يمثل البويهيون العنصر الديلمي الذي كان يسكن في جنوبي بحر قزوين، ولعلهم مزيج من الفرس والأتراك وشعوب أخرى، وتشكل منطقتهم، الواقعة بين طبرستان والجبال وجيلان وبحر قزوين القسم الجبلي من جيلان التي تحدها ولاية قزوين من الجنوب ومنطقة غالوس من الشرق وبعض أذربيجان وبلاد الران (1) من الغرب.
ظهر بنو بويه على مسرح الأحداث في أوائل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وأسسوا دولاً انفصالية في فارس والأهواز وكرمان والري وأصفهان وهمذان، وبسطوا هيمنة فعلية على العراق، فشاركوا الخلافة العباسية في حكمه، وعظم نفوذ هذه الأسرة حتى سمي باسمها أحد عصور الخلافة العباسية.
هاجرت هذه الأسرة من الشمال من بلاد الديلم المنطقة المجاورة لبحر قزوين، واشتهرت على يد الأخ الأكبر من الإخوة البويهيين الثلاثة وهو علي بن شجاع بن بويه، الذي ولاه مرداويج الزياري (2) بلاد الكرج (3).
ويبدو أن علياً كانت تراوده نزعات تتعدى الاستقلالية إلى التوسع على حساب جيرانه، بالإضافة إلى الطموح السياسي الذي تحقق له سريعاً حيث ما لبث أن أصبح صاحب شوكة في هذه النواحي، واستمال الناس بحسن سیاسته، وتمكن بفضل مقدرته العسكرية والإدارية وكرمه وحسن معاملته لأتباعه؛ من بناء جيش قوي انتزع بواسطته معظم بلاد فارس في خلال مدة قصيرة واتخذ مدينة شيراز عاصمة لحكمه (4).
كان علي يضم هذه البلاد باسم الخلافة العباسية ظاهراً، لكن في باطن الأمر كان يهدف إلى إقامة دولة خاصة به مستغلاً ضعف الخلافة السياسي والعسكري، وعجزها عن التدخل في هذه المناطق لترتيب أوضاعها ثم أرسل إلى الخليفة الراضي (322 - 329هـ / 934 - 940م) يطلب منه الاعتراف بسلطانه (5)، وهذا طبيعي، فإنه كان عليه أن يأمن جانب الخلافة؛ لأنه سيطر على إحدى ولاياتها على الرغم من
إرادتها، فأراد أن يُكسب حكمه صفة شرعية، وقد تمَّ له ما أراد (6).
التفت علي بعد ذلك إلى مرداويج الزياري، فعمل على كسب رضاه، فعرض عليه أن يدخل في طاعته، وأن يكون ما بيده من بلاد تابعة له يخطب له فيها، وكان طبيعياً أن يُرحب مرداويج بهذا العرض فقلده أرجان، وأرسل إليه علي أخاه حسن رهينة ليكفل له حسن التنفيذ (7).
أن الظروف السياسية كانت تعمل لمصلحة البويهيين، ففي عام (323هـ 935م) قتل مرداويج على أيدي غلمانه الأتراك، فاستغل علي هذه الفرصة وسيطر على بلاد الجبال (8) ، التي كانت تحت حكم وشمكير شقيق مرداويج، وأرسل أخاه حسن الذي فر بعد مقتل مرداويج إلى عراق العجم، فسيطر على أصفهان والري وهمذان والكرج وبقية بلاد العراق العجمي، واتخذ أبا الفضل بن العميد وزيراً له (9).
تطلع علي بن بويه بعد ذلك إلى تأمين حدود الأقاليم التي استولى عليها، وتطلبت سياسته الاستيلاء على كرمان والأهواز قبل الدخول إلى العراق الذي كان محط أنظاره؛ لأن هذين الإقليمين يشكلان ممراً طبيعياً لأي غزو محتمل لإقليم فارس، إن من ناحية الشرق أو من ناحية الشمال، لذلك أرسل أخاه أحمد على رأس قوة عسكرية، فاستولى على كرمان في عام (324هـ / 936م) بعد معركة القنطرة، وأضافها إلى أملاك آل بويه ثم سيطر على الأهواز، ما أثار الخلافة العباسية، فأرسلت جيشاً بقيادة بجكم لاسترداد الأهواز وطرد البويهيين منها، إلا أن هذا القائد اضطر إلى التراجع تحت ضغط الأحداث العسكرية(10).
نتيجة لهذه التطورات تمَّ لبني بويه توسيع قاعدتهم بما يتماشى مع تطلعاتهم التوسعية، وأضحى نزولهم من الأهواز إلى العراق أمراً ميسوراً، فراحوا يراقبون الأحداث في عاصمة الخلافة حتى تسنح لهم الفرصة لدخولها.
..................................................
(1) الران ولاية واسعة من نواحي أرمينيا. الحموي: جـ3 ص 19.
(2) مرداويج الزياري مؤسس الدولة الزيارية الانفصالية في طبرستان في عام 216هـ.
(3) الكرج: مدينة بين همذان وأصفهان في منتصف الطريق الحموي: جـ4 ص 446.
وانظر: مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد تجارب الأمم ج1 ص 27.
(4) ابن الأثير جـ 7 ص 14 - 16. وشيراز قصبة بلاد فارس بينها وبين نيسابور مائتان وعشرون فرسخاً. الحموي: ج3 ص 380.
(5) مسكويه ج1 ص299، 300
(6) مسكوية: ج1 ص299، 300.
(7) ابن الأثير: جـ7 ص 23.
(8) بلاد الجبال هي عراق العجم وهي ما بين أصبهان إلى زنجان وقزوين وهمذان والدينور وقرميسين والري وما بين ذلك الحموي: جـ 2 ص 99.
(9) ابن الأثير: جـ 7 ص 37، 44. ابن خلكان أبو العباس شمس الدين أحمد: وفيات الأعيان
وأنباء أبناء الزمان جـ 2 ص 118.
(10) ابن الأثير: جـ 7 ص 54، 55 ، 67 - 69 .