قد عرفت [في المقام الثاني المتقدم] أن المحبّة والوداد بالنسبة إلى أهل الإيمان من مقتضيات الإيمان ، ومن الوظائف الأخلاقية لكل مؤمن ، وبالجملة فضيلة من الفضائل ، ولا وجوب لها ، ولكن محبّة أهل البيت وودادهم من أوجب الواجبات جعلها الله ورسوله أجر الرسالة (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (1) ولذا سأل الأصحاب عن رسول الله عن تعيين القربى بعد الفراغ عن وجوب المودّة فيهم ، كما روي عن ابن عباس أنّه قال : «لمّا نزلت الآية (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) قلت : يا رسول الله من قرابتك الّذين افترض الله علينا مودتهم؟ قال : عليّ وفاطمة وولدهما ثلاث مرات يقولها» (2)
وأكّد الأئمة ـ عليهم السلام ـ على وجوب المحبّة ، وإليك بعض التأكيدات ، قال محمّد بن مسلم : سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول : «إنّ الرجل ربّما يحب الرجل ، ويبغض ولده ، فأبى الله عزوجل إلّا أن يجعل حبّنا مفترضا ، أخذه من أخذه ، وتركه من تركه واجبا ، فقال : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (3) ، وقال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ في ذيل الآية المباركة : «هي والله فريضة من الله على العباد لمحمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ في أهل بيته» (4).
وقال الطبرسي ـ قدس سره ـ : «وصحّ عن الحسن بن علي ـ عليهما السلام ـ أنّه خطب الناس ، فقال في خطبته : أنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كلّ مسلم ، فقال : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً) واقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت» (5).
وقال العلّامة ـ قدس سره ـ في كتاب كشف الحق : روى الجمهور في الصحيحين وأحمد بن حنبل في مسنده ، والثعلبي في تفسيره ، عن ابن عباس رحمهالله قال : «لمّا نزلت (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) قالوا : يا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ من قرابتك الّذين وجبت علينا مودتهم؟ قال : علي وفاطمة وابناها» ووجوب المودة يستلزم وجوب الطاعة (6).
قال في دلائل الصدق بعد نقل الروايات عن طرق العامّة في تفسير الآية المباركة : ويؤيدها الأخبار المستفيضة الدالّة على وجوب حبّ أهل البيت وأنّه مسئول عنه يوم القيامة (7).
قال في الغدير : وأمّا حديث أنّ الآية نزلت في علي وفاطمة وابنيهما ، وإيجاب مودّتهم بها ، فليس مختصا بآية الله العلّامة الحلي ولا بامّته من الشيعة ، بل اتفق المسلمون على ذلك إلّا شذاذ من حملة الروح الأمويّة نظراء ابن تيمية ، وابن كثير ، ثم ذكر أسامي جملة من الحفّاظ والمفسّرين من أعلام القوم الّذين نقلوا نزول الآية فيهم ، وهم خمسة وأربعون ، وفيهم الإمام أحمد والحسكانيّ ، والثعلبيّ ، والنيسابوريّ والزمخشريّ ، والبيضاويّ ، والشبلنجيّ ، والطبريّ ، والرازيّ ، والنسائيّ ، والسيوطيّ ، إلى أن قال : وقول الإمام الشافعيّ في ذلك مشهور قال :
يا أهل بيت رسول الله حبّكم
فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنّكم
من لم يصلّ عليكم لا صلاة له.
ذكرهما له ابن حجر في الصواعق صفحة : 87 ، والزرقانيّ في شرح المواهب إلخ (8).
فوجوب حبّ أهل البيت ومودّتهم زائدا على وجوب التمسك بهم أمر واضح في الإسلام ، ويؤيّد وجوبه مضافا إلى ما ذكر من الأخبار والآيات ، ما أشار إليه المصنّف ـ قدس سره ـ في ضمن كلامه من أنّه قد تواتر عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ أنّ حبّهم علامة الإيمان ، وأنّ بغضهم علامة النفاق ، وأنّ من أحبّهم أحبّ الله ورسوله ، ومن أبغضهم أبغض الله ورسوله ، وقد دلّت الأخبار على ذلك بعبارات مختلفة.
وقد تصدّى العلّامة آية الله الأميني ـ قدس سره ـ في كتابه الغدير لنقل جملة منها عن طرق العامّة ، ونقل عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أنّه قال : «والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبيّ الأميّ إليّ : أنّه لا يحبني إلّا مؤمن ، ولا يبغضني إلّا منافق» وأشار إلى مصادر هذا الخبر ، وذكر ما يقرب الثلاثين من الكتب المعروفة للعامّة ، وفيها صحيح مسلم ، ومسند أحمد ، وسنن ابن ماجة ، ورياض الطبريّ واستيعاب ابن عبد البرّ ، وتذكرة سبط ابن الجوزيّ ، وفرائد الحموينيّ ، وصواعق ابن حجر الهيثميّ وفتح الباري لابن حجر العسقلانيّ ، وغير ذلك فراجع (9).
ثم نقل صورة ثانية عن أمير المؤمنين أنّه قال لعهد النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ إليّ لا يحبك إلّا مؤمن ، ولا يبغضك إلّا منافق. وأشار إلى مصادره الكثيرة ، ونقل تصريحهم بصحّة الحديث وثبوته ، وفي ضمن تلك التصريحات أنّ أبا نعيم ذكر في الحلية : ج 4 ، ص 185 : أنّ هذا حديث صحيح متّفق عليه ، وأنّ ابن عبد البرّ قال في الاستيعاب : ج 3 ، ص 37 : روته طائفة من الصحابة ، وأنّ ابن أبي الحديد قال في شرحه : ج 1 ، ص 364 : قد اتفقت الأخبار الصحيحة الّتي لا ريب فيها عند المحدثين ، على أنّ النبيّ قال له : لا يبغضك إلّا منافق ولا يحبّك إلّا مؤمن (10).
ثم ذكر صوره الاخرى عنه وعن أمّ سلمة وأشار إلى مصادرها وهي كثيرة ، وقال في الختام : هذا ما عثرنا عليه من طرق هذا الحديث ، ولعلّ ما فاتنا منها أكثر ، ولعلّك بعد هذه كلّها لا تستريب في أنّه لو كان هناك حديث متواتر يقطع بصدوره عن مصدر الرسالة ، فهو هذا الحديث ، أو أنّه من أظهر مصاديقه كما أنّك لا تستريب بعد ذلك كلّه أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ بحكم هذا الحديث الصادر ، ميزان الإيمان ، ومقياس الهدى ، بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وهذه صفة مخصوصة به ـ عليه السلام ـ ، وهي لا تبارحها الإمامة المطلقة ، فإنّ من المقطوع به أنّ أحدا من المؤمنين لم يتحلّ بهذه المكرمة ، فليس حبّ أي أحد منهم شارة إيمان ، ولا بغضه سمة نفاق ، وإنّما هو نقص في الأخلاق ، وإعواز في الكمال ، ما لم تكن البغضاء لإيمانه (11) وفي هذا كفاية ، ولا حاجة إلى نقل سائر الآيات والروايات ، الدالّة على لزوم محبّتهم ، وبذلك اتضحت دعوى المصنّف أنّ حبّ أهل البيت فرض من ضروريات الدين الإسلامي التي لا تقبل الجدل والشك ، وقد اتفق عليه جميع المسلمين على اختلاف نحلهم وآرائهم.
ثم لا يذهب عليك أنّ المحبّة الواقعيّة لهم لا تجتمع مع المحبّة لأعدائهم ، لأنّ من أحبّ شخصا أحبّ أحباءه ، وأبغض أعداءه ، وإلّا فليس دعوى المحبّة إلّا لقلقة في اللسان.
______________
(1) الشورى : 23.
(2) بحار الأنوار : ج 23 ص 241.
(3) بحار الأنوار : ج 23 ص 239.
(4) بحار الأنوار : ج 23 ص 239.
(5) بحار الأنوار : ج 23 ص 232.
(6) راجع احقاق الحق : ج 3 ص 3 ، بحار الأنوار : ج 23 ص 232.
(7) دلائل الصدق : ج 2 ص 77.
(8) راجع كتاب الغدير : ج 3 ص 172 ـ 173.
(9) راجع الغدير : ج 3 ص 183.
(10) راجع الغدير : ج 3 ص 184.
(11) راجع الغدير : ج 3 ص 184 ـ 186.