أقرأ أيضاً
التاريخ: 26-8-2016
![]()
التاريخ: 1-8-2016
![]()
التاريخ: 10-9-2016
![]()
التاريخ: 29-8-2016
![]() |
إن استبعاد القضايا الميتافيزيقية من العلم يترك فقط الجمل ذات النمط المتجانس أي الجمل المبنية على ألفاظ إدراكية إسنادية. ولذلك إذا أردنا للعلم أن يكون تمثيلاً اقتصاديًا لخبراتنا، أى تمثيلاً باستخدام نظام موحد من المفاهيم فلابد أن نسمح فقط بالقضايا الممكن اختزالها إلى قضايا لا تشمل سوى الفاظ إدراكية إسنادية.
إذن فالمعنى الحقيقى لمذهب ماخ هو أن جميع قضايا العلم تتعامل مع الإدراكات الحسية، ولم يكن يسعى إلى طرح مقولة بشأن مسألة ماذا يتكون منه العالم، ولكنه سعى فقط إلى إبراز كيف ينبغي أن تتشكل قضايا العلم من أجل إمكان توحيد العلم، وتوصل إلى النتيجة التالية: إن توحيد العلم غير ممكن إلا باستبعاد القضايا الميتافيزيقية، وعندئذ فقط ستبقى القضايا ذات النمط المتجانس، ومن ثم يمكن أن تشكل منها نظاماً منطقياً مترابطاً.
ولم يكن مسعى ماخ إلى استبعاد الميتافيزيقا من العلم، كما نفهم الآن نابعاً من موقف مضاد للميتافيزيقا ولكنه كان بالنسبة له الوسيلة الوحيدة لإفساح المجال لتوحيد العلم. فتبعاً لماخ يجب استبعاد الميتافيزيقا لأنها تناقض الوظيفة الاقتصادية للعلم . وتحير الكثيرون لأن فلسفة ماخ، التي يفترض أنها نوع من المثالية تشبه فلسفة الأسقف بركلى)، تغيرت بكل سهولة - أو بلغة الفلسفة المثالية - تفتتت بسهولة متحولة إلى الفيزيائية. ووجدنا أن حتى جماعة فيينا سرعان ما تحولت من اللغة الظاهراتية التي كان يستخدمها كارناب وشليك باتباعهما ماخ إلى اللغة الفيزيائية التي ينادي بها نويراث. وأصبحت اللغة المستخدمة في الفيزياء التي تلعب الآن دورًا كبيرًا في المقالات البحثية بدءًا من رأى التجريبية المنطقية والتي تتجلى فى دقتها وترابطها في أعمال كارناب) هي لغة تبدو أقرب ما يكون إلى المادية. ولذلك بدا لكثير جدا من الفلاسفة لغزاً بل ومصدر قلق وارتباك أن آراء فريق يدعى أنه صاحب مبدأ راسخ في الاتساق المنطقي، تتأرجح بمثل هذه السهولة بين نقيضين من الفكر الإنساني: المثالية والمادية. ولكن هذا التضاد، الموجود تبعاً للفلسفة التقليدية بين المادية والمثالية، ليس - تبعاً لماخ - تضاداً علميًا. وكان ماخ يمقت استخدام مصطلحات مثل "المثالية"، "المادية" وإذا استخدمها فبقصد السعى إلى استبعادها. ورغم أنه استبعد المادية والمثالية فلم يكن هذا بقصد محاولة اتخاذ رأى وسط بينهما، فكلاهما كانا بالنسبة له نظامين لقضايا الميتافيزيقية وليسا نظريتين عمليتين، إذ لا يمكن تأييدهما أو دحضهما بالخبرة. كان لديه ما يمكن أن نطلق عليه الكراهية الغريزية لدى عالم أصيل ضد استخدام مصطلحات غامضة مثل "المثالية" "المادية" في العلم. وكانت هذه الكراهية تدفعه احيانا إلى الإدلاء بتصريحات مضادة للبعض أو البعض الآخر من النظم الميتافيزيقية. وكثيرا ما كان يساء تفسير تصريحاته على أنها ميل نحو فريق ضد الآخر. ويرى ماخ أنه لا يمكن اعتبار مسألة المثالية" أو "المادية" مشكلة علمية حقيقية. وكل محاولة لاستكشاف إنجازات العلم بقصد تأييد الميتافيزيقا المثالية أو المادية هي من البداية فشل محتوم. ومن الممكن حالياً وصف الشعور الفطرى لدى ماخ، من منطلق الرأى التجريبي المنطقي، وسنجده منطقياً مع ما صيغ عنه فى كتاب كارناب بعنوان "لغة التركيب النحوي المنطقى وفى بحثه قابلية الاختبار والمعنى (2).
ولقد تحول المذهب المثالى المفترض إلى المفهوم الفيزيائي للعلم تدريجيا داخل جماعة فيينا، لأنه تبعاً لمذهب التجريبية المنطقية، لم تكن المسألة هي ما إذا كانت المثالية والمادية آراء صحيحة عن العالم الحقيقي، وإنما هي أي لغة هي الأنسب للحصول على تفسير اقتصادى موحد الخبراتنا هل هي | اللغة الظاهراتية أو اللغة الفيزيائية؟ ولما كانت إحدى اللغتين تعد أنسب من الأخرى في دائرة محدودة فإن مسألة اختيار لغة مقبولة لم يكن لها أى علاقة بمسألة ما إذا كان العالم الحقيقي يتألف من إدراكات حسية أو من مادة. ولكن جوهر الأمر يكمن في مسألة: هل نحن مقتنعون بإمكان فهم كل مجالات العلم بلغة مشتركة واحدة؟
وإذا كان توحيد العلم بهذا المعنى ممكناً، على نحو اعتقاد كارناب وأتباع حركة وحدة العلم، فسوف تتضاءل حينئذ أهمية مسألة ما إذا كان هذا التوحيد يتحقق من خلال الإدراكات الحسية، على نحو ما يعتقد ماخ وأثبت كارناب صحته في مقالته البحثية الأولى بعنوان "البناء المنطقى للعلم أم أن الأمر يقتضى إدخال اللغة الفيزيائية والاستعانة بها على نحو ما نادى به كارناب في مقالته الحديثة بما يتفق مع مقترحات نويرات. إن البديل الأساسى لمفهومنا عن العلم هو : هل نحن مع الفلسفة التقليدية متفقون على أن مسألة ما إذا كان العالم يتكون من مادة أو من إدراكات حسية فضلاً المسائل الأخرى المشابهة، هي مسائل علمية أم لا، أم أننا مع ماخ نستبعد من العلم المسائل الميتافيزيقية من هذا النوع لما تحدثه من خلل في طابعه الاقتصادي، ومن ثم عن نضع المسألة المذكورة توا بالطريقة التي وضعت بها في إطار التجريبية المنطقية؟ ثم نتساءل أى لغة هي الأنسب لتكون لغة علم موحد ؟ ومن منطلق هذا الرأى تبدو المسألة الميتافيزيقية مسألة معطلة على نحو ما عبر عنه ماخ. أما المسألة المتمثلة وفق التجريبية المنطقية، فيما إذا كانت اللغة الظاهراتية أو اللغة الفيزيائية هي الأنسب كلغة علم موحد فلم تعد مسألة ذات أهمية ميتافيزيقية كبرى، وإنما صارت مسألة ملائمة وربما يمكن مقارنتها بمسألة أى نظم الرموز هو الأنسب تمهيدا لإدخال نظام رموز موحد في المنطق.
وإذا أردنا أن نصف دور ماخ فى تاريخ الفكر الإنسانى وفى تطوير العلم بطريقة مؤثرة شاملة وقوية فسبيلنا إلى ذلك - على ما يبدو لي - هو استخدام دعوى مضادة واضحة المعالم. إن المفهوم التقليدى للعلم مرتبط بفكرة معينة عن أهمية الميتافيزيقا للعلم. وتبعا لهذا المفهوم هناك منهجان للعلم:
المنهج الأول وينحصر في تسجيل الوقائع بما في ذلك القواعد التجريبية التي تصف الوقائع وتربط بينها . وأتباع هذا المنهج من النشاط العلمى يأخذون حذرهم حتى لا يدخلون تعميمات وفروضاً قد تفسح المجال لتسلل عنصر ميتافيزيقي إلى دائرة العلم. وهذا النوع من النشاط العلمي، تبعا لمعتنقيه، يتميز بأن جميع قضايا العلم مضمونة بالخبرة أو المنطق وجميعها واضحة وحدسية. وعلماء هذا الفريق حريصون على ألا يقدموا تعبيرات غامضة. ولكن المضى بهذه الطريقة المشوية بالحذر لا يفسح المجال سوى لنشأة علوم خاصة محدودة النطاق. وقد جمعت كل من الفيزياء والبيولوجيا والسيكولوجيا كثيراً من الوقائع والقواعد، ولكن دون رابط بين هذه الأقسام. وهذا المفهوم للعلم يطلق عليه فى المعتاد اسم المفهوم "الوضعي للعلم، وهو مفهوم لا يتفق بالمرة مع المفهوم المعروف باسم الوضعية المنطقية ولا يتفق مع مذهب ماخ. وهذا المفهوم الوضعى الكاذب للعلم يتماشى مع تطلعاتنا تجاه وحدة العلم.
لهذا، وبجانب هذا المفهوم الوضعى أو بمعنى أدق زيادة عليه، فإن المفهوم الميتافيزيقى للنشاط العلمى كان موجوداً دائماً، لأنه من المفترض أنه هو الأنسب لتحقيق مآربنا في تكوين المعرفة ووحدة العلم. وتبعاً لهذا المفهوم يمكن الوصول إلى وحدة العلم المنشودة، بطرح تعميمات ميتافيزيقية وفرضيات جريئة يمكن بواسطتها تلخيص العلوم المنفصلة وتوحيدها فى علم واحد شامل. والمبادئ العامة لهذا العلم الموحد هي بطبيعة الحال قضايا ميتافيزيقية.
وبعد نظام هيجل أشهر نظام ميتافيزيقى افترض أنه شامل ويمثل جميع العلوم الخاصة، وفيه تشكل العلوم المنفصلة مثل الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا خطوات في التطور الذاتي للروح المطلقة. وإذا أردت مثالاً لنوع من القضايا الميتافيزيقية التي تساعد على إنجاز توحيد العلم فيمكنك الرجوع إلى نظريات هيجل الديالكتيكية (الجدلية) الأساسية، مثل كل كمية إذا ازادت زيادة كافية تتحول إلى كيف". ويفترض أن هذه النظرية صحيحة في الفيزياء والبيولوجيا وكذلك التاريخ. وربما اكتست هذه النظرية أهمية خاصة لأنها مازالت تلعب دوراً مهماً، وليست مقصورة على أنصار ميتافيزيقا هيجل المثالية
وهذه النظرية وكثير من مثيلاتها تبنتها المادية الجدلية التي تعد الفلسفة الرسمية في الاتحاد السوفييتى اليوم (*). وبواسطة قضايا من هذا النوع زالت الحواجز بين العلوم المنفصلة وتحققت وحدة العلم ولكن كان الثمن هو الاستناد إلى نظم كبيرة من الافتراضات (القضايا) المبهمة جدًا. غير أن مثل هذه القضايا الميتافيزيقية لم تحظ مطلقاً بإجماع العلماء عليها .
ولقد كان فكر الفلسفة التقليدية والعلم التقليدى على مدى أجيال يقسم النشاط العلمي إلى بديلين لا ثالث لهما : البديل الأول هو أن النظريات الممكن إثباتها بالخبرة (التجرية) أو بالمنطق تعد النشاط الوحيد المعترف به في محيط العلم، وفي هذه الحالة تبقى العلوم المنفصلة معزولة عن بعضها البعض بحواجز عالية والبديل الثاني هو أن نقبل إدخال قضايا ميتافيزيقية وفى هذه الحالة يمكن تحقيق وحدة العلم، ولكن لن يكون هناك مفر من أن نتعامل مع قضايا تتباين حولها آراء العلماء من النقيض إلى النقيض، أو بمعنى أدق وفي كلمات مختصرة: إما العدول عن فكرة توحيد العلم أو إدخال قضايا ميتافيزيقية في دائرة العلم.
وتكمن الأهمية العظمى لنشاط ماخ فى أنه رفض الاعتراف بهذين البديلين، وإنما أقام دعواه على أن وحدة العلم تتحقق باستبعاد الميتافيزيقا . تلك الجملة على وجه التحديد هي مفتاح فهم مذهب ماخ وأبحاثه التي يبدو أنها تتناول كثيرا من الموضوعات والمجالات العلمية المختلفة إن الشغل الشاغل لماخ دائما كان إتاحة الفرصة لإنجاز هذا البرنامج الذى أشرنا إليه توا . وهذا البرنامج على وجه التحديد هو الذي يمكن أن نتخذه منهجاً لحركة وحدة العلم التى نرفع لواءها، ومنهجاً لمجالسنا ودوائر المعرفة الخاصة بنا .
وإذا كان الاحتفال بالذكرى المئوية لماخ قد أحياه جمع غفير من علماء الفيزياء والفسيولوجيا وعلم النفس وتاريخ العلم فإننا نحظى بفخر خاص في هذه الاحتفالات لما لنا من حق متميز لتكريمه باعتباره واحدا من الأجداد الروحيين لـ "حركة وحدة العلم"، ولما أراه من خلال حركتنا من أن حصاد ما بذره ماخ هو حصاد ثرى حقاً و ويتفق
تماماً مع نواياه الصادقة.
(*). ]يرجع تاريخ هذا الكتاب إلى عام 1941 قبل نصف قرن تقريبا من انهيار الاتحاد السوفييتي (المراجع)[.
|
|
"إنقاص الوزن".. مشروب تقليدي قد يتفوق على حقن "أوزيمبيك"
|
|
|
|
|
الصين تحقق اختراقا بطائرة مسيرة مزودة بالذكاء الاصطناعي
|
|
|
|
|
قسم شؤون المعارف ووفد من جامعة البصرة يبحثان سبل تعزيز التعاون المشترك
|
|
|