إنّ الشهور القمريّة هي ملاك التقويم للأمّة الإسلاميّة، لا غيرها، وذلك وفقاً للأدلّة الشرعيّة والتجربة التأريخيّة.
وتعقد الندوات والجلسات هذه الأيّام في أقطار العالم الإسلاميّ حسب التأريخ الميلاديّ، والإيرانيّون يؤاخذون تلك الأقطار على استعمال التأريخ الميلاديّ. ولو تساءلت تلك الأقطار عن التأريخ الذي ينبغي أن تتبنّاه وتشترك فيه مع الأقطار الاخرى، فهل هناك تأريخ يوحّدها مع غيرها سوى التأريخ الهجريّ القمريّ؟ وتؤاخذنا تلك الأقطار أيضاً أنّ السنين الشمسيّة غير إسلاميّة، وأنّ فروردين وبهمن وغيرهما من الشهور الفارسيّة هي غير إسلاميّة أيضاً، إذَنْ ينبغي أن نتلاحم ونتكاتف لإصلاح شئوننا على أساس قاعدة قرآنيّة صحيحة، وذلك لتتضافر جهودنا ونساهم جميعنا في أوّل شيء يمثّل شرطاً لوحدة المسلمين.
ونقول مرّة اخرى أيضاً: كيف لا يصحّ أن نؤرّخ ذكرى استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بالتأريخ الشمسيّ، لأنّه سيقع في شوّال يوماً، وفي ربيع الأوّل يوماً آخر؟ وكيف لا يصحّ أن نجعل عاشوراء بالتأريخ الشمسيّ، لأنّه سيقع في رجب مرّة، وفي شوّال مرّة اخرى؟ وكيف لا يصحّ أن نجعل النصف من شعبان حيث ولادة الإمام صاحب الزمان عليه السلام بالتأريخ الشمسيّ، لأنّه سيقع في محرّم يوماً، وفي صفر يوماً آخر؟ وبصورة عامّة تدور في السنة كلّها، وكذلك لا تصحّ في سائر المناسبات السنويّة.[1]
وهذا هو النسيء الذي نهانا عنه القرآن، وحذّرتنا منه السنّة النبويّة بشدّة من خلال خطبة حجّة الوداع. ذلك لأنّ السنين الشمسيّة تتأخّر عن السنين القمريّة. ولو قدّر أن نجعل التقويم على أساس التأريخ الشمسيّ، فقد أخّرنا أحد عشر يوماً كلّ سنة عن أوقات السنة السابقة؛ إذَنْ لا سبيل لنا إلّا تبنّى الشهور القمريّة، وذلك لكي لا نبتلي بالنسيء، ولنجعل كلّ فعل في موضعه وزمانه الخاصّ به.
ولمّا ورد ذكر النسيء في خطبة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بمنى، ممّا اضطرّنا إلى شرحه وتفسيره، جرّنا الحديث حول النسيء إلى بحث كامل وشامل حول الشهور القمريّة والسنوات الشمسيّة.
فللّه الحمد وله المنّة على تقديم هذا البحث النزيه لمطالعته من قِبَل القرّاء المحترمين لهذه الرسالة.
[1] جاء في «فروع الكافي» طبعة مطبعة حيدري، ج 4، ص 149 حول عيد الغدير: أنّ محمّد بن يعقوب الكلينيّ روى عن سهل بن زياد، عن عبد الرحمن ابن سالم، عن أبيه، قال: سألت جعفر بن محمّد عليهما السلام: هل للمسلمين عيد غير يوم الجمعة والأضحى والفطر؟ قال: نعم، أعظمها حرمة! قلت: وأيّ عيد هو جعلت فداك؟ قال: "اليوم الذي نصب فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أميرَ المؤمنين عليه السلام وقال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ!" قلتُ: وأيّ يوم هو؟! قال: وما تصنع باليوم؟ إنَّ السّنَةَ تدور؛ ولكنّه يوم ثمانية عشر من ذي الحجّة ... إلي آخر الرواية التي تحدّثت عن أعمال يوم العيد من ذكر الله، والصوم، والعبادة، وذكر محمّد وآل محمّد. ولمّا أراد السائل أن يعرف يوم الغدير حسب الفصول والشهور الشمسيّة، منعه الإمام وقال: إنّ المدار في تعيين الأيّام والأعياد وغيرهما هو الشهور القمريّة لا الشمسيّة. وعيد الغدير هو في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة. وهو غير معروف حسب الشهور الشمسيّة، لأنّ الأيّام تدور في السنّة، وكلّ يوم من الشهر القمريّ لا يوافق يوماً خاصّاً من الشهر الشمسيّ، بل هو يدور باستمرار. على سبيل المثال، يقع عيد الغدير في الربيع وبرج الحمل مرّة، وفي الصيف وبرج السرطان مرّة اخرى، وفي الخريف وبرج القوس مرّة ثالثة، وهكذا. ولمّا كان المدار في الامور الشرعيّة والحساب هو الشهور القمريّة، فلا جدوى من معرفة الشهور الشمسيّة وانطباق الامور والحساب عليها. ولذلك قال للسائل: وما تصنع باليوم؟! إنّ السَّنة تدور، ولكنّه يوم ثمانية عشر من ذي الحجّة.