0

بمختلف الألوان
يُقدِّمُ لنا المرجعُ الدينيُّ الأعلى سماحةُ السيدِ عليِّ الحسينيِّ السيستانيِّ حُزمةً مِن الوصايا الثمينةِ والرفيعةِ ، وهيَ تُمثِّلُ خبرتَهُ وخُلاصةَ أفكارِهِ المُستمدةَ مِنَ النصوصِ الدينيةِ والعُلمائيةِ والتجربةِ الشخصيةِ ، يقولُ في مُقدّمةِ الوصايا: أمّا بعدُ فإنَّني أوصي الشبابَ الأعزاءَ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
سيكولوجية الاستعلاء السياسي تقديس الذات وشيطنة الاختلاف في السياسة

منذ 3 اسابيع
في 2026/09/28م
عدد المشاهدات :400
حين يتحول المشهد السياسي إلى مسرح مظلم، تبرز تلك الكائنـات التي أصابها مرض السلطة، حيث يتضخم الوهم في رأس المسؤول حتى يرى في ذاته محوراً للكون ومركزاً للوجود. إن أزمة "تضخم الأنا" هنا ليست مجرد انحراف نفسي عابر، بل هي حالة استبداد وجودي؛ فالقائد المصاب بهذا الداء السيكولوجي لا يدرك السياسية كعقد اجتماعي مؤقت أو كخدمة عامة تُؤدى بتواضع، بل يراها عرشاً مقدساً ومرآة يعبد من خلالها ظله المستبد.
في هذا الفضاء المشوه، ينغلق السياسي على ذاته المورمة، رافضاً لأي مرآة حقيقية أن تعكس عيوبه، وناظراً إلى كل نقد باعتباره كفراً مبكراً أو خيانة عظمى تستوجب الإقصاء. وحين تنفصل "الأنا" المتضخمة عن واقع الناس وأوجاعهم، يتحول الحقل السياسي برمته من صراع برامجي للأفكار وخطط البناء, إلى محرقة كبرى للولاء الشخصي، حيث لا يُطلَب من المواطن أن يكون شريكاً في الوطن، بل رعيّة خاضعة تجيد السجود على عتبات الأنا المتضخمة، وتصفق في وجه خرابها الظاهر.
إنها المأساة الكبرى حين يظن من جلس على كرسي الحكم أنه قد ملك الزمن، فإذا به، في ميزان التاريخ، مجرد عابر ضئيل سقط في فخ وهمه الأبدي.


· وهم العصمة والتمييز المطلق:
حين يتوغل الاستبداد في نفس المسؤول، يتسلل إلى وعيه وهم العصمة والتمييز المطلق، ليقنع ذاته بأنه لم يُخلق من طين البشر العاديين، بل هبط إلى سدة الحكم بنسخة أزلية من الحكمة المطلقة والقدرات الاستثنائية التي تقصر عنها عقول العالمين.
في هذا المدار المظلم، لا يعود يرى في أصله أو مسيرته مجرد صدفة تاريخية أو كفاح بشري، بل يحيلها إلى تفوق جوهرى ووراثي يمنحه حق الوصاية الأبدية على مقدرات الأمة.
إن الكرسي لديه لا يُفهم كتكليف مؤقت تفرضه قوانين اللعبة الديمقراطية والخدمة العامة، بل يتحول في مخيال طغيانه إلى "ضرورة وجودية" لا يستقيم الكون ولا تستمر الحياة بدونها، وكأن زواله عن السلطة هو نهاية العالم ذاته.
هكذا تنعزل الذات المتخمة بالأوهام عن منطق التاريخ وبشريته، متخندقة خلف أسوار من التقديس المصطنع، لتصبح مأساة المجتمع في محاولته الدائمة لإيقاظ هذا الحاكم من غفوته العميقة على أسطورة عصمته المزعومة.


· رفض النقد باعتباره "خيانة" أو "جهلاً":
حين يتجذر وهم العصمة في عقل القائد المستبد، يصبح النقد في نظره خطيئة لا تُغتفر وجريمة تُقاس بمقاييس الخيانة العظمى؛ فهو عاجز تماماً عن إدراك الفارق البسيط بين ذاته البشرية المعرضة للزلل, وبين الكيان العام الذي يديره.
في عقيدته المظلمة، لا وجود لنقاش حول سياسات فاشلة أو أداء إداري متصدع، بل يرى في كل صوت محاسبة هجوماً شخصياً مدفوعاً بالحسد أو مؤامرة كونية تحاك ضده.
وحين تلتحم "الأنا" المتضخمة بكرسي السلطة التحاماً تاماً، تتحول أي إشارة لخطأ عابر إلى طعن مباشر في قداسته ونزاهته المزعومة. هكذا يُغلق باب الحوار نهائياً، ويُحاصَر العقل العام، ليصبح الصمت طاعة والاعتراض خيانة، وكأن بالسياسي يقول للناس إن الوطن هو شخصه، وإن المساس بقراره هو هدم لأصل الوجود.


· امتلاك الحق المطلق:
حين تكتمل دائرة الاستبداد في عقل هذا السياسي، يستقر في وجدانه وهم امتلاك "الحق المطلق"، ليغلق بذلك باب النسبية الإنسانية ويُلغي فكرة الأغلبية والتعددية من أساسها. بالنسبة له، ما يصدر عن لسانه أو يمر عبر هواجسه ليس مجرد اجتهاد بشري يحتمل الخطأ والصواب، بل هو الحقيقة الناجزة المنزلة التي لا تقبل الجدل أو التأويل، وما عداها من آراء أو رؤى لا يعدو أن يكون باطلاً مضللاً أو جهلاً مطبقاً يستوجب التقويم والتوبيخ. من هذا المنطلق، يفقد الحوار معناه الفلسفي والإنساني؛ فهو ليس أداة تشاركية للوصول إلى حلول وسط أو بناء توافق وطني، بل يتحول إلى منبر أحادي وعالٍ لإلقاء المحاضرات وتلقين الآخرين دروساً مجانية في الصواب والطاعة.
هكذا يسقط فضاء السياسة في فخ الجمود المطلق، حيث تُلغى المسافات بين فكر الحاكم وقانون الكون، ليصبح كل اختلاف في الرأي جريمة تُرتكب في حق الحقيقة المطلقة التي يتربع هو على عرشها وحده.


· شيطنة الخصوم وتجريم المعارضة:
حين يستشعر هذا السياسي المتضخم هشاشة عرشه المزعوم، يلجأ إلى السلاح الأقدم في حروب الطغاة: شيطنة الخصوم وتجريم المعارضة. لكي يحافظ على صورته الأحادية كرمزٍ مطلق للطهر والنقاء، فإنه يقيم عالمه على ثنائية حادة ومظلمة تقوم على قاعدة «أنا الشريف النزيه، والآخرون هم الفاسدون والمتآمرون».
إنه لا يطيق مجرد الاختلاف في الرأي أو تباين البرامج، لأن الاختلاف بذاته يهدد أسطورته، لذا يسعى باستماتة إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن كل من يقف في وجهه. وحين يتحول الخلاف السياسي إلى حرب إبادة معنوية، يصبح المجال العام أشبه بمحاكم تفتيش مفتوحة تُحاكم فيها الذمم وتُغتال فيها النيات بلا دليل.
هكذا يُفرغ الفضاء الوطني من معناه التراجيدي الجميل، ليتحول إلى مسرح هزلي ينصب فيه الحاكم مقاصل الأخلاق المزيفة، طامحاً بأن تبقى صورته وحدها الناصعة فوق ركام الأبرياء.


· الجذور والانعكاسات
حين يُصاب الحقل السياسي بهشاشة البنيان وغياب ميزان المحاسبة الحقيقية، تتحول حاشية الحكم إلى تربة خصبة تنبت فيها أفاعي التملق والانتهازية. في هذا المناخ المشبع برائحة النفاق، لا يجد المسؤول المأزوم بأناه سوى جوقة من المصفقين والتابعين الذين يحيطونه بأسوار من الإطراء الزائف، معززين لديه كل وهمٍ بالألوهة المصغرة والعصمة المطلقة.
وحين تنعكس على مرآة عينيه طوال اليوم وجوه تنحني طاعةً وصفقات تُعقد مدحاً، ينفصل تماماً عن قسوة الواقع وأوجاع الناس الحقيقية في الشارع.
هكذا يغدو في عزلته الذهنية كمن يسكن فوق سحاب وهمي، يرى صدى صوته هو الحقيقة الوحيدة، ويظن أن ضجيج الطبالة حول عرشه هو نبض الأمة، ليعيش غريباً عن وطنه، مأخوذاً بسحر مرآة كاذبة توشك أن تنكسر على صخرة الحقيقة الآتية.


· ختاما: حين تستيقظ الأرض على حقيقة الزوال
وفي النهاية، وحين تتداعى عروش الأوهام وتهوي أسوار العصمة المزعومة على ركام التاريخ، يكتشف هذا الحاكم المستبد أن الزمن لا يُشترى بالألقاب، وأن الشعوب وحدها هي الباقية.
إن سيكولوجية التعالي السياسي ليست سوى فقاعة عابرة في سماء الأوطان، مهما طال أمد ليلها. وحدها الحقيقة تمشي على قدمين من طين وكرامة، لتثبت أن الكرسي حين ينفصل عن نبض الناس ووجعهم، لا يترك لصاحبه سوى خزي النسيان، ومرارة السقوط من أعلى وهمٍ إلى قاع الحقيقة الأبدية.

اعضاء معجبون بهذا

حين يتحول المريض إلى زبون... وتغدو المهنة تجارة
بقلم الكاتب : نوري حسين نور الهاشمي
حين يتحول المريض إلى زبون... وتغدو المهنة تجارة الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي 17/10/2026 قبل ثلاث سنوات دفعتني معاناة صحية إلى مراجعة طبيب اختصاص في جراحة المسالك البولية، كان يوصف بأنه من أفضل الأطباء في المحافظة. وعندما وصلت إلى عيادته استوقفتني لافتة كبيرة ازدحمت بالألقاب والشهادات والزمالات،... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان... المزيد
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق... المزيد
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ...
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا يستقر فوق كل...
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...


منذ يومين
2026/10/20
يشهد العالم تغيرات متسارعة بفعل الذكاء الاصطناعي، ولم يعد تأثيره مقتصرًا على...
منذ 4 ايام
2026/10/18
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة والعشرون: مبدأ التكافؤ: كيف غيّر أينشتاين...
منذ 6 ايام
2026/10/16
تعد نبتة خناق الذباب (Venus flytrap) واسمها العلمي (Dionaea muscipula) واحدة من أكثر النباتات...