

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
أداء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المناسك الاخرى في أرض منى
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج/6ص213-227
2026-01-04
261
نتعرّض هنا إلى المناسك الاخرى التي أدّاها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أرض مِنى.
لقد جاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المَنْحَر قادماً من المحلّ الذي خطب فيه بمنى، ونحر بيده المباركة جميع البدن التي ساقها بنفسه.
وقلنا سابقاً إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ساق معه 63 أو 64 أو 66 أو 67 بدنة. وساق أمير المؤمنين عليه السلام من اليمن 37 أو 36 أو 34 أو 33 بدنة إلى رسول الله. وأشركه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم معه في حجّه وهديه. فكان كنفس النبيّ في جميع المناسك.
فلهذا اشتركا في نحر البدن التي كان عددها مائة. فشرع رسول الله بالنحر أوّلًا، وقيل: نحر 63 بدنة بمقدار عمره، إذ نحر عن كلّ سنة من عمره بدنة. ونحر أمير المؤمنين عليه السلام الباقي وهو تمام المائة. وكان ناجِيَة بن جُنْدب الخُزَاعيّ الأسْلَميّ حارساً على البدن كلّها.[1]
فأمر رسول الله أن يأخذوا من كلّ بعير بضعة، ويجعلونها في القدر ويطبخونها. وبعد ذلك أكل هو ووصيّه العظيم أمير المؤمنين عليهما صلوات المصلّين، من لحمها وشربا من مرقها.
وتصدّق رسول الله بالبدن كلّها، وحتّى جلودها، وجلالها وما علّق في أعناقها، ولم يعط للجزّار منها شيئاً، بل أعطاه أجره من شيء آخر غير الأجزاء والأعضاء وما يتعلّق بها.[2]
ولمّا فرغ رسول الله من النحر، حلق رأسه الشريف، حلقه مُعَمَّرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. وأشار إلى الجانب الأيمن من رأسه، فبدأ الحلّاق به فحلقه.
وأعطى أبا طلحة الأنصاريّ شعره ليقسّمه بين الناس، ويصل لكلّ واحد شعرة أو شعرتان منه. ثمّ أشار إلى الجانب الأيسر، فحلقه الحلّاق.
وأعطاه أيضاً لُامّ سَليم زوجة أبي طلحة الأنصاريّ، أو لكُرَيْب، أو لأبي طلحة نفسه ليقسّمه بين الحجّاج.[3]
ولمّا فرغ من حلق رأسه، ارتدى لباساً نظيفاً ومخيطاً وتحرّك نحو مكّة للطواف، وأداء صلاة الطواف.
ولا يخفى أنّ الناس عند ما كانوا يسألونه قبل التحرّك عن الحلق أو عن التقصير، كان يقول: "رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ". وفي رواية أنّه لمّا حلق بعض الصحابة وقصّر البعض الآخر، قال: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ".
قالوا: والمُقَصِّرِينَ؟ فأعاد رسول الله قوله: اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ.
فقالوا: والْمُقَصِّرِينَ؟ فقال رسول الله للمرّة الثالثة: اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقينَ!
ولمّا قالوا في المرّة الرابعة: والْمُقَصِّرينَ؟ قال رسول الله: والْمُقَصِّرِينَ.[4]
وقال البعض، كان هذا التكرار من النبيّ في عُمْرَة الحُدَيْبِيَّةِ لا في حِجَّةَ الوَدَاع. ولكن لمّا ورد هذا الحوار في حِجَّة الوداع مضافاً إلى عُمْرة الحُدَيْبِيَّة، فلا يستبعد أن يكون رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد استغفر للمحُلّقين ثلاث مرّات، وللمقصّرين في المرحلة الرابعة في كلا الموضعين.
ولمّا تحرّك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من منى إلى مكّة، طلب عند المسجد الحرام ماءً، ولمّا أراد بعض الصحابة، ومنهم عمّه العبّاس أن يأتوه بالماء من بيوتهم، قال: «اسقوني ممّا يشرب الناس».[5] ثمّ أتى زمزم فنزع له السقّاءون من بني عبد المطّلب، الذين كانوا مشغولين بنزع الماء دلواً.
فتناول منه، ثمّ مجّ مقداراً منه في الدلو وناوله السقّائين ليفرغوه في البئر ثانية، وقال: لو لا أخاف أن يظنّ الناس أنّ هذا من المناسك، فيأتون زمزم لنزع الماء وتُغْلَبون، لأحببت أن أنزع الماء بيدي، حتّى أضع الحبل على عاتقي.[6]
طاف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وصلّى، ورجع إلى منى في نفس اليوم. وقيل: صلّى الظهر بمكّة. وقيل: بمنى، وهذا القول بعيد، لأنّه مهما كان النهار طويلًا، فإنّ أداء مناسك منى من الرمي والحَلْق، ونحر ثلاث وستّين بدنة، وطبخها، وشرب شيء من مرقها، وإلقاء خطبة طويلة، والإجابة على أسئلة الناس، والقدوم إلى مكّة وهي تبعد فرسخين، وأداء المناسك في بيت الله الحرام، كلّ ذلك مستبعد أن ينتهي قبل الظهر بساعة، ويرجع إلى منى، ويصلّى فيها صلاة الظهر. وجاء في «البداية والنهاية» ج 5، ص 191 أنّ حجّ النبيّ كان في الصيف، والنهار كان طويلًا.
فالقول الأقرب هو أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم صلّى الظهر بمكّة، ثمّ اتّجه تلقاء منى.
وينبغي أن نعلم أنّ الحجّ مهما كان نوعه، تمتّعاً، أو قِراناً، أو إفراداً فله طوافان: أحدهما: يقال له: طواف الزيارة أو الإفاضة، وهو أوّل طواف يقوم به المحرم بإحرام الحجّ، سواء قبل الوقوف في عرفات كطواف القارِن والمفرد فيما إذا رغبا، فإنّهما يقومان بذلك بعد الإحرام والدخول في مكّة. ونرى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمير المؤمنين عليه السلام حيث كان حجّهما حجّ قِران، وكان قد ساقا معهما هدياً، عند ما دخلًا مكّة، طافا، وسعيا أيضاً في أوّل وهلة قبل الوقوف في عرفات. وبعد هذا الطواف أيضاً، سعيا بين الصفا والمروة.
وبالطبع فإنّ على القارن والمفرد بعد هذا الطواف أن يسعيا أيضاً بين الصفا والمروة، سواء بعد الوقوف في عرفات كالمتمتّع، أو كالقارِن والمفرد اللذين لم يطوفا ولم يسعيا قبل الوقوف.
والطواف الآخر: هو الطواف الذي يتمّ بعد الفراغ من مناسك الحج، ويقال له: طواف النساء. ولا خلاف بين الشيعة والسنّة في وجوبه.
وهذا الطواف ليس جزءاً من أعمال الحجّ، بل هو عمل واجب ومستقلّ، ومنفصل عن أجزاء الحجّ. ولو لم يقم به أحد، فلا إشكال في حجّه. غاية الأمر أنّه سيكون قد ترك عملًا واجباً وأنّ أثره الذي يترتبّ عليه وهو حلّيّة النساء سينعدم.
وسبب تسمية طواف النساء هو حلِّيَّة النساء والعقد عليهنّ، والشهود على العقد، في مقابل طواف الإفاضة الذي يمثّل جزءاً من الحجّ، وما يترتّب عليه هو حلِّيَّة الطيب والعطر.
وأهل السنّة يوجبون هذا الطواف أيضاً. غاية الأمر أنّهم يسمّونه طواف الوداع. ويعتبرون ما يترتّب عليه حلّيّة النساء أيضاً، إذ تبقى النساء على حرمتهنّ بدونه.
والسبب في أنّهم لا يسمّونه طواف النساء هو أنّهم جميعاً لا يرون حلِّيَّة الطيب في طواف الزيارة والإفاضة. وأكثرهم يرى أنّ استعمال الطيب يحلّ بمجرّد الحلق أو التقصير في منى. فلا تضادّ بين هذين الطوافين عندهم فيسمّون الطواف الأخير: طواف النساء. إلّا أنّ ما يترتّب على هذا الطواف- كما ذكرنا- هو حلِّيَّة النساء عندهم إجماعاً. فطواف الوداع الواجب عندهم- في الحقيقة- هو هذا الطواف، وأثره هو نفس الأثر، واختلاف التسمية لا يستدعي تغيير حقيقة العمل.
بَيدَ أنّ الشيعة- مضافاً إلى هذا الطواف الواجب- ترى استحباب طواف آخر يسمّى طواف الوداع عند الخروج من مكّة.
ولا يسعى في طواف النساء أو الوداع عند العامّة، مع أنّه واجب. وفيه صلاة ركعتين واجبة تقام بعده. غير أنّ طواف الإفاضة فيه سعي، والعمل بدونه ناقص.[7]
فلهذا نري رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمير المؤمنين عليه السلام قد سعيا بعد طواف الإفاضة، غير أنّهما لم يسعيا بعد طواف النساء أو الوداع الذي قاما به بعد الوقوف في عرفات وأداء المناسك يوم عيد الأضحى.
أمّا الذين أحرموا للحجّ من مكّة بأمر رسول الله، وكان حجّهم حجّ الإفراد، فعليهم بعد الوقوف وأداء المناسك في منى أن يطوفوا طواف الإفاضة، ويسعوا، ثمّ يطوفوا بعد السعي طواف النساء أو طواف الوداع، فالحمد للّه وحده.
رجع رسول الله إلى منى يوم عيد الأضحى بعد أداء المناسك في بيت الله الحرام. وعند ما كان يسأله الناس حول تقديم بعض المناسك الخاصّة بمنى على البعض الآخر جهلًا أو نسياناً، كان يقول: لَا حَرجَ. سواء تقدّم الحَلْق على الذبح، أو الحَلْق على الرمي، وحتّى لو تقدّم طواف الزيارة على الرمى. كان يقول: لَا حَرَجَ.[8]
وهنا تنسجم الروايات المأثورة عن الشيعة والعامّة مع هذا الحكم. وننقل فيما يلي روايتين عن الشيعة، وروايتين عن العامّة.
أمّا عن الشيعة، فقد روى عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دُرَّاج، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق، قال: "لَا يَنْبَغِي إلَّا أنْ يَكُونَ نَاسِياً".
ثُمَّ قَالَ: "إنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أتَاهُ انَاسٌ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنّي حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ، وقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ، فَلَمْ يَتْرُكُوا شَيْئاً كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أنْ يُؤَخِّرُوهُ إلَّا قَدَّمُوهُ، فَقَالَ: لَا حَرَجَ".[9]
والثانية: رواية رواها عدّة من الأصحاب، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قلت للإمام الباقر عليه السلام: إنّ رجلًا من أصحابنا رمي الجمرة يوم النحر، وحلق قبل أن يذبح.
فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا كان يوم النحر، أتاه طوائف من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله! ذبحنا من قبل أن نرمي، وحلقنا من قبل أن نذبح، ولم يبق شيء ممّا ينبغي لهم أن يقدّموه إلّا أخّروه. ولا شيء ممّا ينبغي لهم أن يؤخّروه إلّا قدّموه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ.[10]
وأمّا عن العامّة، فقد جاء في «صحيح مسلم» عن عمر وبن العاص، قال: وقف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حجّة الوداع بمنى على راحلته للناس يسألونه.
فجاء رجل، فقال: يا رسول الله! لم أشعر أنّ التحلّل قبل النحر، فحلقت قبل أن أنحر، فقال: "اذْبَحْ ولَا حَرَجَ".
ثمّ جاءه رجل آخر، فقال: يا رسول الله! لم أشعر أنّ الرمي قبل النحر، فنحرتُ قبل أن أرمي، فقال: ارْمِ ولَا حَرَجَ.
وجاءه آخر، فقال: إنّي أفضت إلى البيت قبل أن أرمي! فقال: "ارْمِ ولَا حَرَجَ".
قال: فما سئل رسول الله عن شيء قدّم ولا أخّر إلّا قال: "افْعَلْ ولَا حَرَجَ".[11]
الثانية: رواية رواها أحمد بن عمر بن أَنَس العذريّ بسنده عن اسامة بن شريك، قال: شهدت رسول الله في حجّة الوداع وهو يخطب، وهو يقول: "امَّكَ وأبَاكَ واخْتَكَ وأخَاكَ، ثُمَّ أدْنَاكَ أدْنَاك". قال: فجاء قوم، فقالوا: يا رسول الله، قيَّدنا بنو يربوع!
فقال رسول الله: لا تجني نفس على اخرى، ثمّ سأله رجل نسي أن يرمي الجمار، فقال: ارْمِ ولَا حَرَجَ. ثمّ أتاه آخر، فقال: يا رسول الله! نسيت الطواف، فقال: طُفْ ولَا حَرَجَ.
ثمّ أتاه آخر، حلق قبل أن يذبح، قال: اذْبَحْ ولَا حَرَجَ. فما سألوه يومئذٍ عن شيء إلّا قال: لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ.
ثمّ قال: "قَدْ أذْهَبَ اللهُ الْحَرَجَ إلَّا رَجُلًا اقْتَرَضَ امْرَءاً مُسْلِماً فَذَلِكَ الذي حَرَجَ وهَلَكَ. وقَالَ: مَا أنْزَلَ اللهُ دَاءً إلَّا أنْزَلَ لَهُ دَوَاءً إلَّا الْهَرَمَ".
نعم لقد دار البحث حول التقديم والتأخير في مناسك منى بعضها على البعض الآخر في مجالين.
الأوّل: عند الجهل بلزوم التقديم أو النسيان. وفي هذه الحالة تجمع الروايات على عدم لزوم الإعادة والتكرار، كما مرّ في رواية جميل المتقدّمة. وهنا مع فرض لزوم التقديم والتأخير وشرطيّة ذلك، كما يستفاد من الروايات، ينبغي أن نقول بأنّ الشرطيّة منحصرة عند التذكّر والعِلْم، لا عند الجهل والنسيان.
الثاني: عند التعمّد والعلم. وحينئذٍ على الرغم من الروايات الواردة في لزوم الإثم والذنب والحرج، مع فرض صحّة الحجّ، وقطع أصحابنا بعدم لزوم التكرار والاعادة، ينبغي القول: إنّ هذه الشرطيّة في التقديم والتأخير من باب تعدّد المطلوب، لا من باب وحدة المطلوب المشروطة بهذا الشرط. وفي هذه الحالة لو أتى أحد بأصل الماهيّة والطبيعة، فإنّ المطلوب قد تحقّق، ولا مجال للإعادة والتكرار، إلّا أنّه في الوقت نفسه فات مطلوب آخر، وهو التقديم والتأخير، ممّا يستلزم الحَرَج والذنب. وعلى الرغم من أنّ الحجّ أيضاً صحيح وكامل، ولكنّه ليس حجّاً تامّاً. وهنا يستبين الفرق بين الكمال والتمام. ويسمّى يوم العيد: يوم النَّحْر، ويوم الأضحى، ويوم الحجّ الأكبر.[12]
ويسمّي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر: أيّام التَّشْريق، وذلك للمعان الشمس وإشراقها على لحوم الأضاحى التي تُشَرَّق وتتلألأ بسبب أشعّة الشمس، ولذلك اطلق على الليالي التي تسبقها: لَيَالي التَّشْرِيق. ويصطلح على اليوم الحادي عشر: يَوْم الرُّءوس ويوم القَرّ أيضاً. لأنّ الحجّاج يأكلون فيه رؤوس الأضاحي غالباً، ويقرّون فيه مقابل يوم النَّفْر. واليوم الثاني عشر هو يَوْم الأكْرُع أو يَوْمَ الأكَارِع أو يَوْمُ النَّفْرِ الأوّل لأنّ الحجّاج يطبخون فيه أكارع الإبل والأغنام وباعتباره أوّل يوم يفرغ فيه الحجّاج من أعمالهم، أو يذهبون إلى مكّة، أو إلى أوطانهم فقد سُمّي بيوم النفر. كما يدعى اليوم الثالث عشر بِيَوْمُ النَّفْرِ الثَّانِي إذ ينفر فيه الحجّاج الذين لم ينفروا يوم النفر الأوّل.[13]
ويجب على الحاجّ أن يبقي في منى حتّى منتصف الليل، وذلك في الليلتين الحادية عشرة والثانية عشرة. إلّا أن يكون في مكّة مشغولًا بالعبادة.
ولمّا كان العبّاس بن عبد المطلّب عمّ النبيّ يتولّى سقاية الحاجّ، فلهذا استأذن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يبقي في مكّة ليالى منى.[14]
وأجاز رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لرعاة الإبل أن يرموا جمراتهم يوم العيد، ولا يرموا في اليوم الذي يليه، بل يرموا بدله في اليوم التالى لهذا اليوم وهو يوم النفر الأوّل. وأجاز لهم أيضاً أن يرموا بالليل.[15]
وجاء في بعض الروايات أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يأتي إلى مكّة ليلًا لزيارة بيت الله، ثمّ يرجع.
وأقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مسجد الخَيْف بمنى. وأمر أن يقيم المهاجرون في الجانب الأيمن، والأنصار في الجانب الأيسر، وسائر الناس بعد ذلك.
وقيل له: يا رسول الله! ألّا نبني لك بمنى بناء يظلّك؟ فلم يقبل، وقال: مِنى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ.[16]
ورمى رسول الله في اليوم الحادي عشر الجمرة الاولى، ثمّ رمى الجمرة الوسطى وبعدها رمى جمرة العقبة، كلّ جمرة بسبع حصيّات، يكبّر مع كلّ حصاة.
وقف عند الاولى والوسطى إلى القبلة قبل الرمي، ودعا الله عزّ وجلّ ثمّ رمى. أمّا في جمرة العقبة فلم يقف إلى القبلة، ولم يدعُ، بل رمى ورجع.[17]
وما ذكره المرحوم الفيض الكاشانيّ في كتاب «المحجّة البيضاء» من وجوب الوقوف إلى القبلة عند رمي جمرة العقبة سهو، كما يبدو.
وخطب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في اليوم الحادي عشر أيضاً، وحذّر من المخالفة، ورغّب الناس باتّباع السنّة. وقال بعد إسقاط الربا ووضعه عامّةً، ووضع ربا عمّه العبّاس خاصّةً، وإهدار كلّ دم اريق في الجاهليّة، وكذلك دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، وإسقاط كلّ مظلمة اخرى كانت في الجاهليّة، ودعوة الناس إلى احترام أموال المسلمين، وبيان حرمة النسيء، واستداره الزمان كهيئته الاولى: "ألَا لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض! ألَا إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ ولكِنَّهُ في التَّحْرِيشِ بَيْنَكُمْ".[18]
ثمّ قال: "ألَا هَلْ بَلَّغْتُ! ألَا هَلْ بَلَّغْتُ! ثُمَّ قَالَ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ أسْعَدُ مِنْ سَامِعٍ!"
قال حميد: قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قَدْ واللهِ بَلَّغُوا أقْوَاماً كَانُوا أسْعَدَ بِهِ.
وقال الحافظ أبو بكر البزّاز: لمّا نزلت سورة النصر على رسول الله بمنى في أيّام التشريق، ركب راحلته، ووقف للناس بالعقبة، فاجتمع إليه ماشاءالله من المسلمين، فخطب فيهم.
وبعد فقرات كثيرة أوصى فيها بالنساء وأداء الأمانة، وأكّد على حرمة الأشهر الأربعة، وغير ذلك، قال: "وَ لَا يَحِلُّ لِامْرِءٍ مِنْ مَال أخيهِ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ".
ثمّ قال: "أيُّهَا النَّاسُ! إنّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا أنْ أخَذْتُمْ بِهِ لَم تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ فَاعْمَلُوا بِهِ!"[19]
(ويتّضح من الخطب التي خطبها صلّى الله عليه وآله وسلّم قبل هذه الخطبة وبعدها، وجاء فيها لفظ: وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي أنّ هذه العبارة كانت موجودة في هذه الخطبة واسقطت منها).
وقد خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حجّة الوداع خمس خطب:
الاولى: في السابع من ذي الحجّة بمكّة المكرّمة. الثانية: يوم عرفة. الثالثة: يوم عيد الأضحى. الرابعة: يوم القَرّ: وهو اليوم الحادي عشر، بمنى. الخامسة: في يوم النفر الأوّل،[20] وهو اليوم الثاني عشر، بمنى.[21] بقي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بمنى أيضاً في الليلة الثانية عشرة والليلة الثالثة عشرة، ورمي الجمرات الثلاث- كما ذكر- في صباح كلّ ليلة من هاتين الليلتين. وتوجّه إلى مكّة في ظهر اليوم الثالث عشر.[22]
ويطلق على اليوم الثالث عشر: يوم النَّفر الثاني، وعلى الإمام أن يبقي بمنى حتّى ذلك اليوم، على الرغم من أنّ أكثر الحجّاج يخرجون من منى في يوم النفر الأوّل.
وكان مُعَمَّرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنُ حَراثَةَ هو الذي يرحل لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم [ليركب عليه. ولمّا أراد أن يركب]، فقال: يا معمّر! إنّ الرحل لمسترخى! فقال معمّر: بأبي أنت وامّي! لقد شددته كما كنتُ أشدّه. ولكنّ بعض من حسدني مكاني منك يا رسول الله أراد أن تستبدل بي! فقال رسول الله: ما كنت لأفعل![23] أجل؛ معمّر هذا هو الذي كان يحلق رأس رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وكانت قريش تقول عند الحلق: يا معمّر، اذُنُ رسول الله في يدك! وفي يدك الموسى! فقال معمّر: والله إنّي لأعدّه من الله فضلًا عظيماً عليّ![24] وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد عيّن حدود عرفات والمشعر الحرام. وها هو يعيّن حدود منى من أربعة أطراف، ثمّ يتوجّه إلى مكّة المكرّمة.
ثمّ خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من منى، ونزل في المُحَصَّب.[25] وسمّي المحصَّب بهذا الاسم بسبب وجود الحصباء، لأنّ الأبطح هي الأرض الرمليّة الواقعة في المسيل، والمغطّاة بالرمل الناعم.
والمحصَّب هو المحلّ الذي تعاقدت فيه قريش مع بني كنانة للتضييق على بني هاشم وبني عبد المطلّب، بأن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يؤوهم، حتّى يسلّموا اليهم رسول الله: ليقتلوه.
وتسمّى هذه الأرض: خَيْف بَني كِنَانَةَ، أي: الأرض الواسعة.[26]
وفي ضوء ذلك العقد، كان الرسول الأكرم ومعه المسلمون محاصرين في شعب أبي طالب عليه السلام ثلاث سنوات. وكان أبو طالب -بكلّ ما اوتي من قوّة وإمكانيّة- يدعمهم ويحميهم ماليا ودفاعيّاً، إلى أن ثبت إعجاز النبيّ إذ أخبر عمّه أنّ الله قد سلّط على معاهدتهم حشرة الأرضة فأكلتها ولم تبق منها إلّا عبارة: بِاسْمِكَ اللهُمَّ.
[1] «فروع الكافي» ج 4، ص 250؛ وص 247، و249 أيضاً؛ و«سنن البيهقيّ» ج 5، ص 134؛ و«البداية والنهاية» ج 2، ص 187 و188؛ و«السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 302؛ و«بحار الأنوار» ج 6، ص 666؛ و«روضة الصّفا» ج 2، ذكر حجّة الوداع؛ و«حبيب السّير» ج 1، الجزء الثالث، ص 410.
[2] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 303؛ و«بحار الأنوار» ج 6، ص 665.
[3] «سنن البيهقيّ» ج 5، ص 134.
[4] المصدر السابق و«روضة الصّفا» ج 2، ذكر حجّة الوداع.
[5] «البداية والنهاية» ج 5، ص 192.
[6] «سنن البيهقيّ» ج 5، ص 146، 147، و«البداية والنهاية» ج 5، ص 185، و«طبقات ابن سعد» ج 2، ص 182.
[7] انظر: «سنن البيهقيّ» ج 5، ص 146.
[8] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 305، طبعة مصر، سنة 1353 هـ.
[9] «فروع الكافي» ج 4، كتاب الحجّ، ص 504؛ و«بحار الأنوار» طبعة كمباني، ج 6، ص 662.
[10] «فروع الكافي» ج 4، كتاب الحجّ، ص 504؛ و«بحار الأنوار» طبعة كمباني، ج 6، ص 662.
[11] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 305: و«سنن البيهقيّ» ج 5، ص 141، وص 142 أيضاً؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 199.
[12] في عبارة يوم الحجّ الأكبر ينبغي أن نعلم أنّ الأكبر صفة لليوم لا للحجّ. أي: أكبر وأفضل يوم من أيّام الحجّ وهو عيد الأضحى.
[13] «البداية والنهاية» ج 5، ص 203.
[14] «البداية والنهاية» ج 5، ص 200.
[15] «سنن البيهقيّ» ج 5، ص 150 و151؛ و«فروع الكافي» ج 4، ص 481، 482.
[16] «البداية والنهاية» ج 5، ص 199؛ و«سنن البيهقيّ» ج 5، ص 138 و139.
[17] «فروع الكافي» ج 4، ص 480 إلي 482؛ و«سنن البيهقيّ» ج 5، ص 148؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 300.
[18] حَرَّش بين القوم: أغري بعضهم على بعض، وكذلك بين الكلاب وما شاكلها.
[19] «البداية والنهاية» ج 5، ص 201 إلي 203.
[20] «سنن البيهقيّ» ج 5، ص 151.
[21] «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 306.
[22] «حبيب السير» ج 1، الجزء الثالث، ص 401.
[23] «فروع الكافي» ج 4، ص 250 و251.
[24] «نفس المصدر السابق».
[25] المحصَّب أرض في الأبطح، شرقيّ مكّة، وتقع بينها وبين منى.
[26] «البداية والنهاية» ج 5، ص 203 إلي 205.
الاكثر قراءة في مقالات عقائدية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)