جاء في کتاب اليتيم في القرآن والسنّة للسيد عز الدين بحر العلوم: التجارة مع الله: فالآيات الكريمة تحرك من الافراد جوانبهم العاطفية فتبدأ معهم بلهجة يلاحظ القارىء فيها آثار الشدة، وأن الله ليس بمحتاج إلى العبد في ترغيبه إلى هذه المشاريع الخيرية، بل على العكس من ذلك فان الله يمن على العبد بإرشاده إلى ما فيه خيره، وصلاحه. "هَا أَنتُمْ هَٰؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم" (محمد 38). وإذا ما التفت الفرد، وعرف أنه الفقير إلى تقديم الخير لينتفع بهذا الاحسان، فيخفف به عما يلحقه من الذنوب رأينا هناك حقيقة أخرى تتكشف له لتدفعه بشكل عنيف إلى اعتناق مبدأ الانفاق، والاحسان، وتتجسد في قوله تعالى: "وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ" (فاطر 29). أنها ليست مسألة خسارة من جانب المنفقين، كما وأنها ليست عملية كاسدة حينما يجد العبد جزاء ما يقدمه موجوداً عند الله فهو بهذه العملية يتاجر مع الله عز وجل وهي تجارة ـ حتماً ـ رابحة، ومضمونة تجر لصاحبها الربح الوفير. ان العمليات التجارية المتضمنة لمبدأ الربح هي الطريقة التي يسير عليها في حياتهم المعاشية لتأمين الكسب، والنفع ولذلك اختار الاسلوب القرآني هذه الطريقة ليصل إلى النتائج المطلوبة من النافذة التي يطل منها الفرد في حياته اليومية. وأنها صورة حية مستوحاة من الحياة العملية الدارجة ليلتفت اليها الفرد فيقارن بينها، وبين ما هو مألوف له فيما يسير عليه كل يوم لئلا تحتاج العملية إلى تصور دقيق وبحث عميق. "مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة 261). وهذه صورة أخرى من صور الحياة التي يمارسها الفرد. أنها حياة الزراعة، والنمو. وحياة الربح، والاستفادة. ومن منّا لم يشاهد الزرع، وكيفية نموه، والربح المتوخى من وراء الزرع أنها حبة واحدة إذا بارك الله فيها تقدم لزارعها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. والنسبة الحسابية لهذه العملية هي. واحد في قبال سبعمائة، وهو ربح وفير مغرٍ يناله الزارع من الارض الميتة، والانفاق في سبيل الله مثله كمثل الحبة تزرع في الارض. وليقارن الفرد بين العمليتين الحبة يزرعها في الارض فيجني من وراء هذه النبتة سبعمائة حبة. والدرهم ينفقه الانسان في سبيل الله يجني من ورائه سبعمائة درهم، أو بمقدار هذه النسبة من الأجر عند الله.
ويستمر السيد عز الدين بحر العلوم عن التجارة مع الله قائلا: فما ينفقه الملي لانتشال الضعيف من برائن المرض، والجهل والفقر يساعده على السير إلى الامام، ومن ثم تحويله إلى المجتمع عضواً صالحاً تستفيد الامة من مواهبه ينتج له بالاضافة إلى هذه الخدمة التي ترضي ضميره ربحاً من الثواب ينتفع به يوم لا ينفع مال، ولا بنون، ومن ثم فلطف الله لم يقف عند حد ورحمته أوسع من أن تقدر بقدر، وبعد كل هذا الربح المعاوضي. "وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ" (البقرة 261). وليقدر العبد هذه المضاعفة حيث لم تحدها الآية الكريمة إلى مرة، أو مرتين بل الله يضاعف، ولتقر عين العبد إذا كان ربه أحد طرفي هذه العملية، وليس كأحد التجار يحسب معه الحساب الدقيق، بل هو كريم بلطفه، ورحيم بعطفه. ولربما يستكثر البعض أن يكون هذا العمل الانساني مثمراً بهذه الكثرة كمثل الحبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وبعد كل ذلك فالله يضاعف لمن يشاء. ويجاب عن ذلك: وهل يحد فضل الله، وإحسانه، أو تقف رحمته عند حد أنها العناية الإِلهية هي التي تؤلف بين هذه القلوب الانسانية فتهب الخير، والثواب ازاء عمل يخدم به مصلحة الآخرين ليكون أداة لتشجيع الباقين. وتتوالى الصور الحية يعرضها القرآن الكريم ليهيج مشاعر الانسان لتوجيهه نحو عمل الخير، ومن جملة هذه الصور المعروضة. "وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ" (البقرة 261). ويحاول القرآن الكريم أن يعيش مع الافراد ليدخل إلى قلوبهم، ويعرض عليهم صوراً من الدروس الحية فيمثل لهم أمثلة نابعة من صميم حياتهم اليومية ليكون ذلك أبلغ في الوصول إلى المقصود. فمرة يمثل الانفاق بالتجارة. وأخرى يمثله بالزراعة. وثالثة يعرض أمام القارىء صوراً لحبة على ربوة وإذا بالمطر يغمرها فتقدم نتاجها المضاعف. كل ذلك ليصل ممن وراء هذه الصور الى القلوب ليغرس فيها حُب الخير بالانفاق الى الضعفاء، والمعوزين لئلا يبقى فقير جائع بين المجموعة.
قال الله تعالى "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ" (البقرة 215) يقول السيد بحر العلوم في كتابه: والسؤال في ظاهر الآية عما ينفق بينما جاء الجواب عمن ينفق عليه ولرفع هذا الالتباس يقول علماء التفسير. فان قلت: كيف طابق الجواب السؤال في قوله "مَا أَنفَقْتُم" وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون واجيبوا ببيان المصرف. قلت: قد تضمن قوله "مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ" (البقرة 215) بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبين الكلام على ما حداهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها". وقال الطبرسي: "السؤال عن الانفاق يتضمن السؤال عن المنفق عمله فانهم قد علموا أن الأمر وقع بإنفاق المال فجاء الجواب ببيان كيفية النفقة وعلى من ينفق". لقد كان التحضير من الآيات الكريمة السابقة في الترغيب والتشويق الى الانفاق هو الذي دعاهم للسؤال عن كيفية الإِنفاق. لذلك بدأ القرآن يبين لهم مراحل الإِنفاق بجهتيه: نوعيته، ومصرفه. فعن النوعية لم يحدد لهم شيئاً يفرض فيه الانفاق، بل ترك ذلك إلى تقديرهم. فالاطعام خير، والكساء خير، والمال خير. وهكذا نرى الشارع المقدس يترك الباب مفتوحاً، فلم يحدد نوعية الانفاق، بل يصفه بالخير جاء ذلك في آيات عديدة قال تعالى فيها: "وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ" (البقرة 272). "وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ" (البقرة 272). "وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ" (البقرة 273). وعن المصرف، وهو المنفق عليه: بدأ الكتاب الكريم بأسرتي الإِنسان الخاصة، والعامة ليحيط بره جميع الاطراف التي تضم الانسان. فالاسرة الخاصة: وتتألف من الابوين العمودين ومن ثم الحواشي، وهم الاطراف النسبية قال تعالى: "قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ" (البقرة 215). واذا ما تجاوزنا أسرة الانسان الخاصة رأينا القرآن الكريم يلحق بهذه الاسرة المكونة من الوشائج النسبية الاسرة العامة، وتتألف من: اليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل. وهذا التدرج هو الذي تقتضيه طبيعة الاجتماع في هذه الحياة، وقوانينه.







اسعد الدلفي
منذ 3 ايام
شباب المواكب الحسينية
شخصية تسير مع الزمن !
هل كان الشيخ الوائلي يعلم؟!
EN