انّ المحبّة والوداد في الله كالبغض في الله من الامور التي ندب الإسلام الاجتماع إليها ، وأكّد عليها ، وورد في ذلك روايات كثيرة ، منها قول النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ : «ودّ المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان ألا ومن أحبّ في الله وأبغض في الله ، وأعطى في الله ، ومنع في الله ، فهو من أصفياء الله».
وسأل ـ صلى الله عليه وآله ـ أصحابه : «أيّ عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم وقال بعضهم : الصلاة ، وقال بعضهم : الزكاة ، وقال بعضهم : الصيام ، وقال بعضهم : الحجّ والعمرة ، وقال بعضهم : الجهاد ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : لكلّ ما قلتم فضل ، وليس به ، ولكن أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله وتوالي (تولّي) أولياء الله والتبري من أعداء الله» (1).
قال الفاضل النراقي ـ قدس سره ـ في تفسير هذه المحبّة والوداد في الله ، أن يحبه لله وفي الله ، لا لينال منه علما أو عملا ، أو يتوسل به إلى أمر وراء ذاته ، وذلك بأن يحبه من حيث إنّه متعلق بالله ، ومنسوب إليه ، أمّا بالنسبة العامّة الّتي ينتسب بها كل مخلوق إلى الله ، أو لأجل خصوصية النسبة أيضا ، من تقرّبه إلى الله ، وشدّة حبّه وخدمته له تعالى. ولا ريب في أنّ من آثار غلبة الحبّ أن يتعدى من المحبوب إلى كلّ من يتعلق به ويناسبه ، ولو من بعد ، فمن أحبّ إنسانا حبّا شديدا ، أحبّ محبّ ذلك الإنسان ، وأحبّ محبوبه، ومن يخدمه ومن يمدحه ، ويثني عليه أو يثني على محبوبه ، وأحبّ أن يتسارع إلى رضى محبوبه كما قيل:
أمرّ على الديار ديار ليلى
اقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي
ولكن حبّ من سكن الديارا.
وأمّا البغض في الله : فهو أن يبغض إنسان إنسانا لأجل عصيانه لله ومخالفته له تعالى ، فإنّ من يحبّ في الله ، لا بدّ وأن يبغض في الله ، فإنّك إن أحببت إنسانا لأنه مطيع لله ومحبوب عنده ، فإن عصاه لا بدّ أن تبغضه ؛ لأنّه عاص له وممقوت عند الله ، قال عيسى ـ عليه السلام ـ : «تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي ، وتقرّبوا إلى الله بالتباعد عنهم ، والتمسوا رضا الله بسخطهم» (2).
وهذا من مقتضيات الدين والإيمان ، وكلّما ازداد دين امرئ زيد حبّه في الله ، وبغضه في الله ، وكلّما ضعف إيمان امرئ نقصت فيه تلك المحبة والبغضة ، وإليه يشير ما رواه في الكافي بسند موثق عن فضيل بن يسار قال : سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن الحبّ والبغض ، أمن الإيمان هو؟ فقال : وهل الإيمان إلّا الحبّ والبغض ، ثم تلا هذه الآية : «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ» (3) وقال أيضا : «كلّ من لم يحب على الدين ولم يبغض على الدين فلا دين له» (4).
نعم ربّما يجتمع في بعض آحاد المسلمين موجبات الحبّ في الله ، مع موجبات البغض في الامور الشخصيّة قصورا وتقصيرا ، فعلى المؤمن الخبير أن لا يبتلي بترك محبّته في الله ؛ لأنّ الإيمان يقوى على الامور الشخصيّة ، والمنافع الدنيويّة ، فمقتضى الإيمان هو كونه محبوبا من حيث إيمانه ، وعروة الإيمان لا تنقض بموجبات البغض ، في الامور الشخصيّة ، ومن المعلوم أن الاجتماع الإسلامي مبنيّ على هذا الأساس القويم.
_______________
(1) الاصول من الكافي : ج 2 ص 125 ـ 126.
(2) راجع جامع السعادات : ج 3 ص 186 ـ 187.
(3) الاصول من الكافي : ج 2 ص 125.
(4) الاصول من الكافي : ج 2 ص 127.