قسم السلاجقة الأراضي التي استولوا عليها إلى أقاليم، وعينوا على كل إقليم منها حاكماً من أفراد الأسرة السلجوقية أطلقوا عليه لقب شاه أو ملك، يتمتع بالاستقلال الداخلي ويُعدُّ بلاطه صورة مصغرة عن بلاط السلطان، فله جيشه الخاص ووزيره وحجابه ومعاونوه في الحكم والإدارة، وأُطلق على رئيس الدولة لقب سلطان، وكانت له الكلمة النافذة في جميع أنحاء الدولة لكنه لم يعمل على إقامة حكم فردي ينحصر في شخصه في بداية عهد الدولة على الأقل.
والواقع أن السلاجقة كانوا في هذه الرحلة المبكرة من حياتهم السياسية، بحاجة إلى الوحدة فقد اجتمع طغرلبك وأخوه جفري بك مع عمهما موسى بن سلجوق ومع أبناء عمومتهم وكبار قادتهم وتعاهدوا على الاتحاد والتعاون، واقتسموا الأراضي التي سيطروا عليها فكان من نصيب جفري بك مدينة مرو، فاستقر بها واتخذها عاصمة لملكه كما ملك ،خراسان وكان نصيب أبو علي الحسن بن موسى كلان ولاية بست وهراة وسجستان وما يجاور ذلك من النواحي، وأخذ قاورد أكبر أبناء جفري بك، ولاية الطَّبس(1)، ونواحي كرمان، وحصل إبراهيم ينال على همذان، كما حصل ياقوتي بن طغرلبك على أبهر(2)، وزنجان(3)، ونواحي أذربيجان(4)، وكان نصيب قتلمش بن إسرائيل جرجان و دامغان(5).
الواقع أن فكرة التقسيم هذه تتعارض مع الفكرة الإيرانية عن الملك بوصفه صاحب السلطة المطلقة في الدولة وهي غريبة على السلاجقة الأوائل، إلا أن المسؤولين السلاجقة هدفوا من وراء ذلك إلى:
- إشباع أطماع الأمراء السلاجقة في السلطة، وتجنيب دولتهم الناشئة خضات سياسية داخلية من واقع حدوث صراع أسري على السلطة.
- إحاطة السلطنة الغزنوية ومنعها من محاولة استعادة خراسان، ثم تأمين فتح طريق جيحون من أجل قدوم مهاجرين غز جدد.
ويُحدد هذا التقسيم المجال الذي وصل إليه نفوذ السلاجقة في ذلك الوقت.
واتخذ طغرلبك مدينة الري داراً لسلطنته، والحقيقة أن السلاجقة كانوا يحترمون طغرلبك ويرون فيه المقدرة والكفاية وحسن التدبير ويخضعون لرئاسته، وقد نجح هذا الزعيم السلجوقي في تأسيس كيان سياسي قوي للسلاجقة، ولم يبق للدولة التي أنشأها إلا أن تستكمل آخر عنصر من عناصر مقوماتها وهو الحصول على اعتراف الخليفة العباسي بها؛ لأن مثل هذا الاعتراف وحده بفعل نظم هذا العصر، هو الذي يكسبها شرعيتها بحكم المناطق التي تسيطر عليها.
..........................................................
(1) الطبس: قصبة ناحية بين نيسابور وأصفهان، الحموي: جـ4 ص 20.
(2) أبهر: مدينة مشهورة بين قزوين وزنجان وهمذان من نواحي الجبل المصدر نفسه: ج1، ص 82.
(3) زنجان بلد كبير مشهور من نواحي الجبال بين أذربيجان وبينها قريبة من أبهر وقزوين. المصدر نفسه: جـ3 ص 152.
(4) أذربيجان إقليم واسع مشهور يحده من الشمال بلاد الديلم والجيلو الظرم، ومن الشرق بردعة، ومن الغرب أرزنجان أشهر مدنه تبريز المصدر نفسه: ج1 ص 128، 129.
(5) دامغان بلد كبير بين الري ونيسابور وهو قصبة. قومس المصدر نفسه: جـ2 ص 433. وانظر فيما يتعلق بهذا التقسيم الراوندي: ص 167، 168 وقارن بالحسيني: ص 17.