نعتقد أن الإمامة كالنبوّة لا تكون إلّا بالنصّ من الله تعالى على لسان رسوله ، أو لسان الإمام المنصوب بالنصّ إذا أراد أن ينصّ على الإمام من بعده ، وحكمها في ذلك حكم النبوّة بلا فرق ، فليس للناس أن يتحكّموا في من يعيّنه الله هاديا ومرشدا لعامّة البشر ، كما ليس لهم حق تعيينه أو ترشيحه أو انتخابه ؛ لأنّ الشخص الذي له من نفسه القدسيّة استعداد لتحمّل أعباء الإمامة العامّة ، وهداية البشر قاطبة ، يجب أن لا يعرف إلّا بتعريف الله ولا يعيّن إلّا بتعيينه.
ونعتقد أن النبي ـ صلى الله عليه وآلهوسلم ـ نصّ على خليفته والإمام في البرية من بعده ، فعيّن ابن عمه علي بن أبي طالب أميرا للمؤمنين ، وأمينا للوحي ، وإماما للخلق ، في عدة مواطن ، ونصبه وأخذ البيعة له بإمرة المؤمنين يوم الغدير ، فقال : «ألا من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه كيف ما دار».
ومن أوّل مواطن النصّ على إمامته قوله حينما دعا أقرباءه الأدنين وعشيرته الأقربين فقال : «هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا» وهو يومئذ صبيّ لم يبلغ الحلم وكرّر قوله له في عدّة مرّات : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» إلى غير ذلك من روايات وآيات كريمة دلّت على ثبوت الولاية العامّة له كآية المائدة : 55 (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) وقد نزلت فيه عند ما تصدّق بالخاتم وهو راكع ، ولا يساعد وضع هذه الرسالة على استقصاء كلّ ما ورد في إمامته من الآيات والروايات ، ولا بيان وجه دلالتها.
ثم إنّه ـ عليه السلام ـ نصّ على إمامة الحسن والحسين ، والحسين نصّ على إمامة ولده علي زين العابدين ، وهكذا إماما بعد إمام ينصّ المتقدّم منهم على المتأخر إلى آخرهم ، وهو أخيرهم على ما سيأتي (أ).
________________________
(أ) يقع الكلام في امور :
الأوّل : أنّه قد مضى البحث عن كون أمر تعيين النبيّ بيد الله أو بيد النبيّ الاخر الذي عيّنه الله فإنه لا يقول إلّا عن الله ، وحيث إنّ الإمامة كالنبوّة عندنا إلّا في تلقّي الوحي فالأمر فيه واضح ، فلا مجال لانتخاب الناس وتعيينهم ، كما لا يخفى ، ولذلك قال في العقائد الحقّة : فمن قال بلزوم بعث النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ من جانب الله تبارك وتعالى ، لا بدّ له من القول بلزوم نصب الإمام من جانب الله تبارك وتعالى ، وليس هذا من قبيل نصب السلطان أو نصب السلطان وليّ العهد ؛ لأنّ نصب الناس أو نصب السلطان راجع إلى نصب من يلي أمر الناس من جهة معاشهم ، وما يكون مربوطا بدنياهم ولا ربط له بامور الآخرة ، فنصب الإمام من جانب الناس ، كنصب الناس من يكون طبيبا لهم يعالجهم من دون أن يكون عالما بعلم الطب (1).
وأشار إليه المحقق الطوسيّ ـ قدس سره ـ حيث قال : «والعصمة تقتضي النصّ وسيرته عليه السلام» ، وقال العلّامة الحليّ ـ قدس سره ـ في شرحه : «أقول : ذهبت الإمامية خاصة إلى أنّ الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه ، وقالت العبّاسية : إنّ الطريق إلى تعيين الإمام ، النصّ أو الميراث. وقالت الزيدية : تعيين الإمام بالنصّ أو الدعوة إلى نفسه. وقال باقي المسلمين : الطريق إنّما هو النصّ أو اختيار أهل الحلّ والعقد.
والدليل على ما ذهبنا إليه وجهان ، الأوّل : أنّا قد بيّنا أنّه يجب أن يكون الإمام معصوما ، والعصمة أمر خفي لا يعلمها إلّا الله تعالى ، فيجب أن يكون نصبه من قبله تعالى ؛ لأنّه العالم بالشرط دون غيره.
الثاني : أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ كان أشفق على الناس من الوالد على ولده حتّى أنّه ـ عليه السلام ـ أرشدهم إلى أشياء لا نسبة لها إلى الخليفة بعده ، كما أرشدهم في قضاء الحاجة إلى امور كثيرة مندوبة وغيرها من الوقائع ، وكان ـ عليه السلام ـ إذا سافر عن المدينة يوما أو يومين استخلف فيها من يقوم بأمر المسلمين ، ومن هذه حاله كيف ينسب إليه إهمال أمّته ، وعدم إرشادهم في أجلّ الأشياء وأسناها وأعظمها قدرا ، وأكثرها فائدة وأشدّهم حاجة إليها وهو المتولي لامورهم بعده ، فوجب من سيرته ـ عليه السلام ـ نصب إمام بعده والنصّ عليه وتعريفهم إيّاه وهذا برهان لميّ (2).
هذا كلّه ما يقضيه الدليل العقلي والاعتبار ، وتؤيده الأخبار والروايات منها : ما عن الرضا ـ عليه السلام ـ في ضمن حديث «أنّ الإمامة أجلّ قدرا وأعظم شأنا وأعلى مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم ، أو يقيموا إماما باختيارهم» الحديث (3).
ومنها : ما عن الصدوق عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول : «أترون الأمر إلينا نضعه حيث نشاء كلا والله ، إنّه لعهد معهود من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى رجل فرجل حتّى ينتهي إلى صاحبه» (4) ، وغير ذلك من الروايات.
وبالجملة فهو من المسلّمات عند الشيعة في الإمام المعصوم ، ومن المعلوم أنّ مع التعيين والتشخيص من جانب الله لا مورد لاختيار الناس ، ثم لا يخفى أنّ التنصيص أحد الطرق التي يعرف الإمام بها لإمكان المعرفة بالإمامة من إقامة المعجزة مع دعوى الإمامة ، ولذا صرّح الميرزا القمّي ـ قدس سره ـ بذلك حيث قال : إنّ الإمام إذا ادعى الإمامة ، وأقام على طبقها المعجزة دلّ ذلك على حقّيته كما مرّ في النبوّة (5) ، بل ظاهر الكلمات أنّ الإمام يعرف بالأفضلية في الصفات ، فإنّ تقديم المفضول على الأفضل قبيح ، فهو طريق ثالث للمعرفة بالإمام كما صرّح به المحقق القمّي أيضا فراجع ، والمحقق اللاهيجي في كتاب سرمايه إيمان (6).
الثاني : في ثبوت النصوص على أنّ الإمام بعد النبيّ هو عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ وتدلّ عليه الروايات الصحاح والمتواترات وذلك واضح ، وقد أشار المصنف إلى بعض هذه الروايات وفي ما أشار إليه غنى وكفاية.
ثم إنّ المصنّف أشار إلى أن تعيينه ـ صلى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السلام ـ في عدة مواطن وهو كذلك ، بل قد كرّر بعضها في مواطن متعددة ، وهذا التكرار يشهد على أن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ اهتم بهذا الأمر كمال الاهتمام ولم يهمله ، بل من أوّل الأمر وشروعه في دعوة الناس إلى التوحيد توجّه إليه وأحكم أمر الإمامة بعده ، فنسبة الإهمال إليه ـ صلى الله عليه وآله ـ إفك وافتراء ، وعليه فلا مجال بعد نصب النبيّ عليّا من جانب الله تعالى للخلافة لهذه الأبحاث ، من أنّ نصب الإمام واجب على الناس؟ أم لا يكون واجبا؟ فإذا كان واجبا ، فهل هو واجب على جميع الامّة؟ أو على بعضها؟ وعلى الأخير هل المراد من البعض أصحاب الحلّ والعقد؟ أو المراد غيرهم ، فإنّ تلك الأبحاث من متفرعات الإمارة والخلافة الظاهريّة دون الخلافة الالهيّة المنصوصة ، فإنّ النصب فيه نصب إلهي كنصب النبيّ ، والمفروض هو وقوعه ، فتلك الأبحاث اجتهاد في قبال النصّ ، ثم من المعلوم أنّ النصب الإلهي خال عن الانحراف وأبعد عن الاختلاف فيه ، ولعلّه لذلك قال الشيخ أبو علي سينا : والاستخلاف بالنصّ أصوب ، فإنّ ذلك لا يؤدي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف (7).
ثم إنّ المصنّف لم يشر إلى البحث السندي عن هذه الروايات ، لأنّها من المتواترات ، وقد تصدّى لإثباته جمع من أعاظم الأصحاب كالعلّامة مير سيّد حامد حسين موسوي النيشابوريّ الهنديّ ـ قدس سره ـ في عبقات الأنوار ، وكالعلّامة الشيخ عبد الحسين الأميني ـ قدس سره ـ في الغدير ، قال العلّامة الأميني حول حديث الغدير : ولا أحسب أنّ أهل السنّة يتأخرون بكثير من الإمامية في إثبات هذا الحديث ، والبخوع لصحته ، والركون إليه ، والتصحيح له ، والإذعان بتواتره ، اللهم إلّا شذاذ تنكبت عن الطريقة ، وحدت بهم العصبية العمياء إلى رمي القول على عواهنه ، وهؤلاء لا يمثّلون من جامعة العلماء إلّا أنفسهم ، فإنّ المثبتين المحققين للشأن المتولعين في الفن لا تخالجهم أية شبهة في اعتبار أسانيدهم التي أنهوها متعاضدة متظافرة ، بل متواترة إلى جماهير من الصحابة والتابعين وإليك أسماء جملة وقفنا على الطرق المنتهية إليهم على حروف الهجاء ، ثم ذكر مائة وعشرة من أعاظم الصحابة ، وقال : هؤلاء من أعاظم الصحابة الذين وجدنا روايتهم لحديث الغدير ولعلّ فيما ذهب علينا أكثر من ذلك بكثير ، وطبع الحال يستدعي أن تكون رواة الحديث أضعاف المذكورين ؛ لأنّ السامعين الوعاة له كانوا مائة ألف أو يزيدون ، وبقضاء الطبيعة أنّهم حدّثوا به عند مرتجعهم إلى أوطانهم شأن كلّ مسافر ينبئ عن الأحداث الغريبة التي شاهدها في سفره ، نعم ، فعلوا ذلك إلّا شذاذا منهم صدّتهم الضغائن عن نقله ، والمحدثون منهم وهم الأكثرون فمنهم هؤلاء المذكورون ، ومنهم من طوت حديثه أجواز الفلى بموت السامعين في البراري والفلوات قبل أن ينهوه إلى غيرهم ، ومنهم من أرهبته الظروف والأحوال عن الإشادة بذلك الذكر الكريم.
وجملة من الحضور كانوا من أعراب البوادي لم يتلق منهم حديث ولا انتهى إليهم الإسناد ، ومع ذلك كلّه ففي من ذكرناه غنى لإثبات التواتر ، ثم ذكر أربعة وثمانين من التابعين ، ثم قال : ليست الصحابة والتابعين بالعناية بحديث الغدير بدعا من علماء القرون المتتابعة بعد قرنهم ، فإنّ الباحث يجد في كلّ قرن زرافات من الحفّاظ الأثبات ، يروون هذه الإثارة من علم الدين ، متلقين عن سلفهم ، ويلقونها إلى الخلف ، شأن ما يتحقق عندهم ، ويخضعون لصحته من الأحاديث ، فإليك يسيرا من أسمائهم في كلّ قرن شاهدا على الدعوى ، ونحيل الحيطة بجميعها إلى طول باع القارئ الكريم ، والوقوف على الأسانيد ومعرفة المشيخة.
ثم شرع من القرن الثاني إلى القرن الرابع عشر ، وذكر وعدّ ستين وثلاثمائة من الحفّاظ والناقلين لحديث الغدير مع أنّ جمعا من هؤلاء كانوا يروون ذلك بطرق مختلفة ، كما قال في هامش ص 14 : إن أحمد بن حنبل رواه من أربعين طريقا وابن جرير الطبريّ من نيف وسبعين طريقا ، والجزريّ المقرئ من ثمانين طريقا وابن عقدة من مائة وخمس طرق ، وأبو سعيد السجستانيّ من مائة وعشرين طريقا ، وأبو بكر الجعابيّ من مائة وخمس وعشرين طريقا ، وفي تعليق هداية العقول ص 30 عن الأمير محمّد اليمنيّ (أحد شعراء الغدير في القرن الثاني عشر) أنّ له مائة وخمسين طريقا ، ثم قال العلّامة الأميني ـ قدس سره ـ في متن الغدير : بلغ اهتمام العلماء بهذا الحديث إلى غاية غير قريبة ، فلم يقنعهم إخراجه بأسانيد مبثوثة خلال الكتب ، حتّى أفرده جماعة بالتأليف ، فدوّنوا ما انتهى إليهم من أسانيده ، وضبطوا ما صحّ لديهم من طريقه ، كلّ ذلك حرصا على كلاءة متنه من الدثور ، وعن تطرق يد التحريف إليه ، ثم أيّد تواتره بالمناشدة والاحتجاج ، حيث قال : لم يفتأ هذا الحديث منذ الصدر الأوّل ، وفي القرون الأولى ، حتّى القرن الحاضر من الاصول المسلّمة ، يؤمن به القريب ، ويرويه المناوئ ، من غير نكير في صدوره ، وكان ينقطع المجادل إذا خصمه مناظره بإنهاء القضية إليه ، ولذلك كثر الحجاج به ، وتوفرت مناشدته بين الصحابة والتابعين ، وعلى العهد العلويّ وقبله.
ثم ذكر الاثنين والعشرين ، من مواضع المناشدة والاحتجاج ، وبين أعلام الشهود فيها ، ثم ذكر جماعة من علماء العامّة الذين اعترفوا بصحّة الحديث وثبوته وتواتره ، وهم الثلاثة والأربعون ، وهذا هو المحصّل لما أفاده ـ قدس سره ـ في تحقيق سند حديث الغدير فراجع (8).
قال في إحقاق الحق : وقد شهد بتواتره فطاحل الآثار وحفظة الأخبار أودعوه في كتبهم على تنوّعها ، وأذعنوا بعد التأويلات الباردة بصراحته في ما نقول نحن معاشر شيعة أهل البيت ، ثم نقل ذلك عن جمع منهم فراجع (9).
قال في دلائل الصدق : بل الحق أنّ هذا الحديث من المتواترات حتّى عند القوم ، فقد نقل السيد السعيد ـ رحمه الله ـ عن الجزريّ الشافعيّ أنّه أثبت في رسالته أسنى المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب تواتره من طرق كثيرة ، ونسب منكره إلى الجهل والعصبية إلخ (10) هذا يكفيك بالنسبة إلى سند حديث الغدير.
وأمّا سند حديث المنزلة فهو أيضا في غاية القوّة ويكفيك فيه ما حقّقه آية الله السيد شرف الدين ـ قدس سره ـ في المراجعات حيث قال : «لم يختلج في صحّة سنده ريب حتّى الذهبيّ ـ على تعنّته ـ صرّح في تلخيص المستدرك بصحته ، وابن حجر الهيثميّ ـ على محاربته بصواعقه ـ ذكر الحديث في الشبهة 12 من الصواعق ، فنقل القول بصحته عن أئمة الحديث الّذين لا معوّل فيه إلّا عليهم فراجع ، ولو لا أنّ الحديث بمثابة من الثبوت ، ما أخرجه البخاري في كتابه ، فإنّ الرجل يغتصب نفسه عند خصائص عليّ وفضائل أهل البيت اغتصابا ، ومعاوية كان إمام الفئة الباغية ، ناصب أمير المؤمنين وحاربه ، ولعنه على منابر المسلمين ، وأمرهم بلعنه ، لكنّه ـ بالرغم من وقاحته في عدوانه ـ لم يجحد حديث المنزلة ، ولا كابر فيه سعد بن أبي وقاص حين قال له ـ فيما أخرجه مسلم ـ ما منعك أن تسب أبا تراب ، فقال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله فلن أسبه ؛ لإن تكون لي واحدة منها أحبّ إليّ من حمر النعم ، سمعت رسول الله يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبوّة بعدي ... الحديث ، فأبلس معاوية ، وكفّ عن تكليف سعد.
أزيدك على هذا كلّه أنّ معاوية نفسه حدّث بحديث المنزلة ، قال ابن حجر في صواعقه : أخرج أحمد أنّ رجلا سأل معاوية عن مسألة ، فقال : سل عنها عليّا فهو أعلم ، قال : جوابك فيها أحبّ إليّ من جواب عليّ ، قال : بئس ما قلت : لقد كرهت رجلا كان رسول الله يغرّه بالعلم غرا ، ولقد قال له : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي ، وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذ منه ... إلى آخر كلامه.
وبالجملة فإنّ حديث المنزلة مما لا ريب في ثبوته بإجماع المسلمين على اختلافهم في المذاهب والمشارب ، ثم أشار إلى جمع من كتب السير وجوامع الحديث التي نقل فيها حديث المنزلة كالجمع بين الصحاح الستة ، وصحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، وسنن ابن ماجة ، ومسند احمد بن حنبل ، والطبراني ، ثم قال : وكلّ من تعرّض لغزوة تبوك من المحدّثين وأهل السير والأخبار ، نقلوا هذا الحديث ، ونقله كلّ من ترجم عليّا من أهل المعاجم في الرجال من المتقدمين والمتأخرين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ، ورواه كلّ من كتب في مناقب أهل البيت ، وفضائل الصحابة من الأئمة ، كأحمد بن حنبل ، وغيره ممن كان قبله أو جاء بعده ، وهو من الأحاديث المسلّمة في كلّ خلف من هذه الامّة (11) وخصّ صاحب عبقات الأنوار جلدا ضخما بحديث المنزلة جزاه الله عن الإسلام خيرا ، وروى في غاية المرام مائة حديث من طريق العامّة ، وسبعين حديثا من طرق الخاصّة حول حديث المنزلة فراجع ، هذا كلّه بالنسبة إلى حديث المنزلة.
وأمّا اعتبار نصّ الدار يوم الإنذار فيكفيك ما في المراجعات حيث قال : وحسبك منها (أي النصوص) ما كان في مبدأ الدعوة الإسلامية قبل ظهور الاسلام بمكة ، حين أنزل الله تعالى عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) فدعاهم إلى دار عمه ـ أبي طالب ـ وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ، وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، والحديث في ذلك من صحاح السنن المأثورة ، ثم أشار إلى من أخرج هذا الحديث في كتابه ، وكان فيهم ابن اسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقيّ والطبريّ والثعلبيّ ، ثم قال : وأرسله ابن الأثير إرسال المسلمات ، وصحّحه غير واحد من أعلام المحققين كابن جرير والاسكافيّ والذهبيّ ، وصرّح في آخر كلامه بتواتره عند الشيعة فراجع (12).
هذه جملة من النصوص التي وردت لتعيين عليّ ـ عليه السلام ـ للولاية والإمامة وبقيتها تطلب من المطوّلات كما لا يخفى.
الثالث : في فقه الحديث ، ولا يخفى عليك أنّ المصنّف اكتفى بوضوح الدلالة ، ولم يبحث عنه ، ولكن الأولى هو أن يبحث عنه بعد ورود إشكالات من ناحية بعض إخواننا العامّة ، وإن كان جوابها واضحا ولذلك نقول : أمّا حديث الغدير : فالمراد منه هو إثبات كونه ـ عليه السلام ـ أولى بالتصرّف من دون فرق بين كون المولى كالوليّ ظاهرا فيه بحسب الوضع اللغويّ ، أو مشتركا لفظيّا بين المعاني ، أو مشتركا معنويا بينها ، لفهم من حضر ومن يحتجّ بقوله في اللغة من الادباء والشعراء ، فإنّه يوجب الوثوق والاطمئنان بالمعنى المراد ، وهو كاف في كلّ مقام كما لا يخفى.
قال العلّامة الأميني ـ قدس سره ، : وأمّا دلالته على إمامة مولانا أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فإنّا مهما شككنا في شيء فلا نشك في أنّ لفظة المولى سواء كانت نصّا في المعنى الذي نحاوله بالوضع اللغوي ، أو مجملة في مفادها لاشتراكها بين معان جمّة ، وسواء كانت عريّة عن القرائن لإثبات ما ندعيه من معنى الإمامة، أو محتفّة بها فإنّها في المقام لا تدلّ إلّا على ذلك لفهم من وعاه من الحضور في ذلك المحتشد العظيم، ومن بلغه النبأ بعد حين ممن يحتج بقوله في اللغة من غير نكير بينهم، وتتابع هذا الفهم فيمن بعدهم من الشعراء ورجالات الأدب حتّى عصرنا الحاضر، وذلك حجّة قاطعة في المعنى المراد، وفي الطليعة من هؤلاء: مولانا أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ حيث كتب إلى معاوية في جواب كتاب له من أبيات ستسمعها ما نصّه:
وأوجب لي ولايته عليكم
رسول الله يوم غدير خمّ .
ومنهم : حسّان بن ثابت الحاضر مشهد الغدير ، وقد استأذن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أن ينظم الحديث في أبيات منها قوله :
فقال له : قم يا عليّ فإنّني
رضيتك من بعدي إماما وهاديا.
ومن أولئك : الصحابيّ العظيم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ الذي يقول :
وعليّ إمامنا وإمام
لسوانا اتى به التنزيل
يوم قال النبيّ : من كنت مولاه
فهذا مولاه خطب جليل .
ومن القوم : محمّد بن عبد الله الحميريّ القائل :
تناسوا نصبه في يوم خمّ
من البادي ومن خير الأنام.
ومنهم : عمرو بن العاص الصحابيّ القائل :
وكم قد سمعنا من المصطفي
وصايا مختصة في عليّ
وفي يوم خمّ رقى منبرا
وبلّغ والصحب لم ترحل
فأمنحه إمرة المؤمنين
من الله مستخلف المنحل
وفي كفّه كفّه معلنا
ينادي بأمر العزيز العليّ
وقال : فمن كنت مولى له
عليّ له اليوم نعم الوليّ .
ومن أولئك : كميت بن زيد الأسديّ الشهيد 126 ، حيث يقول :
ويوم الدوح دوح غدير خمّ
أبان له الولاية لو اطيعا
ولكنّ الرجال تبايعوها
فلم أر مثلها خطرا مبيعا.
ثم نقل عن الحميريّ والعبديّ الكوفيّ وغيره من شعراء القرن الثاني والثالث أشعارا ، ثم قال : وتبع هؤلاء جماعة من بواقع العلم والعربية الذي لا يعدون مواقع اللغة ، ولا يجهلون وضع الألفاظ ، ولا يتحرّون إلّا الصحة في تراكيبهم وشعرهم ، كدعبل الخزاعيّ ، والحمانيّ ، والأمير أبي فراس ، وعلم الهدى المرتضى ، والسيد الشريف الرضيّ ، والحسين بن الحجّاج ، وابن الروميّ ، وكشاجم ، والصنوبريّ ، والمفجع ، والصاحب بن عباد ، ثم ذكر عدة اخرى من الشعراء ـ إلى أن قال ـ : إلى غيرهم من اساطين الأدب وأعلام اللغة ، ولم يزل اثرهم مقتصّا في القرون المتتابعة إلى يومنا هذا ، وليس في وسع الباحث أن يحكم بخطإ هؤلاء جميعا ، وهم مصادره في اللغة ، ومراجع الامة في الأدب (13).
وأيضا يدلّ على هذا الفهم المذكور استشهادات الصحابة وغيرهم بهذا الحديث للخلافة ، قال في دلائل الصدق : وفي رواية لأحمد أنّه سمعه من النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ ثلاثون صحابيا ، وشهدوا به لعليّ ـ عليه السلام ـ لمّا نوزع أيام خلافته كما مرّ ، وسيأتي. ثم قال صاحب دلائل الصدق : أقول : وهذا صريح في دلالة الحديث على الخلافة (14).
هذا مضافا إلى القرائن الداخلية والخارجية الدالة على تعيين المراد من كلمة المولى ، وهي كثيرة ، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها.
القرينة الاولى : هو قوله ـ صلى الله عليه وآله ـ : ألست أولى بكم من أنفسكم في صدر الحديث ، فإنّه يدلّ على اولويّة نفسه على الناس في الامور والأنفس ، فتفريع قوله : «فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه» على الصدر يدلّ على أنّ المقصود هو أن يثبت بذلك لعليّ ـ عليه السلام ـ مثل ما كان لنفسه من ولاية التصرف والاولويّة المذكورة ، فلو أريد من المولى غير الاولويّة ، فلا مناسبة لتصدير هذه المقدمة وتفريع قوله عليه كما لا يخفى.
ولذا قال العلّامة الحليّ ـ قدس سره ـ : ووجه الاستدلال به أنّ لفظة مولى تفيد الأولى ؛ لأنّ مقدمة الحديث تدلّ عليه (15) ، وتبعه الأعلام والفحول. قال العلّامة الأمينيّ ـ قدس سره ـ : وقد رواها (أي المقدمة المذكورة) الكثيرون من علماء الفريقين ، وذكر أربعة وستين منهم وفيهم أحمد بن حنبل والطبريّ والذهبيّ وابن الصبّاغ والحلبيّ وابن ماجة والترمذيّ والحاكم وابن عساكر والنسائي والكنجيّ وابن المغازليّ والخوارزميّ والتفتازانيّ والبيضاويّ وابن الأثير والمقريزيّ والسيوطيّ ، وغيرهم من الأعلام.
ثم قال : أضف إلى ذلك من رواها (أي المقدمة المذكورة) من علماء الشيعة الذين لا يحصى عددهم ـ إلى أن قال ـ : ويزيدك وضوحا وبيانا ما في «التذكرة» لسبط ابن الجوزي الحنفيّ : ص 20 فإنّه بعد عدّ معان عشرة للمولى ، وجعل عاشرها الأولى ، قال : والمراد من الحديث : الطاعة المخصوصة ، فتعيّن الوجه العاشر وهو الأولى ، ومعناه : من كنت أولى به من نفسه فعليّ أولى به ، وقد صرّح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن سعيد الثقفيّ الأصبهانيّ في كتابه المسمّى بمرج البحرين ، فإنّه روى هذا الحديث بإسناده إلى مشايخه وقال فيه : فأخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ بيد عليّ فقال : من كنت وليّه وأولى به من نفسه فعليّ وليّه الخ (16).
وأيضا نقل في احقاق الحقّ القرينة الأولى من العلامة ابن بطريق الأسديّ الحلّي (17).
القرينة الثانية : هي قوله ـ صلى الله عليه وآله ـ في ذيل الحديث : هنئوني هنئوني ، إنّ الله تعالى خصّني بالنبوّة وخصّ أهل بيتي بالإمامة ، فلقى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين فقال : طوبى لك يا أبا الحسن ، اصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة ، رواه في الغدير عن شرف المصطفى فراجع (18). قال العلّامة الأميني ـ قدس سره ـ : فصريح العبارة هو الإمامة المخصوصة بأهل بيته الذين سيدهم والمقدّم فيهم هو أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وكان هو المراد في الوقت الحاضر ، ثم نفس التهنئة والبيعة والمصافحة والاحتفال بها واتصالها ثلاثة أيام ، كما مرّت هذه كلّها ص 269 ـ 283 (وقد نقل في هذه الصفحات قصة تهنئة الشيخين عن الستين من أعاظم علماء أهل السنّة) لا تلائم غير معنى الخلافة والاولويّة ، ولذلك ترى الشيخين أبا بكر وعمر لقيا أمير المؤمنين فهنئاه بالولاية (19).
القرينة الثالثة : هي التعبير عن يوم الغدير بيوم نصب عليّ علما وإماما ، كما روي في مودة القربى على ما حكاه في كتاب الغدير عن عمر بن الخطاب أنّه قال : نصّب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ عليّا علما ، فقال : من كنت مولاه فعليّ مولاه الحديث (20) وروى فرائد السمطين ، عن زيد بن أرقم والبراء بن عازب وسلمان وأبي ذر والمقداد وعمّار ، أنّهم قالوا : نشهد لقد حفظنا قول رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وهو قائم على المنبر : «وأنت (والخطاب لعلي عليه السلام) إلى جنبه وهو يقول : أيّها الناس ، إن الله عزوجل أمر أن انصبّ لكم إمامكم ، والقائم فيكم بعدي ، ووصيي وخليفتي» الحديث (21). هذا صريح في أنّ المراد من المولى هو الأولى بالتصرف لا سائر المعاني.
القرينة الرابعة : الأخبار المفسّرة منها : ما رواه في الغدير عن طريق العامّة عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ أنّه لمّا سئل عن معنى قوله : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، قال : الله مولاي أولى بي من نفسي ، لا أمر لي معه وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي ، ومن كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي ، فعليّ مولاه أولى به من نفسه ، لا أمر له معه (22).
ومنها : ما رواه شيخ الإسلام الحمويني في حديث احتجاج أمير المؤمنين أيام عثمان قوله ـ عليه السلام ـ : ثم خطب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فقال : أيّها الناس أتعلمون أنّ الله عزوجل مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : قم يا علي فقمت ، فقال : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه. فقام سلمان فقال : يا رسول الله ولاء كما ذا؟ قال ولاء كولاي ، من كنت أولى به من نفسه فعليّ أولى به من نفسه (23) ، وغير ذلك من الأخبار.
القرينة الخامسة : وهي كما في دلائل الصدق أنّه ـ صلى الله عليه وآله ـ بيّن قرب موته كما في رواية الحاكم ورواية الصواعق وغيرهما ، حيث قال فيه : «أيّها الناس إنّه قد نبأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمّر نبيّ إلّا نصف عمر النبي الذي يليه من قبله وإنّي لأظن أنّي يوشك أن ادعى فاجيب وإني مسئول وإنكم مسئولون ، فما ذا أنتم قائلون؟ قالوا : نشهد أنّك بلّغت وجهدت ونصحت ، فجزاك الله خيرا» الحديث وهو مقتض للعهد بالخلافة ومناسب له ، فلا بدّ من حمل قوله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه» على العهد لأمير المؤمنين بالخلافة لا على بيان الحبّ والنصرة ، ولا سيّما مع قوله في رواية الحاكم : «إنّي تركت» إلى آخره الدالّ على الحاجة إلى عترته وكفايتهم مع الكتاب في ما تحتاج إليه الامة ، وقوله في رواية الصواعق : «إنّي سائلكم عنهما» وقوله : «لن يفترقا» بعد أمره بالتمسك بالكتاب ، فإنّ هذا يقتضي وجوب التمسك بهم واتباعهم ، فيسأل عنهم وذلك لا يناسب إلّا الإمامة (24).
القرينة السادسة : هي كما في دلائل الصدق قرائن الحال الدالة على أنّ ما أراد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ بيانه هو أهم الامور وأعظمها كأمره بالصلاة جامعة في السفر بالمنزل الوعر بحرّ الحجاز وقت الظهيرة مع إقامة منبر من الاحداج له ، وقيامه خطيبا بين جماهير المسلمين ، الذين يبلغ عددهم مائة ألف أو يزيدون ، فلا بدّ مع هذا كلّه أن يكون مراد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ بيان إمامة أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ التي يلزم إيضاح حالها والاهتمام بشأنها وإعلام كلّ مسلم بها ، لا مجرد بيان أن عليّا محبّ لمن أحببته ، وناصر لمن نصرته ، وهو لا أمر ولا إمرة له ، وعلى هذا فبالنظر إلى خصوص كلّ واحدة من تلك القرائن الحالية والمقالية ، فضلا عن مجموعها ، لا ينبغي أن يشكّ ذو ادراك في إرادة النصّ على عليّ ـ عليه السلام ـ بالإمامة ، وإلّا فكيف تستفاد المعاني من الألفاظ ، وكيف يدلّ الكتاب العزيز أو غيره على معنى من المعاني ، وهل يمكن أن لا تراد الإمامة وقد طلب أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ من الصحابة بمجمع الناس بيان الحديث ، ودعا على من كتمه ؛ إذ لو اريد به مجرد الحبّ والنصرة لما كان محلا لهذا الاهتمام ، ولا كان مقتض لأن يبقى في أبي الطفيل منه شيء وهو أمر ظاهر ليس به عظيم فضل ، حتّى قال له زيد بن أرقم : ما تنكر قد سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يقول ذلك له كما سبق (25).
ولا كان مستوجبا لتهنئة أبي بكر وعمر ، لأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ بقولهما «أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة» فإنّ التهنئة لأمير المؤمنين الذي لم يزل محلا لذكر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ بالفضائل العظيمة والخصائص الجليلة ، إنّما تصحّ على أمر حادث تقصر عنه سائر الفضائل ، وتتقاصر له نفوس الأفاضل ، وتتشوق إليه القلوب ، وتتسوف له العيون ، فهل يمكن أن يكون هو غير الإمامة من النصرة ونحوها ممّا هو أيسر فضائله وأظهرها وأقدمها ، ولكن كما قال الغزالي في سر العالمين : «ثم بعد ذلك غاب الهوى وحبّ الرئاسة وعقود البنود وخفقان الرايات وازدحام الخيول وفتح الأمصار والأمر والنهي ، فحملهم على الخلاف ، فنبذوه وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنا قليلا ، فبئس ما يشترون» وقد ذكر جماعة من القوم أنّ سرّ العالمين للغزالي كالذهبي في ميزان الاعتدال بترجمة الحسن بن الصباح الاسماعيلي هذا (26).
وإلى غير ذلك من القرائن الكثيرة المذكورة في المطولات.
هذا مضافا إلى فهم أهل البيت الذين كانوا مصونين عن الخطأ والاشتباه بنصّ الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله ـ ولذا أعظموا يوم الغدير ، وأوصوا وأكدوا بتعظيمه ، وجعله عيدا ؛ لكونه يوم نصب عليّ عليه السلام ـ للإمامة والخلافة بحيث صار مفاد الحديث عند الشيعة قطعيّا ويقينيّا كما لا يخفى. فالحديث مع ما قد خفّ به من القرائن نصّ جليّ على خلافة عليّ ـ عليه السلام ـ وعلى وجوب الاتباع له ، كوجوب الاتباع عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ هذا كلّه بالنسبة إلى حديث الغدير وبقية الكلام تطلب من دلائل الصدق والغدير والمراجعات وغير ذلك.
وأمّا الكلام في حديث المنزلة فوجه الاستدلال به كما في العقائد الحقّة أنّ المستفاد من هذا الخبر ثبوت جميع منازل هارون من موسى ، واستثنى منزلة النبوّة ، ومن جملة المنازل الخلافة بعده (27).
بل يمكن أن يستفاد من حديث المنزلة خلافته وإمامته من زمان حياة الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله ـ.
قال في دلائل الصدق ونعم ما قال : لا ريب أنّ الاستثناء دليل العموم ، فتثبت لعليّ ـ عليه السلام ـ جميع منازل هارون الثابتة له في الآية سوى النبوّة ، ومن منازل هارون الإمامة ؛ لأنّ المراد بالأمر في قوله تعالى : (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) هو الأعمّ من النبوّة التي هي التبليغ عن الله تعالى ومن الإمامة ، التي هي الرئاسة العامّة ، فإنّهما أمران مختلفان ، إلى أن قال ـ : ويشهد للحاظ الإمامة وإرادتها من الأمر في الآية الأخبار السابقة المتعلّقة بآخر الآيات ، التي ذكرناها في الخاتمة المصرّحة تلك الأخبار بأنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ دعا فقال : «اللهم إني أسألك بما سألك أخي موسى ، أن تشرح لي صدري ، وأن تيسر لي أمري ، وتحلّ عقدة من لساني يفقهوا قولي ، واجعل لي وزيرا من أهلي ، عليّا أخي اشدد به أزري ، وأشركه في أمري» فإنّ المراد هنا بالاشراك في أمره هو الإشراك بالإمامة لا الإشراك بالنبوّة كما هو ظاهر ، ولا المعاونة على تنفيذ ما بعث فيه ؛ لأنّه قد دعا له أولا بأن يكون وزيرا له.
وبالجملة معنى الآية أشركه في أمانتي الشاملة لجهتي النبوّة والإمامة ؛ ولذا نقول : إنّ خلافة هارون لموسى لمّا ذهب إلى الطور ليست كخلافة سائر الناس ، ممن لا حكم ولا رئاسة له ذاتا ، بل هي خلافة شريك لشريك أقوى ؛ ولذا لا يتصرف بحضوره فكذا عليّ بحكم الحديث لدلالته على أنّ له جميع منازل هارون ، التي منها شركته لموسى في أمره سوى النبوّة ، فيكون عليّ إماما مع النبيّ في حياته ـ إلى أن قال ـ : فلا بدّ أن تستمر إمامته إلى ما بعد وفاته ولا سيّما أنّ النظر في الحديث إلى ما بعد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ أيضا ، ولذا قال : إلّا أنه لا نبيّ بعدي. ولو تنزّلنا عن ذلك فلا إشكال بأنّ من منازل هارون أن يكون خليفة لموسى لو بقي بعده ؛ لأنّ الشريك أولى الناس بخلافة شريكه ، فكذا يكون عليّ ـ عليه السلام ـ إلى أن قال ـ : وقد علم على جميع الوجوه أنّه لا ينافي الاستدلال بالحديث على المدعى موت هارون قبل موسى ، كما علم بطلان أن يكون المراد مجرد استخلاف أمير المؤمنين في المدينة خاصّة ، فإنّ خصوص المورد لا يخصص العموم الوارد ، ولا سيّما أن الاستخلاف بالمدينة ليس مختصا بأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ لاستخلاف النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ غيره بها في باقي الغزوات ، ومقتضى الحديث أن استخلاف منزلة خاصّة به كمنزلة هارون من موسى التي لم يستثن منها إلّا النبوّة. فلا بدّ أن يكون المراد بالحديث إثبات تلك المنزلة له العامّة له إلى ما بعد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى أن قال ـ : ويدلّ على عدم إرادة ذلك الاستخلاف الخاصّ (أيّ في غزوة تبوك) بخصوصه ورود الحديث في موارد لا دخل لها به.
(فمنها) : ما سيجيء إن شاء الله تعالى من أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ علّل تحليل المسجد لعليّ جنبا بأنّه منه بمنزلة هارون من موسى.
(ومنها) : ما رواه في كنز العمال عن أمّ سليم أنّ النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ قال لها : يا أمّ سليم ، إنّ
عليّا لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو منّي بمنزلة هارون من موسى.
(ومنها) : ما رواه في الكنز أيضا عن ابن عباس أنّ عمر قال : «كفوا عن ذكر علي بن أبي طالب فإنّي سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يقول في عليّ ثلاث خصال لان يكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس : كنت وأبو بكر وأبو عبيدة ونفر من أصحاب رسول الله والنبيّ متكئ على عليّ حتّى ضرب على منكبه ، ثم قال : انت يا عليّ أوّل المؤمنين ايمانا وأولهم اسلاما ، ثم قال : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، وكذب من زعم أنّه يحبني ويبغضك» ـ إلى أن قال ـ : إلى غيرها من الموارد الكثيرة (28).
ثم إنّ الأحاديث المذكورة شطر من الأحاديث الكثيرة الدالة على إمامة عليّ وأولاده ـ عليهم السلام ـ فعليك بالكتب الكلامية ، وجوامع الحديث ، والسّير ، والتفاسير.
الرابع : في الآيات وهي كثيرة وقد اشير إليها في الكتب التفسيريّة والكلاميّة والمصنّف ـ قدس سره ـ اكتفى بآية واحدة ، وهي آية الولاية ، وهي من الآيات الباهرات ، وتقريب تلك الآية على ما في العقائد الحقّة وغيرها : أنّ وجه الاستدلال أنّ لفظة إنّما للحصر لاتفاق أهل العربية عليه ، والوليّ وإنّ ذكر له معان ، لكن لا يناسب مع الحصر المذكور معنى غير الأولى بالتصرّف ، كقولهم : السلطان وليّ من لا وليّ له ووليّ الدم ووليّ الميّت وقوله : أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل ، وقد ذكر المفسرون أنّ المراد بهذه الآية الشريفة علي بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ لأنّه لمّا تصدّق بخاتمه حال ركوعه نزلت هذه الآية (29).
قال العلّامة الحليّ ـ قدس سره ـ : أجمعوا على نزولها في عليّ ـ عليه السلام ـ وهو مذكور في الصحاح الستة لمّا تصدّق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة ، والوليّ هو المتصرف ، وقد أثبت الله تعالى الولاية لذاته ، وشرك معه الرسول وأمير المؤمنين وولاية الله عامّة فكذا النبيّ والوليّ (30) فالمحصور فيه الولاية معلوم للصحابة على ما تشهد له الأخبار الواردة في الصحاح وهو عليّ عليه السلام.
وقال الاستاذ الشهيد آية الله المطهريّ ـ قدس سره ـ : لم يرد في الشرع أمر بأداء الزكاة في حال الركوع حتّى يكون ذلك قانونا كليا وله أفراد ، فالآية إشارة إلى قضية خارجية لم تقع إلّا مرّة واحدة ، والشيعة وأهل التسنن اتفقوا على أنّ هذه القضية هي التي وقعت من عليّ ـ عليه السلام ـ حال ركوعه في الصلاة ، فالآية نزلت في حقّه ، وعليه فالآية لا تدلّ إلّا على ولاية عليّ عليه السلام (31).
وبالجملة فالحصر في المقام يدلّ على أنّ المراد من الولاية هو الأولى بالتصرف لا غير ، وإلّا فلا يصحّ الحصر إذ المحبّة والنصرة لا اختصاص لهما بقوم دون قوم ، هذا مضافا إلى وحدة السياق فإنّ المراد من الوليّ في الله تعالى ورسوله الأعظم هو الأولى بالتصرف ، وهكذا في الذين آمنوا ... الآية ، كما أنّ خارجية القضية تشهد بكون المراد منها هو ما وقعت من عليّ ـ عليه السلام ـ بمحضر الصحابة ، وهذا التقريب أسدّ وأخصر ممّا في دلائل الصدق حيث قال : لا يبعد أنّ الوليّ مشترك معنى موضوع للقائم بالأمر أي الذي له سلطان على المولى عليه ولو في الجملة ، فيكون مشتقا من الولاية بمعنى السلطان ، ومنه وليّ المرأة والصبي والرعية أي القائم بأمورهم ، وله سلطان عليهم في الجملة ، ومنه أيضا الوليّ بمعنى الصديق والمحبّ فإنّ للصديق ولاية وسلطانا في الجملة على صديقه وقياما باموره ، وكذا الناصر بالنسبة إلى المنصور ، والحليف بالنسبة إلى حليفه ، والجار بالنسبة إلى جاره ، إلى غير ذلك ، فحينئذ يكون معنى الآية : إنّما القائم باموركم هو الله ورسوله وأمير المؤمنين ، ولا شك أنّ ولاية الله تعالى عامّة في ذاتها مع أنّ الآية مطلقة ، فتفيد العموم بقرينة الحكمة ، فكذا ولاية النبيّ والوصيّ فيكون عليّ ـ عليه السلام ـ هو القائم بامور المؤمنين ، والسلطان عليهم ، والإمام لهم.
ولو سلّم تعدد المعاني واشتراك الوليّ بينها لفظا فلا ريب أنّ المناسب لا نزال الله الآية في مقام التصدق أن يكون المراد بالوليّ هو القائم بالامور لا الناصر ، إذ أي عاقل يتصور أنّ إسراع الله سبحانه بذكر فضيلة التصدّق واهتمامه في بيانها بهذا البيان العجيب لا يفيد إلّا مجرد بيان أمر ضروري ، وهو نصرة علي ـ عليه السلام ـ للمؤمنين.
ولو سلّم أنّ المراد الناصر فحصر الناصر بالله ورسوله وعليّ لا يصحّ إلّا بلحاظ إحدى جهتين : (الاولى) : أنّ نصرتهم للمؤمنين مشتملة على القيام والتصرّف بامورهم ، وحينئذ يرجع إلى المعنى المطلوب.
(الثانية) أن تكون نصرة غيرهم للمؤمنين كلا نصرة بالنسبة إلى نصرتهم ، وحينئذ يتمّ المطلوب أيضا ؛ إذ من لوازم الإمامة النصرة الكاملة للمؤمنين ، ولا سيّما قد حكم الله عزوجل بأنّها في قرن نصرته ونصرة رسوله.
وبالجملة قد دلّت الآية الكريمة على انحصار الولاية بأيّ معنى فسّرت بالله ورسوله وأمير المؤمنين ، وأنّ ولايتهم من سنخ واحد ، فلا بدّ أن يكون أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ممتازا على الناس جميعا بما لا يحيط به وصف الواصفين ، فلا يليق إلّا أن يكون إماما لهم ونائبا من الله تعالى عليهم جميعا.
ويشهد لإرادة الإمامة من هذه الآية ، الآية التي قبلها الداخلة معها في خطاب واحد ، وهى قوله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ» الآية ، فإنّها ظاهرة في أنّ من يأتي بهم الله ، تعالى من أهل الولاية على الناس ، والقيام بامورهم ؛ لأن معناها يا أيّها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم مخصوصين معه بالمحبة بينه وبينهم ، أذلّة على المؤمنين ، أي متواضعين لهم تواضع ولاة عليهم ؛ للتعبير ب «على» التي تفيد العلوّ والارتفاع ، أعزّة على الكافرين أي ظاهري العزّة عليهم والعظمة عندهم ، ومن شأنهم الجهاد في سبيل الله ، ولا يخافون لومة لائم ، ومن المعلوم أنّ هذه الأوصاف إنّما تناسب ذا الولاية والحكم والإمامة ، فيكون تعقبها بقوله تعالى : (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ) الآية دليلا على أنّ المراد بوليّ المؤمنين إمامهم القائم بامورهم للارتباط بين الآيتين (32).
وهنا تقريب آخر مذكور في كتاب الإمامة والولاية حيث قال : إنّ هذا الخطاب الإلهي يتوجه إلى الامة الإسلامية ليحدّد لها أولياءها بالخصوص ، وأنّ من الواضح جدا هنا أن المولى غير المولى عليه فالذين آمنوا ـ في تعبير الآية ـ هم غير المخاطبين المولّى عليهم ، وسياق هذه الآية ليس كسياق الآية الشريفة (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) لأنّ الآية في مقام بيان الأولياء من الله تعالى والرسول الأعظم والذين آمنوا ، وهو أمر لا يخفى على العارف بأساليب الكلام.
وعليه ف (الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) هم أفراد معيّنون ، لهم شأن وامتياز عن الآخرين ، وذلك إمّا لأنّ هذه الصفات المذكورة تتجلّى بكلّ واقعها فيهم أو لأنّهم سبقوا غيرهم إليها ، كما أنّ من الواضح أيضا أنّ حقيقة هذه العلاقة المعبّر عنها بالولاية ، بين الله ورسوله وهؤلاء الذين آمنوا ، وبين أفراد الامة الإسلامية ليست كالرابطة المتقابلة بين فردين أو جماعتين من الامة أي رابطة الحبّ والتعاون والتناصر ، وإنما هي علاقة خاصّة يكون أحد الطرفين فيها مؤثّرا في الآخر دون العكس ، وليست هي إلّا الأولوية في التصرف ، وإن اختلفت بالنسبة إلى الله تعالى وإلى غيره أصالة وتبعا وشدّة وضعفا ، فولاية الله تعالى هي الأصيلة في حين أنّ ولاية الرسول ومن يتلوه هي ولاية مستمدّة من ولاية الله تعالى.
إذا لاحظنا هذا الذي قلناه وأدركنا الربط بين الحكم الوارد في هذه الآية ومدى تناسبه مع موضوعه ، وركّزنا على جعل ولاية الذين آمنوا ـ هؤلاء ـ في سياق ولاية الله تعالى ورسوله عرفنا بدقّة أنّ المراد منهم أولو الأمر الذين افترض الله طاعتهم على المؤمنين ، وقرن طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله ـ إلى أن قال ـ : وقد جاءت الولاية المعطاة لهؤلاء مطلقة في الآية بلا أي تقييد بجانب معيّن من الجوانب ؛ ولذا فيلتزم بهذا الإطلاق إلّا ما خرج بالدليل القطعيّ ، وهو الاستقلال بالولاية التكوينيّة والتشريعيّة ، فولايتهم على أيّ حال تبعية متفرعة على ولاية الله تعالى الأصيلة المستقلة (33).
وبالجملة مقتضى مغايرة المضاف مع المضاف إليه في قوله : (إِنَّما وَلِيُّكُمُ) أنّ المراد من الوليّ هو الأولى بالتصرّف وإلّا فلا مغايرة بعد كون النصرة أو المحبّة لا تختص بقوم دون قوم ؛ لأنّ كلّ مؤمن بالنسبة إلى آخر يكون كذلك ، مع أنّ سياق الآية لا يكون في مقام بيان كون المؤمنين بعضهم محبّا أو ناصرا للبعض ؛ إذ الآية في مقام بيان تعيين الأولياء من طرف واحد ، وهم : الله والرسول والذين آمنوا.
وكيف كان فالآية من آيات الولاية والإمامة ، ويؤيدها الأخبار الكثيرة ، منها : ما عن الثعلبيّ عن أبي ذر الغفاري قال : أما إني صليت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يوما من الأيام الظهر ، فسأل سائل في المسجد ، فلم يعطه أحد شيئا ، فرفع السائل يديه إلى السماء وقال : اللهم اشهد إني سألت في مسجد نبيّك محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ فلم يعطني أحد شيئا ، وكان عليّ ـ رضياللهعنه ـ في الصلاة راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى وفيه خاتم فاقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره ، وذلك بمرأى من النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وهو في المسجد ، فرفع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ طرفه إلى السماء وقال : «اللهم إنّ أخي موسى سألك ، فقال (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)» فانزلت عليه قرآنا (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما) اللهم وإنّي محمّد نبيّك وصفيّك اللهم واشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليّا اشدد به ظهري. قال أبو ذر ـ رضياللهعنه ـ فما استتم دعاءه حتّى نزل جبرئيل ـ عليه السلام ـ من عند الله عزوجل قال يا محمّد اقرأ (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) (34).
ومنها : ما رواه الكلينيّ ـ قدس سره ـ عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال : أمر الله عزوجل رسوله بولاية عليّ وأنزل عليه (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ). الحديث (35).
ومنها : ما رواه ابن بابويه عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ في قول الله عزوجل: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) قال : «ان رهطا من اليهود أسلموا منهم عبد الله بن سلام وأسد وثعلبة وابن يامين وابن صوريا فأتوا النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ فقالوا : يا نبيّ الله ، إنّ موسى ـ عليه السلام ـ أوصى إلى يوشع بن نون فمن وصيّك يا رسول الله؟ ومن ولينا بعدك؟ فنزلت هذه الآية : إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : قوموا ، فقاموا وأتوا المسجد ، فإذا سائل خارج ، فقال يا سائل ما أعطاك أحد شيئا؟ قال : نعم هذا الخاتم قال : من أعطاكه قال : أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلي ، قال : على أي حال أعطاك؟ قال : كان راكعا ، فكبّر النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ وكبّر أهل المسجد ، فقال النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ : عليّ وليّكم بعدي. قالوا رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ نبيّا وبعليّ بن أبي طالب وليّا ـ فأنزل الله عزوجل : (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ) (36) وبقية الكلام تطلب من المطولات.
وأمّا مفاد نصّ الدار فهو واضح ، ولا كلام فيه ، ويستفاد منه أنّ الدعوة إلى الإمامة مقرونة مع دعوى الرسالة ، وهو حاك عن أهمّية الإمامة ، كما أنّه يحكي عن عظمة عليّ ـ عليه السلام ـ مع كونه عند ذلك في حوالي عشر سنوات ، حيث قام بإجابة دعوة الرسول والإيمان به ونصرته مع مخالفة كبراء عشيرة النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ لدعوته.
__________________
(1) كتاب العقائد الحقّة : ص 18.
(2) شرح تجريد الاعتقاد : ص 366 الطبع الحديث.
(3) الأصول من الكافي : ج 1 ص 198.
(4) ولاية الفقيه : ج 1 ص 392 ، نقلا عن بحار الأنوار : ج 23 ص 70.
(5) اصول دين : ص 37.
(6) أصول دين : ص 125.
(7) إلهيات الشفاء : ص 564.
(8) راجع الغدير : ج 1 ص 14 ـ 314.
(9) احقاق الحق : ج 2 ص 422.
(10) دلائل الصدق : ج 2 ص 53.
(11) المراجعات : ص 129 ـ 132
(12) المراجعات : ص 118 ـ 124.
(13) راجع الغدير : ج 1 ص 340 ـ 342.
(14) دلائل الصدق : ج 2 ص 52.
(15) شرح تجريد الاعتقاد : ص 369 الطبع الحديث.
(16) الغدير : ج 1 ص 370 ـ 372.
(17) احقاق الحق : ج 2 ص 469.
(18) الغدير : ج 1 ص 274.
(19) الغدير : ج 1 ص 375.
(20) الغدير : ج 1 ص 57.
(21) الغدير : ج 1 ص 165.
(22) الغدير : ج 1 ص 386.
(23) الغدير : ج 1 ص 387.
(24) دلائل الصدق : ج 2 ص 58.
(25) ونقل فيما سبق عن أحمد عن حسين محمد وأبي نعيم قالا : «حدّثنا فطر عن أبي الطفيل قال جمع على الناس في الرحبة ، ثم قال لهم : أنشد الله كلّ امرئ مسلم سمع رسول الله يقول يوم غدير خم ما سمع لمّا قام. فقام ثلاثون من الناس وقال أبو نعيم ، فقام ناس كثير فشهدوا حين أخذه بيده فقال للناس : أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قال : فخرجت وكان في نفسي شيء فلقيت زيد بن أرقم ، فقلت له : إنّي سمعت عليا يقول كذا وكذا قال: فما تنكر قد سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يقول ذلك له» راجع دلائل الصدق : ج 2 ص 55.
(26) دلائل الصدق : ج 2 ص 58 ـ 59.
(27) العقائد الحقة : ص 20.
(28) دلائل الصدق : ج 2 ص 252 ـ 254.
(29) العقائد الحقة : ص 19 ـ 20.
(30) دلائل الصدق : ص 44.
(31) امامت ورهبرى : ص 60 ـ 61.
(32) راجع دلائل الصدق : ج 2 ص 44 ـ 46.
(33) الامامة والولاية : ص 62 ـ 64.
(34) الإمامة والولاية : ص 65 نقلا عن غاية المرام والغدير.
(35) الإمامة والولاية : ص 68.
(36) الامامة والولاية : ص 68.
الاكثر قراءة في إمامة الأئمة الأثني عشر
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة