة العشرين تحولاً نوعياً في نضال العراقيين وأسلوب تحركهم السياسي بعد الحرب العالمية الأولى فان إصدار المثقفين لصحف الثورة لا يعد خطوة نوعية مهمة إلى أمام فحسب بل هو كذلك تجسيد لإرادة مؤثرة جديدة ظهرت فوق المسرح وقدر لها ان تؤدي دوراً كبيراً في التاريخ السياسي والفكري المعاصر في العراق وقد وجدت هذه الحقيقة تعبيراً لها في اسمى الجريدتين النجفية والبغدادية فالهدف السياسي الأساس للثورة ولمجمل الحركة الوطنية يومذاك كان الاستقلال وقد رفعت شعار (لا حياة بلا استقلال). لقد استحوذت فكرة الاستقلال على أفكار المثقفين الوطنيين العراقيين ومشاعرهم بحيث لم يكن من غير المتوقع أو من غير الطبيعي ان تصدر في أيام الثورة وفي آن واحد صحيفتان تحملان اسم الاستقلال نفسه ويمكن الوقوف على أهداف صحافة ثورة العشرين ومن خلالها على التوجهات العامة للمثقفين الوطنيين العراقيين عن طريق مقتطفات وردت في صحف الثورة نفسها فان الاستقلال حددت في افتتاحية عددها الأول أهداف صحافة ثورة العشرين بالعمل من اجل رد أضاليل المحتلين وتهمهم ونشر مظالمهم البربرية ورفع الستار عن حقيقته وتوضيح مطالب الأمة المشروعة ونشر أنباء المعارك والحوادث المحلية أما الشيخ محمد باقر الشبيبي فقد أراد من الفرات أن تكون وسيلة تنمو بها حركة الأفكار وتتم بواسطتها أسباب النهضة ودواعي الاستقلال.
وقد نشرت صحف الثورة ولا سيما صحيفة الفرات منهما مقالات سياسية عديدة بروح حماسية عالية بلغت حد التطرف في أحيان كثيرة وبأسلوب لغوي رفيع وخاطبت الفرات في افتتاحية عددها الأخير وكيل الحاكم العام البريطاني في العراق أرنولد ولسن الذي تركز عداء العراقيين له بالنص الآتي: (هون عليك يا ممثل الدولة الانكليزية إن الأمة التي ناصبتها العداء وحكمت فيها السيف وأرقت دماءها وأزهقت أرواحها عداءً محضاً وتحكماً صرفاً بلا خوف من الحق ولا وجل من العدل ستقف وإياك أمام محكمة التاريخ ليعلم من هو المجرم الذي أتلف النفوس وجنى على البشرية بلا رحمة ولا عطف، فالويل لمن صبغ الأرض بدماء الأبرياء).
لقد أسهمت صحافة ثورة العشرين في تحديد العوامل الداخلية والخارجية التي أدت الى اندلاع الثورة الأمر الذي يمكن عن طريقه دحض كل الآراء غير العلمية التي وردت في تقييم بعض المؤرخين الغربيين للثورة إذ أن محتويات صحف الثورة تبين مدى تكامل الاستقلال السياسي قكرةً وهدفاً لدى قادة الثورة بصورة غير قابلة للدحض والإنكار.
لقد أجمع المؤرخون على أن نكث الانكليز لوعودهم الكثيرة التي قطعوها للشعب العراقي يأتي في مقدمة العوامل التي دفعت الوطنيين العراقيين الى انتهاج سياسة معادية للانكليز كذلك كان للعامل الاقتصادي كان له تأثيره في كل تحرك جماهيري من النوع الذي حدث في العراق عام 1920 فمن قوانين الحياة ان الوضع الاقتصادي السيئ يخلق لدى الفرد وضعاً نفسياً يجعله أكثر استعداداً للتضحية ولتقبل أفكار المعارضة والاشتراك في الأعمال التي تعبر عن الاستياء العام ومن هذه الزاوية بالذات يجب تقييم دور العامل الاقتصادي في ثورة العشرين ومن المهم جداً ان نشير الى ان صحافة ثورة العشرين تحتوي على العديد من الحقائق والآراء التي تثبت هذا المنحى بصورة مقنعة ولا سيما ما يتعلق منها بسياسة المحتلين الضريبية التي سببت استياءً كبيراً لدى العراقيين عموماً.
ويكاد المؤرخون والباحثون بما فيهم معظم الأجانب الذين كتبوا عن تاريخ العراق المعاصر يجمعون على أن سوء الإدارة وتعالي المسؤولين الانكليز وعدم مراعاتهم للمشاعر الدينية والتقاليد المحلية الموروثة أدت الدور الأساس في إذكاء نار الحقد في نفوس العراقيين ضد الانكليز، الأمر الذي انعكس واضحاً في أحداث ثورة العشرين.
لقد سلطت بعض مقالات صحف الثورة الضوء على تفصيلات دقيقة للوحشية اللامتناهية التي لجأت إليها قوات الاحتلال البريطاني في سبيل القضاء ثورة العشرين ومن الجدير بالذكر ان صحف الثورة كانتا تحاولان استغلال ذلك لإثارة حفيظة العراقيين ضد الانكليز فتحت عنوان (فضايع المحتلين) نشرت صحيفة الاستقلال النجفية مقالة في عددها الثاني تحدثت فيها عن القتل والنهب في قرية الحمزة بالنص الآتي: (داهم الانكليز قرية الإمام الحمزة وجعلوا بيوتها هدفا لنيران مدافعهم حتى هدمتها وقد هرب سكان القرية عند أول طلقة نارية صوبت نحوهم هائمين على وجه الجزيرة رجالا ونساءً تاركين أموالهم وحيواناتهم، ولم يتخلف في القرية غير العجزة وبعض الأطفال الذين لا يزيدون عن 17 نسمة، وما إن دخل الجنود حتى قتلوا أولئك البؤساء وسلبوا ما كان هناك من حلي ودراهم وحيوانات واتلفوا كل ما يصعب نقله من أثاث البيوت... وقد أصيب حرم الحمزة بثلاث قنابل مدفعية خربت قسماً منه وخرب الجنود الحرم وقلعوا شباك القبر والصندوق الذي فوقه وكسوتهما وخربوا شبابيك النوافذ وكسروا جميع ما هناك من المعلقات ولم يقتصروا على ذلك بل أخرقوا القرائين الموجودة في الحرم وغيرها من الكتب المقدسة.
ومن خلال المعلومات الواردة عن صحافة ثورة العشرين يتمكن المرء ان يتوصل الى استنتاجات مختلفة تساعد على الوقوف بصورة أفضل على طبيعة الثورة وتفكير قادتها والعوامل التي أسهمت في إخفاقها فان مقاربة بسيطة بين محتويات صحيفتي الفرات والاستقلال تبين بوضوح مدى تناقض مفكري الثورة الحاد في الموقف من الانكليز الذي كان يتراوح بين الاعتدال المتمثل في الاستقلال والتطرف المبالغ فيه المتجسد في ثنايا أعداد صحيفة الفرات وتبين هذه الحقيقة وحدها فضلا عن أمور أخرى كثيرة وردت على صفحات الجريدتين ان قيادة الثورة لم تفهم كما يجب طبيعة الاستعمار ومنفذي سياسته فان زعماء الثورة كانوا ينظرون الى رئيس الوزراء البريطاني السابق (أسكويث) الاستعماري العتيد الغارقة يديه في دماء الايرلنديين غير نظرتهم الى رئيس الوزراء أيام الثورة (لويد جورج)، وقوموا وكيل الحاكم الملكي العام المخلوع أرنولد ولسن تقويما يختلف عما فعلوا إزاء الحاكم الملكي العام الجديد بيرسي كوكس الذي كان ولسن يعتز بكونه تلميذا مخلصاً له أراد أن ينصبه ملكاً على العراق ولكن صحيفة الاستقلال كانت تنظر الى (أسكويث) شخص يساعد الشعب العراقي حيث تمنت ان تؤدي حنكة كوكس السياسية الى ان يتبع خطة أسكويث حتى يتسنى تشكيل الحكومة العراقية المطلوبة.
وفضلا عن كل ما تقدم فان صحافة الثورة حفظت لنا وثائق ويوميات ثورة العشرين وهي تنطوي على أهمية كبيرة تؤشر لنا بوضوح إنها استطاعت بلورة موقف للحركة الوطنية العراقية من الثروة النفطية وإنها استطاعت بشكل مبكراً أن تسلط الضوء على شخصية سياسية مهمة هي شخصية نوري السعيد الذي لا يختلف اثنان في انه أشهر شخصية عراقية ظهرت فوق المسرح السياسي في العهد الملكي فقد ناصبت صحيفة الفرات العداء لشخص نوري السعيد واعتبرته رجل بريطانيا في العراق من خلال كشف صلاته السرية مع الانكليز وإيمانه المطلق بأنه إذا كان نهر دجلة لا يزال يجري، فما ذلك إلا بفضل الانكليز وحذرت الرأي العام العراقي من الوقوع في حبائله والسهر على تتبع خطواته وعرقلة مساعيه وخاطبت الناس بالقول (لا تبالوا أيها الإخوان ولا تقيموا له وزنا ولو أدعى الكلام باسم الملك حسين والملكين فيصل وعبد الله أو باسم المؤتمر العراقي الموجود في حاضرة الشام).
صحيفة الحكومة العراقية:
بالرغم من البحوث العديدة التي ظهرت عن الصحف العراقية منذ صدور صحيفة الزوراء، فان هذه البحوث لم تتمكن من الإلمام بجميع هذه الصحف وخاصة صحف الفترة العثمانية وفترة الاحتلال البريطاني للعراق ويعود ذلك الى ندرة تلك الصحف وعدم توفرها لأسباب عديدة منها عدم اهتمام الحكومة حينذاك بجمعها وحفظها وصيانتها وصحيفة الحكومة الرسمية إحدى هذه الصحف وقد أشير إليها في بعض البحوث دون تقديم أية معلومات كافية عنها بل أن أكثر الناس على اختلافهم لم يعرفوا لحد الآن صحيفة (الوقائع العراقية الرسمية) التي كانت أول صحيفة رسمية صدرت في العراق بعد الاحتلال البريطاني وقد أبدل اسمها بعد ذلك لتصبح (الوقائع العراقية).
إن تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة في تشرين الثاني 1920 أوجب وجود مثل هذه الصحيفة، إذ كان من واجب هذه الحكومة التي شكلها المندوب السامي البريطاني في العراق القيام بتنظيم مؤسسات الدولة الجديدة وتنميتها بتوجيه المندوب السامي نفسه بحكم وجود نظام الانتداب الذي فرضه مؤتمر سان ريمو على العراق في 25 نيسان 1920 فكانت وزارات هذه الحكومة بحاجة الى وسيلة إعلامية خاصة بها توضح لموظفيها البلاغات الرسمية والبيانات والقوانين التي تصدرها. كذلك فان دائرة المندوب السامي البريطاني وقبلها دائرة الحاكم الملكي البريطاني العام في العراق تفتقر الى مثل هذه الواسطة فكانت بلاغات السلطة البريطانية تنشر في الصحف السياسية التي تصدر في العراق. ففي كانون الثاني 1921 صدر العدد الأول من صحيفة (الحكومة العراقية) الرسمية في اثنتي عشرة صفحة يبلغ طول الصفحة منها 34 سم وعرضها 21 سم. ووضع في أعلى الصفحة الأولى من الصحيفة شعار المملكة البريطانية ثم يأتي تحته اسم الصحيفة بخط كبير باللغة الانكليزية (Iraq Government Gazette) وفي أسفله ترجمة بحروف صغيرة للعنوان باللغة العربية وقسمت كل صفحة في الصحيفة الى حقلين متساويين احدهما تكتب فيه البلاغات والإعلانات والقوانين باللغة الانكليزية والثاني يحتوي على ترجمة باللغة العربية لما جاء في الحقل الأول. ومن الملاحظ انه لم يحدد يوم صدور الصحيفة، بل ذكر اسم الشهر وسنة الصدور في أعلى كل حقل من الصفحة الأولى وباللغة التي كتب بها ذلك الحقل.
أما طريقة عرض مادة الصحيفة قد تصدرت البلاغات الصادرة من المندوب السامي الصفحة الأولى ثم أعقبتها في الصفحات الأخرى بلاغات الوزراء في الحكومة العراقية المؤقتة ومن ثم البلاغات الصادرة من الوزارات وأولها وزارة الداخلية. لقد استمرت الصحيفة على هذا الأسلوب والترتيب في عرض مادتها طيلة مدة صدورها التي استمرت سنتين (1921 - (1922). وبالرغم من تتويج الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق في 23 آب 1921 فان قرارات مجلس الوزراء الصادرة بإرادة ملكية لم تقدم في النشر على بلاغات المندوب السامي وهي أعلى سلطة في البلاد عمليا رغم وجود ملك وحكومة.
وابتداءً من العدد الرابع حدد لأول مرة تاريخ صدورها وهو 15 نيسان 1921 وأشار بيان وزارة الداخلية بان الجريدة ستنشر كل أسبوعين بدلا من صدورها شهريا ابتداءً من هذا التاريخ. ولقد عانت وزارة الداخلية من الترجمة الركيكة والمغلوطة أحياناً التي كانت تستلمها من الدوائر الحكومية بالنسبة لإعلانات الجريدة فاضطرت الى التنويه في أعداد الجريدة بأنها لن تكون مسؤولة عن مثل هذه الأخطاء وطلبت من الوزارات التأكد من الترجمة قبل إرسالها. ومن الملاحظ أن قسما من أعداد الجريدة احتوت على صفحة كاملة لنشر بعض القوانين بالانكليزية ثم تأتي بعدها صفحة كاملة باللغة العربية ويظهر ان ذلك يعود لعدم إمكان حصر بعض القوانين عند النشر بالحقول الاعتيادية من الجريدة. إلا ان التطور المهم الذي حدث في صحيفة الوقائع وكان له ارتباط بالأحداث السياسية هو ما ظهر في الأعداد الثلاثة الأخيرة الصادرة عام 1921 ففي العدد التاسع عشر الصادر في 30 تشرين الثاني 1921 رفع لأول مرة من الصفحة الأولى شعار بريطانيا ويعتقد أن ذلك يعود الى محاولة إبراز سلطة الملك فيصل الأول الذي توج في شهر أب من السنة نفسها لكي يعطي في الوقت نفسه انطباعاً عاماً لدى الموظفين العراقيين بان حكومة عراقية جديدة بدأت تأخذ طابعاً مميزاً يتصل بالوطن أكثر من اتصاله ببريطانيا.
وقد كانت صحيفة الحكومة العراقية (الوقائع العراقية) توزع مجانا على الدوائر الرسمية حسب حاجتها. وكانت تصدر بعشر صفحات خمس صفحات من الجهة اليمنى مكتوبة باللغة العربية وخمس صفحات من الجهة اليسرى مكتوبة باللغة الانكليزية.
______________
(1) لمزيد من التفاصيل عن ثورة العشرين انظر كل من عبد الرزاق الحسني: الثورة العراقية الكبرى، ط 5، لبنان، 1982 وعبد الله الفياض: الثورة العراقية الكبرى 1920، ط 2، بغداد، 1975.