آراء شخصيات إسلامية معاصرة عن الوحدة
بين الشيعة والسنة
محمد فريد وجدي (*)؟
من كبار المفكرين بمصر
في التجمع الإسلامي
أدرك محمد صلى الله عليه وسلم إن الإصلاح الذي أراده الله للعالم لا يقوم إلا بواسطة أمة تصدق في القيام به وتنشره في آفاق الأرض ولو كانت تبقى منزوية في حيزها فلا يمكن أن تؤدي مهمتها العالمية فصرح بذلك في قوله:
الإسلام أحوج الى الجماعة من الجماعة الى الإسلام. وهو قول يدل على نظرة عميقة في فلسفة الاجتماع وكانت هذه الفلسفة لم توجد بعد فوجه كل همته لبناء المجتمع الإسلامي بحيث لا يعتريه الاحتياج أجيالا متعاقبة حتى يتم ما ندب اليه من إذاعة كلمة الله الفاصلة للعالم كله فجاء من أقواله صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة بين آحاد المسلمين وفي وجوب تضامنهم وتضافرهم حتى يصبحوا كرجل واحد تحركه إرادة واحدة قوله :
مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد اذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
من لم يهتم للمسلمين فليس منهم. المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية ولما كانت همة المسلمين الأولين منصرفة بعد استقامة عقيدتهم الى العبادة والتقرب الى الله بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن السهر على صيانة الاجتماع الإسلامي أفضل من سائر العبادات التي كانوا يقدسونها ويعتقدون سموها فقال في هذا الباب:
نظر الرجل لأخيه على شوق خير من اعتكاف سنة في مسجدي هذا.
إصلاح ذات البين خير من عامة الصلاة والصوم.
من قضى لأخيه المؤمن حاجة فكأنما خدم الله عمره.
من مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار قضاها أو لم يقضها كان خيرا له من اعتكاف شهرين.
ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟
قالوا بلى قال:
إصلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا فقرر لهم أن العمل على تقوية الاجتماع يقي من عذاب يوم القيامة وعذابها تقشعر من سماعه الأبدان فقال:
من زحزح عن المسلمين شيئا يؤذيهم كتب الله له به حسنة ومن كتب الله له حسنة أوجب له بها الجنة من أقر عين مؤمن أقر الله عينه يوم القيامة إذا التقى المؤمنان فتصافحا قسمت بينهما سبعون مغفرة تسع وتسعون لأحسنهما بشرا كل هذه الأحاديث وكثير من أمثالها مما ليس له نظير في دين من الأدبان ولا جاء على لسان واحد من المصلحين الاجتماعيين جعلت من جماعة المسلمين أمة كرجل واحد
وإذا بلغت أمة هذا الحد من التضامن والتعاون فلا يمكن أن تنحل أو تختل بتأثير الحوادث العادية، ويكون لا بد لحدوث ذلك الانحلال من عوامل أقوى منها تتنزل من ضعف إيمانها بصدد الوصايا التي ذكرت بعضها في هذه العجالة وطروء الضعف على هذا المصدر يصعب في قرن أو قرنين وعوامله أكثرها علمية أو فلسفية تطرأ على شكل شبهات وهي لا تحدث في الأمم إلا بعد أن يبلغ العلم فيها أشده بعد عدة أجيال أي بعد أن يكون الغرض المقصود من التبليغ العام قد تم وأحدث في العالم ثمراته المرجوة وهذا هو الذي حدث فعلا فبعد أن أتم الإسلام تأليف أمته المثالية في مدة من الزمن لا تكفي لتأليف قبيلة وبعد أن قامت هذه الأمة المثالية بإحداث الانقلابات الاجتماعية والتطورات الفكرية والتوجيهات الأدبية في
الأمم كافة وبعد أن أصبحت حجة الله قوية بل بدهية استوى العالم كله إزاءها فمن استهدى بنورها وسار على سمتها بلغ العناية مما خلق له ومن تنكبها وسلك غير سبيلها فقد حقت عليه كلمة الله وأصبح من النادمين.
{قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} [يوسف: 108] (1)
___________________________
(*) محمد فريد بن مصطفى وجدي عالم حكيم كاتب صحافي ولد (عام 1292هـ) ونشأ بالإسكندرية وأقام في دمياط وانتقل الى السويس فأصدر لها مجلة الحياة وسكن القاهرة فعمل في وظيفة صغيرة بديوان الأوقاف ثم أنشأ مطبعة أصدر بها جريدة الدستور اليومية ثم الوجديات وهي شبه مجلة أسبوعية وتولى تحرير مجلة الازهر وادارتها وتوفي بالقاهرة عام 1373هـ من تصانيفه الكثيرة: دائرة معارف القرن العشرين على اطلال المذهب المادي الإسلام دين عام خالد الفلسفة الحقة في بدائع الأكوان صفوة العرفان في تفسير القرآن (معجم المؤلفين عمر رضا كحالة: 11/ 125ط بيروت).
1- دعوة التقريب ص343، 345 طبع المجلس الأعلى للشؤن الإسلامية.